ذاكرة متوفاه دماغيًا تتنفس عبر الأجهزة

فيما كنتُ أقرأ للمرة الثانية رسائل حمزة شحاتة إلى ابنته شيرين كنتُ أكابد الغصّات، وأتذكر المرة الأولى التي طالعت فيها الكتاب قبل أكثر من عشر سنوات بعد أن استعرته من مكتبة جمعية أم القرى الخيرية حيث كنت أدرس الخياطة والتفصيل مساءً بعد دوامي الصباحي في الجامعة. يرتبط كتاب الرسائل هذا بوجه أمينة المكتبة المألوف، ما زلت أتذكّر ملامحها ولون شعرها ومظهرها العام وطول قامتها لكنّي نسيت اسمها، يرتبط الكتاب أيضا بملمس الأقمشة الأوراجنز والدانتيل والبطانة الحريرية وقسوة الساتان ونعومة ملمسه وكل الأقمشة التي كنت أراكمها كما أراكم عملي دائمًا، فكل الأشياء التي أحبها ثم أدرسها أكرهها، أكره انتقالها من دائرة الهوايات إلى مربع الواجبات… رسائل حمزة شحاتة إلى شيرين تذكرني بالأيام الأولى للمسنجر، بوقت الاستراحة الذي أقضيه في المكتبة الملحقة بالجمعية، أستعير الكتب وأتصفح الإنترنت بنظام الدقائق المدفوعة. وقد كانت أمينة المكتبة تشرح لبعض الزائرات كيفية التواصل مع أقربائهم البعيدين عبر المسنجر.

كم اسم مستخدم امتلكت من يومها إلى اليوم؟
كم رسالة وصلتني؟
كم عدد الكلمات التي اهتدت إليّ بلا ساعي بريد ولا طابع ولا عنوان شارع ولا رقم بناية؟
كثير كثير…

كم بقي من كل هذا؟
لا شيء.

ولذا كلما قرأت رسائل حمزة شحاتة إلى ابنته شيرين أكابد الغصّات، أشعر أننا جيل منتجته التقنية حتى صرنا بلا ذاكرة، حولنا وبأيدينا ألف طريقة للحفظ والاسترجاع والنسخ الاحتياطي، لكن هذه الخيارات العديدة لا تخدم الذاكرة، لا تخدم ذاكرتنا، إنها تعلمها التواكل ثم تغدر بها وتشتتها، ذاكرة تسجّل كل شيء أولًا بأول، مع خاصية التدمير الذاتي، التحديث، المحو، إعادة التهيئة… الخ

في سياق الكتب والرسائل يستدعي ذهني كتابًا قرأته في بدء مراهقتي وأعدت قراءته مرات ومرات، الكتاب لأنيس منصور وعنوانه: (غرباء في كل عصر) عثرتُ عليه صدفة في بيتنا القرويّ ولا أعرف حتى الآن صاحب أو صاحبة الكتاب قبل أن يصل إلى يدي، فقد استوليت عليه، ومع الأسف فقدته منذ سنين. ربما أكون قد أعرته لرفيقة من رفيقات الدراسة اللاتي طوت الأيام حضورهن… أتذكّر بوضوح مقال جميل في الكتاب يتحدث فيه أنيس منصور عن موهبة كتابة الرسائل الطويلة، الرسائل التي تقول كل شيء وتبدو وكأنها نبش في الروح، تنقيب في الأعماق… وقد كنتُ آنذاك شغوفة بكتابة الرسائل الطويلة، وأحب أن تصلني رسائل من صديقاتي… في تلك الأيام، وفي العطل المدرسية كنت أتبادل مع صديقاتي رسائل طويلة نكتب فيها كل شيء، لم يكن يكفينا ورق الرسائل فصرنا نستخدم الدفاتر لتحتضن الكلام الطويل الذي نقوله في الإجازات الطويلة، وبعودة الدراسة نتبادل الدفاتر فنقرأها وكأننا عشنا العطلات سويًا. كان هذا قبل زمن الجوّال، في زمن مكالمات الهاتف الثابت التي يعترض الأهل على طولها… كنت أتكلم هاتفيًا مع صديقاتي بشكل متقطع وخلسة إذعانًا لتوبيخ الأهل… ولم يستوعبنا حينذاك شيء غير الرسائل.

يقول أنيس منصور في الكتاب إنه حاول محاولات متكررة كتابة رسائل طويلة، لكنه ما أن ينتهي منها حتى يحذف البداية التي تقول: إلى فلان. وبهذا تتحول الرسالة إلى مقالة… فينشرها على الصحف بدلًا من إرسالها للشخص المعني.

