قابيل: نسخة محدّثة

في الحرب العالمية الثانية، في عام ١٩٤٤ تحديدًا تعرّضت بلجراد لقصف الحلفاء البريطانيين والأمريكيين يوم عيد الفصح، وفي اليوم الثاني تعرّضت إلى غارات ألقت عليها حوالي ٣٧٣ طنًّا من القنابل.
يحكي الشاعر تشارلز سيميك عن أهوال الحرب وفظائع القصف حتى أنّه لا يتذكر أي مشاهد ملوّنة من طفولته، يقول: “هل كان العالم رماديًّا وقتها؟ في ذكرياتي المبكرة كان العالم دائمًا في أواخر الخريف، الجنود رماديون وهكذا هم الناس”
والمفارقة، أن سيميك التقى في عام ١٩٧٢ بأحد الرجال الذين قصفوه في ١٩٤٤ حين قابل بالصدفة الشاعر الأمريكي ريتشارد هيوجو في أحد المطاعم وتحدثا، سأله هيوجو: أين قضيت الصيف؟ فأخبره سيميك أنه عاد للتو من بلجراد.
قال: “آي نعم بإمكاني أن أرى هذه المدينة جيّدًا” وبدأ يرسم تخطيطها العام ببقايا الخبز وبقع النبيذ على مفرش طاولة المطعم. رسم المعالم المهمة، فظنّ سيميك أن هيوجو زار بلجراد سائحًا. فسأله: كم من الوقت قضيت في بلجراد.
أجاب: لم أزرها أبدًا، أنا فقط قصفتها عدّة مرات.
اندفع سيميك مذهولًا: لقد كنتُ أنا هناك وقتها، أنا من كنت تقوم بقصفه…
يا للمفارقة!
يبرر هيوجو غارات القنابل تلك برغبة الطيارين في العودة سريعًا إلى إيطاليا وكان عليهم التخلص من حمولات القنابل بأي طريقة ممكنة ليتمكنوا من العودة، ولذا كانوا يلقونها على بلجراد…
ظلّ هيوجو يطلب الغفران من سيميك، لكنّ سيميك أكّد له أن ذلك بالضبط ما كان سيفعله هو لو كان مكانه. يقول: “بدونا كلاعبين صغيرين مرتبكين في حرب أحداث أكبر من سيطرتنا. هو على الأقل اعترف بمسؤوليته عمّا فعل، هذا ما لا نسمع به في حروب اليوم الآمنة حيث الموضة هي تحميل مسؤولية الأخطاء على التكنولوجيا… كيف تكون الأمور معقدة إلى هذه الدرجة؟”
وقد كتب هيوجو قصيدة اعتذار أهداها إلى سيميك، أعمق وأصعب ما فيها قوله:
“العالم لا يتعلّم أبدًا
التاريخ لديه طريقة لجعل الماضي مقبولًا، لجعل الموتى وهمًا…
لطيف أن أقابلك أخيرًا بعد الكراهية بدون سبب.
المرة القادمة إذا أردت أن تتأكد من نجاتك اجلس على الجسر الذي .
أحاول ضربه ولوّح لي”
*…*…*…*
في حادثة قصف بلجراد تغيب المواجهة المباشرة بين القاتل والقتيل، بفعل آلات الحرب المتطورةصارت حوادث القتل الجماعي تمرّ على الناس مرورًا إحصائيًا، قتلى بلا وجوه، أشلاء لا أجساد، أرقام لا أسماء…
وقد فرّق ممدوح عدوان في كتابه (حيونة الإنسان) بين نوعين من أنواع الإبادة الجماعية: النوع الأول الإبادة التي يرى فيها القاتل الدم الذي يسفكه ويستمتع به، أما النوع الثاني وهو الأكثر شيوعًا – لا سيما بعد التطور الهائل في الأسلحة- الإبادة عن بعد، يكون القتل فيه أكثر شمولًا بحيث إن القاتل يفكر على أساس المناطق على الخارطة أكثر مما يفكر بالأفراد… وقد اعترف أحد الضباط الأمريكيين الذي أعطى الأوامر بتقتيل لواء من جنود عراقيين منسحبين من حرب الخليج الثانية وشارك هو بنفسه في التنفيذ، بأنه شعر بأن الأمر شبيه بلعبة الgame التي يمارسها الأولاد على الكمبيوتر أو الأتاري، وفي الحالتين لا ترى الضحايا بشرًا…. لكن في النوع الأول من الإبادة يرى القاتل النتائج المباشرة لعمله، بينما في الحالة الثانية لا يرى ذلك…