أحيانًا أشعر بحاجة ماسة إلى كتابة رسالة طويلة، رسالة تقول كل شيء، رسالة أودعها أفكاري دون ترتيب فيساعدني هذا على ترتيب فوضاي، رسالة تُمكنني من البوح بما يحتشد فيّ… وأشعر أيضا أني بحاجة إلى تلقي رسالة طويلة بجُمل مطنبة وشروحات مُفصّلة وحكايات عابرة وأسرار صغيرة، أحلم برسالة تتضمن اسمي بين سطر وسطر، تعتمد حروف النداء وتتيقن من الإجابة… فالرسائل أعذب ما امتلكت في عمري الذي مضى، وأكثر ما فقدت في عمري الحالي، فقد فرض علينا الإنترنت ماراثون الركض بين نوافذ المحادثات، وبذاكرة قصيرة المدى، تتشتت في القفزات السريعة بين المواقع وبرامج التواصل التي يحل أحدها محل الآخر بسرعة فيمحوه…

ضمن مقالات هذا الكتاب مقال نسيتُ عنوانه ومضمونه وبقيَ في ذاكرتي منه فقرة عصيّة على النسيان يقول فيها أنيس منصور: “الحب الحقيقي كالورد الطبيعي، حيّ وقصير العمر” وأُضيف لما قاله: كذلك الصداقات الجميلة التي خلّدتها الرسائل، ومحت الأيام وجوه أصحابها، ظلّت على قيد الحياة رغم قصر عمرها، وكأنها ورد مجفف يحتفظ بذاكرة ازدهار عمري الذي مضى.

الإبداع والحريّة

حين تتسع مساحات الحرية يتمدد فوقها الإبداع ويتنامى مُتحررًا من الجمود وضيق المساحة. يعتقد كثيرون أنّ العلاقة بين الإبداع والحرية علاقة لزوم واطّراد، وهذا يعني أنّ تزايد القمع يصيب الإبداع في مقتل، فيجفف الخوف منابع الإلهام ويضع القمع أشواكه ومتاريسه في طريق الإبداع.
كتبٌ كثيرة تم تأليفها في أزمنة الاضطراب والفتن تشهد بغير هذا، إذ يُخاتل فيها الإبداع كل قيد ويصطفي لذاته أقنعة يتحدث من ورائها، فيُنطِق الحيوانات ويستدني التاريخ من حيّز الماضي ويُعيد روايته وفقًا لمعطيات الحاضر. من هذا استنطاق ابن المقفع لحيوانات (كليلة ودمنة)، واستدعاءات ابن ظفر الصقلي لحوادث التاريخ في كتابه (سلوان المطاع)، وتأطير ابن عربشاه للحكايات وتوليدها في كتابه (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء)، واختلاق أخوان الصفا لوقائع محاكمة تدور بين الإنس والحيوان لإدانة وحشية الإنسان، وتحليق ابن سينا في فضاء الكلام مع سرب من الطيور في رسالته (الطير) التي ضمنها أفكاره على لسان طيور محلّقة تسامت عن ضيق المكان فخلّدها الزمان. كل هذا وغيره يشهد على قدرة المبدعين وغلبتهم لمساحات السكوت والتوجس بكتابات تقول ولا تقول، تعترض دون أن تُفصح، تُحذّر دون أن تختنق، وتحاكم وتحكم دون أن ترتقي مقعد السلطان.
هذه المؤلفات وإن شهدت بأن الإبداع قادر على المخاتلة ويعرف طرقًا متعددة للوصول، إلا أنّها تطرح سؤالًا عن صوت الإنسان المُغيّب خلف ما لا يعقل وما لا ينطق، صوته المتواري خلف أموات يستدعيهم من التاريخ لينطقوا نيابةً عنه، أو حيوانات عجماء تنطق بصوته.

في مقابل هذا الإبداع المُخاتل، ثمة إبداع مُنقاد، لا يُمكن أن نقول إنّ انقياده كان وبالًا عليه، فقد خلدت قصائد كثيرة نمت في حضن السلطة ومجّدت الطُغاة. لكنّها كانت إبداعات طيّعة لا تقول إلا ما ينبغي أن يُقال، ولا تنطق بصوت أصحابها بل تستعير صوت السلطة لترده إليها وتُسمعها إياه في قوالب جديدة. لكن خلودها لا يعني تأثيرها وقدرتها على بعث الشجى ليوقظ الأمل، أو ليواسي اليأس على الأقل. ولذا فإن الأثر النفسي الذي تحدثه قصّة واحدة من أدب السجون لا يدانيه تأثير ألف قصيدة مدح.
في السجن، في هذا المكان الذي يحتشد غالبًا بمن نادوا الحريّة وهتفوا لها. في هذا القفص الخانق ألّف الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الرمادي كتابًا سمّاه (الطير) وصفَ فيه من سجن الزهراء كل الطيور التي رآها من قبل تُحلّق بحريّة خارج القضبان وأهداه إلى رجل من السلطة التي سجنته، هذا الإهداء إن كان في ظاهره يوحي بالاستعطاف إلا أن جوهره تحدٍ للسجّان وكأن الشاعر الرمادي يقول لسجّانه: حبستني، فحلّقتُ بأجنحة مئات الطيور التي وصفتها في كتابي شعرًا. والشعر أكبر أجنحة ابتكرها الإنسان، يطير بواسطتها من أعمق الأمكنة المظلمة ومن أعقد التجارب المؤلمة.

والمساحة هُنا لا تكفي للحديث عن أدب السجون لأنه أدب اتسع على ضيق الزنازين، وهتف في وجه الطغيان لصالح الإبداع الحقيقي الذي لا يخرس، ولا ينضب، ولا يموت. الإبداع القادر على النمو في ظل أي سلطة، لأنه سلطة مضادة بحد ذاته.

الفرشاة السحريّة

من القصص البديعة التي قرأتها في طفولتي قصة عن صبي رسام امتلك فرشاة سحرية تتحوّل الرسومات بواسطتها إلى واقع، فإذا رسمَ بيتًا انفتح بابه واتّسعت مساحاته، وإذا رسم حصانًا انطلق يعدو خارج اللوحة، وإذا رسم نقودًا سمع رنينها… فصار يستخدم الفرشاة في مساعدة الفقراء، يرسم لهم ثيرانًا تساعدهم في الحراثة، ونقودًا تعينهم على الحاجة… حتى ذاع صيت الصبي فسمع عنه الحاكم واستدعاه ليرسم له جبلًا من الذهب، لكن الصبي رفض، فحبسه الحاكم في السجن وصادر فرشاة الصبي لصالح أحد الرسامين الذي رسم شجرةً تُثمر بالنقود على جدار بيت الحاكم، لكن الشجرة لم تتحول إلى حقيقة، فأعادها الحاكم إلى الصبي الذي تظاهر بالانصياع للحاكم، لكنه استغفله واستغل مَلَكَته السحرية ورسم على جدار السجن بابًا تحوّل إلى باب حقيقي مكنّه من الهرب… خارج السجن؛ صار الصبي يعتاش من بيع رسوماته التي لا يُكملها، فقد كان دائمًا يترك فراغًا في اللوحة حتى لا تتحول إلى حقيقة فيشيع أمره ويستدل عليه السلطان فيسجنه من جديد.

في يومٍ ما كان الصبي كعادته واقفًا في السوق يرسم لزبائنه، رسم طائرًا وترك نقطة خالية في اللوحة، وفي اللحظة الأخيرة قبل تمام لوحته حدث اضطراب في السوق، لا أتذكر سببه، ربما حادثة سقوط، أو عراك… المهم أن الاضطراب والتدافع الناجم عنه طال الصبي فارتطمت يده باللوحة و زلّت فرشاته وأتمّت ضربتها الأخيرة/الناقصة، فطار الطائر من اللوحة وسط ذهول الجميع…

لا تنتهي القصّة هُنا لكنّ الصفحات الأخيرة من الكتاب الذي قرأت فيه القصة كانت ممزقة، ولذا فأنا لا أعرف نهايتها حتى اليوم، ويعجبني أنها ظلّت طوال هذه السنين قصة غير مكتملة في ذاكرتي، كلوحات الصبي التي يتعمد أن يجعلها غير مكتملة، فكمال لوحاته سيعيده إلى سجن السُلطان، وكمال القصص في ذاكرتي سيأخذها إلى سجن الرتابة ويجرّدها من حرية التوقعات ومساحات الاحتمال، كما كان السجن سيُجرّد الصبي من حريّة الإبداع ولذّة اختيار موضوعه الفنّي.

فلتحيا النهايات المفتوحة دائمًا، فليحيا النقص الذي يُحررنا من سجن الكمال.

بكرة لا بد السما ما تشتي لي عَ الباب

uploads1508333961543-2908DABF-A8DE-4A95-BB3A-9CDED3D5159A

بدأت يومي مع فيروز. وهكذا تبدأ الأيام الخفيفة التي لها وقعُ هتّان يمنّي القلب بالسقيا ولا يروي ظمأه.

بدأت مِن صوتها تقول: و”إن ضحكوا بهالليل عيونك، بيصير نهار…خليني بقلبك طفلة وخلينا صغار”

ومن أغنية لأغنية بدأت أُطارد في صوت فيروز صباحات عدّة وأحشدها في صباحي هذا؛ صباحات السأم والدوام حين يصير صوت فيروز خلفية موسيقية عذبة لشوارع مكة، تغنّي: “مانام الليل سهران محبوبي” وعلى الأرجح شوارع مكة هي اللي تكون في خلفية المشهد، وصوت فيروز صدارة المشهد، صوت فيروز هو المشهد: “ينده من فوق يقول لا تنامي، جايي من البرد وكروم التين. خايف لا تروح بالشوق أيامي، صاروا الأيام ع حدود تشرين” وأنا لا أحفظ هذه الأغنية، أسمعها كثيرًا وأتذكرها بشكل غريب، إذ لا يلحُّ على ذهني لحنها، ولا بعض مقاطعها، بل مجموعة متفرقة من المُفردات والجُمل التي تلمع في ذهني، فأشعر أنها تعنيني بشكل خاص: “حبيبي ساكن بلون عيوني، عيوني الحلوين ع طول حلوين…. والهوى جنوبي، ع الدار جايين، طار الحمام، حبيبي بعدو حبيبي، يادنيا كيف ما كنتي كوني، ينسوني الناس، شفته من بعيد…الخ”.