*…*…*…*
عن آلة الحرب المتطورة بتسارع ووحشية لتخدم نوازع القتل والتدمير، كتب غاليانو نصًّا بعنوان (روبوتات وأجنحة) يقول فيه:
” أنباء طيبة. في مثل هذا اليوم من سنة 2011 أعلن كبار الضباط في العالم أن الطائرات التي بلا طيار يمكن أن تواصل قتل البشر.
إن هذه الطائرات التي بلا طيارين، والتي لا طاقم فيها، والتي تُسيَّر بالريموت كونترول، هي في صحة جيدة: فالفيروس التي هاجمها كان إزعاجاً عابراً فحسب.
أسقطت الطائرات التي بلا طيار مطرها من القنابل على ضحايا لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في أفغانستان والعراق وباكستان وليبيا واليمن وفلسطين، وخدماتها متوقّعة في بلدان أخرى.
إن الطائرات التي بلا طيار هي المقاتلون التامون في عصر الكمبيوتر الجبّار. فهي تقتل دون ندم، وتطيع دون ملل، ولا تكشف أبداً أسماء أسيادها.”
*…*…*…*
وعن الحروب التي يشعلها الكبار، الكبار الذين هم آخر من يكتوي بنارها، يقول العراقي سليم مطر في روايته (امرأة القارورة):
“خلال سبعة أعوام الحرب قمت بسبع محاولات هرب، انتهت ست منها بالفشل. أما السابعة فنقلتني إلى (جنيف)، لأنها لم تكن بالضبط محاولة هرب قدر ما كانت تيهاً في أنفاق المجهول. وإذا كان الحظ قد حالفني في شيء ، فذلك بأني خلال سبعة أعوام، تمكنت بأعجوبة من أن أنجو من حكم إعدام نفذ بحقّ الآلاف من الفارين مثلي . أعدموا وعُلقت جثثهم أمام منازلهم ليكونوا عبرة للآخرين، بل إن عوائلهم قد أجبرت على دفع ثمن طلقات قد أعدم بها أبناؤها. يمكنكم أن تقولوا عني إني لم أكن شجاعاً في الدفاع عن بلادي، ولكن إذا كانت الشجاعة في عرفكم تعني التضحية بالنفس ، فإني على العكس منكم تماماً، إذ تقاس شجاعتي بمدى تمكني من حفاظي على نفسي. ثم خبّروني باللّه عليكم، هل من الضروري أن تنسحق روحي وتتقطع أوصالي ، لكي يجلس القادة المحترمون في النهاية إلى طاولة المفاوضات لتقاسم بضعة كيلومترات عند حدود ملطخة بدماء ملايين بائسة، ثم هل تضمنون لي أن هؤلاء القادة، بعد الانتهاء من مفاوضات الحدود، سيتفاوضون مع الرب لارجاع حياتي التي نهشتها دباباتهم وبعثرتها قنابلهم ؟ أشد ما كان يقززني ويدفعني إلى التمرد والهرب، صورة شاذة كانت ترتسم في مخيلتي في أثناء تفاقم المحنة: ” إن قادة الدولتين يتناكحون فيما بينهم ونحن جحافل الجيوش عبارة عن حيامن معتقة يقذفونها في بعضهم البعض. ننسكب نحن شهداء ملذاتهم وهم يرتعشون شبقاً في خطبهم وشتائمهم وتهديداتهم لبعضهم البعض. بعد أن يتعبوا وينتهوا، ينبطحون على ظهورهم في سرير المفاوضـات ويمسحون جبهاتهم ومؤخراتهم من جثثنا، ثم يتعانقون بحب”! “شجاع إذا ما امكنتني فرصة فإن لم تكن لي فرصة فجبان”