بعد هذه الأغنية انتقلتُ إلى (كرم العلالي) التي بيني وبينها عقد من السنين، عقد نفض عن نفسه ثقل اسمه، فصار لحظة يُمكن اختزال ذكراها في جوال نوكيا n82 وذاكرة ٨جيجا التي حظيت بها آنذاك لأول مرة في جهاز متنقل، فحشدت في الذاكرة أغاني بديعة لا حصر لها، حشدتُ في ذاكرة جهازي ذاك ذاكرةً لعُمري القادم/ عُمري الحالي: “ياحلو ياغالي شو بحبك أنا” كنتُ أيامها لا أفتش في ذاكرتي عن الأغاني فحسب، بل عن ذاكرة الأغاني ذاتها، عن الأسماء التي خلقتها، عن الشعراء والملحنين، عن تسجيلاتها النادرة بأصوات ملحنيها، في لحظات نشأتها الأولى… زمن حين تذكرته “طلع لي البكي يا دلّي من كتر الهنا” وبيني وبين البنت التي كنتها “صرتُ بلا وعي.. شيء يقلّي تعي، شيء يقلّي ارجعي…”

وإلى مكان أقدم، بيدين مجرّدة من هاتف ذكي أو جهاز لانتقاء الأغاني، إلى زمن الأشرطة (الكاسيت)، أثمن ما كنت أحبه في مراهقتي وبدء العشرين، في زمن الراديو حين كانت الصدف الجميلة تسود لحظة لقاءاتنا بالأغاني. أتذكّر مشوار مسائي رتيب، في طريق عودتي من دورة ثقيلة كنتُ أدرسها، وأتصادم بسببها يوميًا مع كل الناس، مع أبي أيضا… في ذاك المشوار وصمته الثقيل، ومن الراديو الذي كان يقوم بمهمة ملء الفراغ بالكلام، انبعث صوت فيروز فأضاء الليل الذي كان يتكدس حينها بيني وبين أبي: “لوين رايحين، خلينا خلينا وتسبقنا السنين” ومن تلك الليلة إلى كل ليل سيأتي، سيكون المشوار ذاك، والطريق الرتيب، والفضاء الصغير الموحش الذي يفصل بيني وبين صمت أبي، حيث كنّا نُجبر القطيعة المفتعلة على الجلوس بيننا، من تلك اللحظة البعيدة إلى آخر العُمر، سأتذكر ذلك المشهد بدون الصمت، بدون القطيعة، سأتذكّر أن لم يكن بيني وبين أبي إلا مسافة أغنية تقول: “خلينا خلينا… وتسبقنا السنين” وهو شعور خاص لم أعلنه وقتها، ولم أعلنه أبدًا بعدها. لفيض شعوري في لحظة الغضب تلك بالطمأنينة والرضا اخترت الصمت، أو بالأصح حوّلت الصمت عن مساره، حوّلته من الغضب، إلى الطمأنينة العميقة.

وإلى أبعد، أبعد من كل هذا تأخذني الذاكرة… إلى نداء يقول: “ياجبل الـ بعيد، خلفك حبايبنا” فأتذكّر الكاسيت الذي عرفتُ فيه هذه الأغنية، كان ضمن هدايا قصة من القصص التي بعثرتها للنسيان، لكن الأغنية ظلّت عصيّة على النسيان، عرفتها في كاسيت منوعات بغلاف شفاف عليه رسوم ملونة ومعها أغانٍ أخرى، فرسخت فوق قلبي كالجبل البعيد الذي تقول عنه فيروز “خلفك حبايبنا”. وارتبطت بأيام فقدي الأول، يوم أن رحل جدّي بخفة وأورثني الخوف الثقيل… كنتُ ومازلتُ أسمعها وأتصور أن الموت هو ما تكنّي عنه فيروز: “ياجبل البعيد خلفك حبايبنا…”

والحقيقة أني لا أجرؤ على الإنصات لهذه الأغنية، لم أسمعها منذ سنين، أصادفها أحيانًا في قوائم التشغيل وكأنها تداهمني فأعاجلها بالانتقال لما بعدها، لا أجرؤ على تسليم نفسي لها، لذاكرتي معها، لهوّة العمر بيني وبينها. فيها تحضر قريتي “اشتقنا ع المواعيد، بكينا تعذّبنا… يا جبل الـ بعيد، قول لحبايبنا” لا أعرف كيف تستدعي كل أعيادي القديمة، وجه أمي في الثلاثين، البياض في وجه جدي ولحيته وثيابه، وأخواتي بفساتين ساتان، وأبي يحتال على العمر الهارب بكاميرا قديمة “شوف المواقد رمّدوا… وبعدوا الحبايب، بيعدوا”

في مقال لسناء خوري، لفتتني أنّ فيروز غنّت “قديش كان في ناس” بكلمات مختلفة في عمرين.

في التسجيل الأصلي تقول فيروز “بكرا لابد السما ما تشتي لي ع الباب… شمسيات وأحباب”

وبعدها بعشر سنين، أو عشرين، غنّت فيروز في حفل حي: “بكرا لا بد السما ما تشتي لي ع الباب، شمسيات وأحزان”

تقول سناء: “تلخبطت الستّ بين الأحباب والأحزان، وربما لم تتلخبط، وربما، مع العمر، وجدت في كلمة أحزان، العبارة الأدقّ لتعني أحباب. كم من سنوات مرّت بين التسجيلَيْن؟ عشر؟ عشرون؟”

في أول مرة انتبهت فيها لاستبدال الأحزان بالأحباب، قلتُ لنفسي بأسى، أن العُمر في فاتحته (يشتّي) بالأحباب… وفي نهاياته ينضب الأحباب فـ(يشتّي) بالأحزان.

واليوم، في قراءتي الثانية لمقال سناء أدركت أن الأحباب، هم الأحزان. واليوم عثرتُ على تسجيل آخر تقول فيه فيروز: “شمسيات وأحزان” فتساءلت حين عرفت أنّ هذا التبديل ليس خطأ عابرًا: هل تتعمد فيروز استبدال الأحزان بالأحباب، أم نسيت دون قصد أن الأحباب غير الأحزان…

جوّع كلبك

النصّ من كتاب (مع العرب في التاريخ والأسطورة) لرئيف خوري:

“نحنُ في الجاهلية مازلنا، وفي اليمن أيام الحميريين التبابعة. ومع ذلك سنتحدث عن مسألة حديثة، ونرى كم هي قديمة، ونتحدث عن مسألة قديمة، ونرى كم هي حديثة!

قال الراوي: كان أحد ملوك حميرَ – وما يعنينا من اسمه- شديد الوطأة على الرعية، غصّابًا لما في أيديها، وكان الكُهّان يفشون في الغيب فينبئونه بأن الرعية ستقتله إذا هو لم يقلع عن سيرته. واغتبط التاريخ بأن سجل خبرًا عن كُهّان مالوا من ملك إلى شعب.

إلا أنّ الملك لم يحفل بما جاءه من كهّانه، وظنّهم حقًا يفتشون الغيب، فقال: ومن أين لهم أن يعلموا الغيب؟ وما درى أنهم إنما رأوا الغيب من خلال اليوم.

ولبثت رعيته تتقلب من جوره على الجمر، وعاث فيها الفقر، وازدحم السائلون على بابه ينبئون ويشكون. فسمعتهم امرأته، وأطلّت يومًا فشهدت وجوهًا فرّ لونها، وعيونًا كاد يطفيء البؤس بصيصها.

فقالت له: نحنُ في العيش الرغد، وهؤلاء يلقون ما يلقون من الجهد، وإني لأخشى أن يصيروا عليك سباعًا، وقد كانوا ومازالوا لك أتباعًا.

فضحك منها وقال لها: شأنٌ لا علم لك به! أراكِ أصبحتِ سجّاعة، أما عرفتِ حكمة الحكماء: جوّع كلبك يتبعك. فسكتت كما تسكتُ المرأة غير مقتنعة، لتترك لرجلها مجال إعجاب بروعة كلامه.

واتفق أن وقعت هذه الجملة في سمع رجل يُدعى عامر بن جُذيمة، أو فلانًا من الناس، فوعاها. ولم يذكر لنا الراوي شيئًا عن وظيفة عامر هذا، ولكنه كان مُفكرًا على الأرجح. وخرجَ بين الناس ممتعضًا فرأى استسلامًا وخضوعًا، وكان ينتظر أن يرى فورة، وثورة تقع بعد ساعة، ففوجيء وقال في سره: لقد أصاب الملك، هذا الشعب لا يعدو أن يكون كلبًا، وجوّع كلبك يتبعك.

وانقضى الوقت الذي يُنمّي الأشياء ويُنضجها في صمت، وعامر بن جُذيمة مصر على رأي الملك الذي أصبح هو رأيه أيضا.

ثمّ فوجئ مرة أخرى، وكأن لا وظيفة للمفكر إلا أن يُفاجأ لأنه متأخر جدًا عن الواقع أو متقدم.

انفجر الشعب بالثورة. ولكن المفاجأة كانت بالطبع أشدّ وقعًا على الملك. ذلك أنها دحرجت رأسه عن كتفيه، بينما هي لم تزد على أن خطّأت عامر بن جذيمة في حسابه.

غير أن عامرًا لم يقبل، وأقام يُقلب الأمر على وجوهه ليعلم كيف بدر من (الكلب) ما بدر منه ثمّ وقع على تفسير جعل المفاجأة طبيعية، جدّ طبيعية، فقال: وأي عجب؟ ربما أخذ الكلب بمخنق سيده الظالم إن لم ينل شَبَعه.

وإلى اليوم -بعد ثورات التاريخ كلها- لا يزال الشعب كلبًا في رأي البعض، على أن الكلب لا يلبث أن يُفاجيء هؤلاء، كما فاجأ من قبل الملك الحميري وعامر بن جذيمة المفكر. أمّا الملك الحميري تدحرج رأسه فلم يعد قادرًا على أن يُعطي رأيًا. وأمّا عامر بن جذيمة المفكر العميق، فيُفاجأ أولًا، يُفاجأ عند الإبطاء وعند الإسراع، فيكوت سابقًا أو مسبوقًا. ثمّ لا يرى في آخر الأمر عجبًا في أن يأخذ الكلب بمخنق ظالمه. ولكن ما علينا، ما دامَ الأخذ بمخنق الظالم واقعًا على أي حال.”

_تعقيب_

في النصّ يحاول الكاتب استدعاء نماذج من التاريخ لإسقاطها على الواقع، ومحاكمة الواقع من خلال حركة التاريخ. وفي النص ثلاث سلطات تحكم حركة الحدث فيه تتمثل في (سُلطة السياسة=الملك) و (سُلطة المثقف= عامر بن جذيمة) و(سلطة الجموع= الشعب)

كانت السُلطة الأولى (السلطة السياسية/ الملك) فاعلة بشكل كامل في البدء حيث القمع بلا رادع، والتسلط بلا سبب، والاستهانة بنصح الناصحين متمثلًا في (الكهنة) و (الزوجة) إذ واجه الملك نصيحة الكُهّان بالتكذيب، وقابل نصيحة الزوجة بالتسفيه.

أمّا سلطة المثقف فقد كانت مجرد ظلالًا للسلطة الأولى/السياسية. حيث كان التنظير من خلال رؤية الملك (الشعب كلب) فالملك ينظر للشعب كحيوانات يُمكن التحكم فيها من خلال تجويعها، والمثقف يُنظّر لهذه الرؤية من خلال مراقبة حال الشعب الخاضع، ويحاول إثباتها.

حين تنقلب سلطة الجموع، وتخرج عن القالب الذي وُضعت فيه، تدفع السلطة السياسية الثمن/تنتهي. ويبقى المثقف كسلطة غير فاعلة وأقل من أن تدفع ثمنًا لصمتها وتأييدها… وبدلًا من أن يُغيّر المثقف رؤيته للجموع الفاعلة ويؤمن بها، يعمل على محاولة إثبات نظريته الأولى والإضافة لها… فالشعب مازال كلبًا في نظر المثقف غير أنه في البدء جاع وصمت، وفي النهاية هجم على صاحبه ونهشه.. نظرية (حيونة) الشعوب تظل صامدة عند المثقف، وتظل نظرته لها قاصرة عن رؤية دورها وفاعليتها فهي (مملوكة) وتتصرف كرد فعل لفعل مالكها (يأخذ الكلب بخناق صاحبه)

وختامًا ينتهي النص بالحديث عن سلطتي الجموع والحكم السياسي متجاهلًا المثقف، لأنه غالبًا مايكون خارج سياق حركة التاريخ.

خاتمة:

قال أعرابي يوصي ولده: “يا بني إن لكل قوم كلبًا، فلا تكن أنت كلب قومك”

حاشية على ما سيق:

  • لا يُشترط أن يكون التجويع من الطعام، قد يكون تجويعًا من الكرامة والكلمات والتفكير.

مروءة المرأة: كمال النقص

تنحاز كثير من القصص والمقولات في التراث العربي ضد المرأة، فتفترض فيها الشر والحيلة أحيانًا، أو السفه وسوء التدبير ونحو ذلك في أحيان أخرى.

حتى حين يتعلق الأمر بالخصال رفيعة القدر التي تُطلب في المرأة والرجل على السواء يظهر هذا التحيز.

(المروءة) خصلة إنسانية حميدة لا تختص برجل أو امرأة. فالجوهري يقول في معجمه: (المروءة: الإنسانية) فهي في أبسط تعريفاتها التحلّي بصفات الكمال الإنساني.

لابن المرزبان كتاب عنوانه: (المروءة)، فيه أقوال كثيرة تؤكد على أن العقل والكرم والتحبب إلى الناس ونقاء الثياب وقلة الخلاف واجتناب الريب… وكل الصفات التي تُجمّل الرجل وتصونه تُعدّ من المروءة. بين هذه المقولات مقولة واحدة تتعلق بالمرأة وتجعل مروءتها كامنة في مفارقتها للكمال الإنساني: “قيلَ لأبي ثفال المري وكانَ ذا عقلٍ ومُروءة ما مروءة المرأةِ؟ قال لُزُومُهَا بيتها، وَاتهَامُهَا رأْيهَا، وطَوَاعِيتُها لزَوْجِهَا، وقِلّةُ كلَامِهَا”

التحيز ضد المرأة ظاهر في هذا النص، بدءًا بتضييق الخناق عليها بفرض (لزوم البيت وطاعة الزوج وقلة الكلام) دون ضابط. وانتهاءً بالتمادي في تسفيه رأيها إلى حد مطالبتها بأن تسفّه عقلها من تلقاء نفسها: (اتهامها رأيها).

كيف تتفق صفات الكمال الإنساني مع تسفيه المرء لذاته واتهامه رأيه؟ مع أن (الاستخفاف بالناس) من خوارم المروءة لكن حين تختص العبارة بالمرأة يُصبح الاستخفاف بالنفس مطلبًا محمودًا، وهذا يكشف عن ذكورية المقاييس التي يُفرّق بها الخطاب الثقافي بين المرأة والرجل حتى في الخصلة التي ينبغي أن يتصفا بها معًا، فالمروءة (فعولة) من (امرئ وامرأة) أيّ من الجنسين. لكنّ الأقوال الواردة في الكتاب تطلب مُقاربة الكمال الإنساني في الرجل، فقط، وحين يتعلق الأمر بالمرأة يصبح كمال النقص مطلبًا لتمام مروءتها؛ بسلبها حُرية الحركة، ثم الثقة، ثمّ الاختيار، وأخيرًا سلب حقّها في الكلام.

نُشِرَ في صحيفة مكة:

https://makkahnewspaper.com/article/4393

الحكي منجاة

uploads1507052231606-IMG_6352

حكت شهرزاد لتغلب بالسرد شهوة القتل، فكانت الحكايات تمد في عمرها ليلةً بعد ليلة، وكان أبطال قصصها مثلها يلوذون بالحكاية من أجل النجاة التي كانت سمة أساسية لهذه الحكايات الألف، إلا أنها ليست غاية هذه الحكايات وحدها، بل تكاد أن تكون غاية كل الحكايات التي تستدعيها الشعوب في أوقات محنها وتلتصق بوجدانها. فحكاية سيف بن ذي يزن الجاهلية عادت وتشعبت في فترة الصراع الذي خلفته الحروب الصليبية بين أثيوبيا النصرانية والممالك المسلمة في أفريقيا، فعادت صورة البطل العربي بشكل أسطوري، ليهزم الأحباش من جديد، وكانت مهمته الأولى هي استعادة (كتاب النيل) الذي استولوا عليه فحجزوا به النيل عن مصر. فالحكاية هُنا مسخرة لنجاة الهوية من الطمس، ونجاة المد الإسلامي من الحصار. بعيدا عن السير الشعبية القابلة للزيادة والاستعادة، تظهر غاية النجاة عبر الحكاية في عدد من الروايات، ففي (كتاب الضحك والنسيان) لكونديرا كانت السلطة القمعية تعد بمستقبل أفضل لكن أبطال الرواية المنفيين كانوا يفكرون في الماضي. (تامينا) لا تفعل شيئا إلا محاولة استعادة رسائلها ومذكراتها. (ميريك) يقول: «نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان» في حرافيش نجيب محفوظ أيضا ينجو أبطاله على مدى عشرة أجيال من خلال حكاية واحدة تنتشلهم من التهميش والظلم وجبروت السلطة، وهي حكاية جدهم الأول (عاشور) المعروف بـ (الناجي).محليًا؛ في عام محنة جدة كتب محمد صادق دياب (مقام حجاز) لعل مدينته تنجو عبر حكاياتها من الفساد والغرق، فامتد نسل أبطاله (أسرة دحمان) من 1513م حتى 2011م. انتقموا من ظلم الولاة، وذادوا عن مدينتهم من الغزاة البرتغاليين، وحاولوا حماية المظلومين، واستمروا في التقاطع مع الأحداث التاريخية التي ألمت بالمدينة، حتى عام 2011م إذ عادت روح الجد (محسن) شهيد الحصار البرتغالي والتقت بأحفاده. فوجد كل شيء قد تبدل. يتساءل: أين جدة؟ ويأتي الجواب: «لو كنت تسمع لقلت لك: مواسم المطر، ومواليد برج الجدب يموتون في موسم المطر». وعودة إلى الليلة الأولى من الليالي الألف، تحكي شهرزاد عن عفريت غاضب أقسم على قتل تاجر، فظهر ثلاثة أشخاص قايضوا حياة التاجر بثلاث حكايات عجيبة، افتتن بها العفريت فمنح التاجر حياته. وكل حكاية من هذه الحكايات الثلاث تدور حول أشخاص مسحورين مسختهم قوة شريرة إلى حيوانات، وبواسطة الحكاية استعادوا إنسانيتهم وقلبوا السحر على الساحر. فكانت الحكاية عودة للحياة، وعودة للإنسانية.

نُشر في عكاظ https://www.okaz.com.sa/article/1071759

 

شجر النجاة

uploads1478908184769-IMG_1869

من قصص الطفولة التي كانت ترويها لي جدتي قصة (خاش باش) البنت الفاتنة التي لا تـشبه اسمها والتي كادت لها زوجة أبيها، وعانت من ظلم أخواتها واكتفى والدها بأن هرّبها من البيت لينصرها على زوجته التي طلبت قتلها. في رحلة (خاش باش) الطويلة نحو النجاة تأوي إلى نخلة لتهرب من الذئب وتخاطب النخلة قائلة: يانخلة أمي وأبي انزلي انزلي..
فتصير النخلة في مستوى قامتها، وترتقي عليها وتقول: يانخلة أمي وأبي اطلعي اطلعي…
فتعود النخلة لطولها الشاهق فتصير البنت في مأمنٍ من الذئب.

اتذكر أيام الثانوية ربما، نشرت صحيفة الحياة ملفًا خاصًا عن القصص الشعبية في البلاد العربية، وصادفت مشهدًا قريبًا من هذا المشهد في قصة أردنية، بنت تهرب إلى شجرة وتخاطبها بجملة مشابهة: انزلي… فتنزل… واصعدي فتصعد.

والآن أقرأ في أولى أساطير عبدالكريم الجهيمان الشعبية، في الأسطورة تهرب (جوزاء) بأمر أخيها (خضير) من حصانه الذي يعشقها، لا يقتل الأخ حصانه ليحمي أخته لأنه حصان أصيل معروف بالسبق، وكل ما يبذله لحماية أخته هو منحها ثلاثة أيام تهرب فيها وتبتعد بأقصى ما يمكنها قبل أن يطلق حصانه المهتاج الذي عجز عن تهدئته. يلاحق الحصان جوزاء ويقترب منها فتأوي مع جاريتها إلى شجرة. تخاطب الشجرة قائلة: ياشجيرة البر تقيصري تقيصري وأمك القصيرة… فصارت الشجرة تهبط إلى الأرض قليلًا قليلًا حتى لامست أغضانها التراب فقذفت جوزاء بحوائجها على ظهر الشجرة وجلست مع جاريتها أعلاها وقالت: ياشجيرة البر تطيولي تطيولي وأمك الطويلة.
فصارت الشجرة ترتفع وترتفع حتى جعلتهما في مأمنٍ من الخطر.

بغض النظر عن سُبل النجاة الأخرى في هذه القصص، اللجوء للسلطة أو الاحتماء بسطوة الجمال والفتنة أو الهرب مع العبيد وارتداء جلودهم لستر الجمال الذي كان منذ البدء سببًا في الأزمة كما قد يكون في الختام بابًا للنجاة… من بين كل هذه الطرق يظل هذا التفصيل الهامشي، الحميمي، والمكرر مع الشجر تفصيل آسر ويغري بتتبعه في القص الشعبي… فالشجرة التي كانت سببًا في الهبوط من الجنة تصير في الأرض مطواعةً للنساء وحاميةً لهن تنزل بفعل كلمة وتصعد بفعل الكلمة أيضا.

عن صِيَغ الجمع والاعتياد الأعمى

 

ترعبني صيغة الجمع في مقابل الواحد؛ كالحالات في مقابل الطبيب، جمع الطلاب في مقابل الأستاذ، جموع العملاء والمستفيدين في مقابل الموظف، الشعب في مقابل الحاكم… الخ

وسم الجموع بصفتها في مقابل وسم الفرد بوظيفته يلغي الإنسان الفرد في مقابل تغليب الإنسان النمط أو الإنسان القالب، فينسى الطبيب أنه يتعامل مع إنسان يتألم ويتذكر أنه يتعامل مع حالة، ينسى المعلم أنه يتعامل مع طالب يفكر بشكل منفرد، يشعر، يُكسر، يخاف… يتذكر فقط أنه يتعامل مع مجموع رؤوس تجلس على المقاعد… الفكرة ذاتها تتكرر مع باقي الأدوار، فكرة إلغاء الشخص بكل الاتساع الهائل فيه لتغليب صفته الاعتبارية المؤقتة التي نتعامل معه من خلالها.

من هذا التكرار والتغليب يولد الاعتياد المخيف، الروتين الذي يُفقدنا الحس الخاص في التعامل مع الأمور. الاعتياد الذي يعني مرورك بالشيء ألف مرة و مروره عليك مرات لا تُحصى حتى تفقد ملكة الانتباه إليه وإدراك تفاصيله.

كتب ماركيز في كتابه (قصص ضائعة) مقالًا بعنوان (أبهة الموت) تتقاطع تفاصيله مع مخاوفي هذه. كتب عن جمود الروتين، ومأساة البيروقراطية في وكالة لدفن الموتى. بفعل الاعتياد والتعامل اليومي مع الموت يفقد الموت هيبته ويُعامل الموظفين الموتى وذويهم معاملة آلية باهتة.

يذهب ماركيز ليشهد مراسم حرق جثة صديقه، فيجد التوابيت المشتراة من عائلات الموتى لتضم جثامين أحبتهم قد صارت بلا جدوى بعد انتهاء مراسم الدفن، فتعمد الوكالة إلى بيعها من جديد لعائلات موتى آخرين. يصطدم ماركيز ومرافقوه بطابور الانتظار الطويل للجثث التي ستُحرق، وبعد طول الانتظار يقترح السائق: لماذا لا ترجعون غدًا وتحاولون أن تكونوا أول من يصل؟”

الموظف الوحيد في هذه الوكالة يُفسّر الأمر بتفسير خبّاز: “الفرن مشغول، والفرّان في الداخل لن ينتهي من التفرين قبل ثلاث ساعات”

يختم ماركيز مقاله بقصة بشعة عن امرأة أمريكية باعت كل ماتملك ليحظى زوجها بجنازة أكثر أبهة من إمكاناتها الطبيعية. كل ترتيبات الجنازة كانت تبدو مُحكَمة ومثالية، إلى أن يتصل بها أحد موظفي وكالة دفن الموتى ليخبرها أن الجثة أطول مما هو مدوّن في العقد، وهذا يعني دفع مبلغ إضافي لإتمام مراسم الدفن. وحين تُخبره الزوجة أنها انفقت كل شيء يُقدّم لها الموظف حلًا بصوته الهادئ: أرجو منكِ  أن تمنحينا تفويضًا لنشر قدمي الجثة.

وبالطبع لن تقبل الزوجة بهذا الخيار المروّع و وجدت المال بطريقتها ليُدفن زوجها كاملًا

والسؤال الذي تركته قصة هذه الأرملة في ذهني هو: هل مازالت إنسانيتنا نحن الأحياء  مكتملة في مواجهة الروتين والاعتياد والبروقراطية؟ أم أنّ أجزاءً  منها تم نشرها واستئصالها لنتواءم مع الصيغ الأولية لعقود وجودنا؟ ولنلائم المقاسات المطلوبة. فيسهل دفننا في الحياة قبل الموت.