حزب السلاحف الأحرار

المشهد المُفضّل عندي من مسلسل الكرتون المدبلج (فلونة) كان مُختلفًا عن المشاهد التي لفتت انتباه أخواتي وصديقاتي؛ لطالما أحبوا منظر البيت المبني فوق الشجرة، ومشهد فلونة وهي لا تستطيع الجلوس بعد أن ضربتها أمها عقابًا لها، أو مشهدها وهي ثملة من (العصير) كما جاء في الدبلجة العربية، أو صراعات العائلة مع الذئاب والزلازل.. وغيرها من المشاهد.

مشهدي المفضل لا يتعلق بعائلة روبنسون كروزو أصلًا، بل يتعلق بسلحفاة (كومبارس) في هذا المسلسل، ربما لا يتذكرها أحد. تضع بيضها على الشاطئ وحين يفقس تخرج سلاحف صغيرة وكثيرة تمشي باتجاه البحر وحدها، بلا إرث أبوي، تشق طريقها نحو البحر والحياة دون أن تعرف من أين جاءت وكيف؟ لا أم ترعاها فيُثقلها الخوف من فقدها، لا إخوة وأخوات تتأثر بهم السلحفاة وتخشى من فقد آثارهم، لا أب تهابه وتهاب زوال هيبته حين يتقدم به العمر، لا عائلة تُحمّلها عُقدها وموروثاتها وقيودها وأحلامها المبتورة، لا أصدقاء ينهبهم العُمر مستغلًا زحام الحياة.. لا شيء، لا شيء إلا حياة بكر.. تتفتح في لحظتها.. وتمضي إلى الأمام بلا ماضٍ.

ذخيرة الأيام

في كل لحظة سعيدة أقول لنفسي: هذا شيء أدّخره للعمر القادم، لأتذكّره وأبتسم…

من هذه اللحظات السعيدة ذكرياتي مع حقائب السفر، إذ تُذكّرني بمشاوير أبي القديمة، تذكرني بعمله الذي كان يتطلّب السفر بعيدًا عنّا لفترات طويلة قياسًا بحساباتي آنذاك ولا أعرف على وجه التحديد كم كانت تطول فترات غيابه، فالقياسات في نظر الطفولة تكون أطول وأكبر وأبعد وأوسع دائمًا، وفي الوقت ذاته يكون اتّساعها في متناول اليد.

كان أبي يغريني بالاختباء في حقيبة سفره ليأخذني إلى عمله ويأنس بي. كنتُ أتصور المشهد؛ جسدي بين ثيابه البيضاء التي تطويها أمي بعناية، ورائحته تملأ الحيّز الصغير الذي أختبئ فيه حتى تحين له فرصة فيُخرجني من المخبأ/حقيبته، ونأنس ببعضنا.
كبرتُ وكبر أبي -ليت الآباء لا يكبرون- كبرتُ ولم أنسَ وربما نسيَ أبي… لكنني مازلتُ أحتفظ بهذه الذكرى وأخبئها في عتمة القلب، أُخرجها حين تتطاول الوحشة فتؤنسني كما كنتُ أتصوّر لحظة أُنسنا القديمة.

***

من هذه اللحظات أيضا لحظة مسروقة من مشوار رتيب اختار أبي خلالها أن يرتقي جبل السيدة، و وقفنا معًا على إطلالته من جهة مقبرة المعلاة، كنتُ أسير على نتوءات الحجارة بصعوبة بسبب كعب حذائي المرتفع. وقفنا معًا على الحافة، كانت أضواء مكة كلها تحتنا، كل بيت يومض من بعيد ويستهدف القلب، بيوت بحكاياتها، وشوارع بصخبها، أبراج بتعاليها، وسيارات باحتمالات وصولها.. كلها كانت تبدو وكأنها تتمدد تحت أقدامنا، أبي إلى جواري، وهواء بارد على غير عادة مكة في خلفية المشهد، ونشوة تتصاعد في روحي، وحميمية تعانقنا…

كلما ضاق عليّ الوقت تذكرت جبل السيدة و وقفتنا القصيرة واللحظة التي توغلت في الأبدية، لحظة تذكّرني بلحظة قديمة جدًا، أتذكّرها أحيانًا كأقدم ذكرى أحتفظ بها من طفولتي، تلك اللحظة التي وقفت فيها وسط الممر الضيق لبيتنا الأول، وكان الممر ينتهي بباب حديدي أزرق، أعلى الباب إلى السقف مساحة تغطيها زخارف حديدية كالشبابيك، تنفذ إلى الخارج…كنتُ أصغر من أن أتذكر عُمري وكان أبي أكبر من أن يكون في الدنيا شيء أكبر منه، حملني من تحت ذراعيّ ورفعني إلى الأعلى، إلى أعلى مايُمكن، إلى أن صرت مواجهة للزخارف الحديدية التي تعلو الباب، إلى أن رأيت الدنيا لأول مرة من فوق الباب، لا من خلاله أو من ورائه، تمامًا كما رأيت مدينتي من فوق، وكما أخذت النشوة قلبي في المرتين إلى فوق، إلى منطقة لا تطالها الأحزان ولا المرارة..

ألطف الكائنات

‏للصبايا فقط: هذه قائمة عن لحظاتنا الأجمل في أمكنتنا المغلقة والمعزولة. حيث نسكن البيوت كطيور قصقصوا أجنحتها لكنها لا تكفّ عن التحليق، وحيث نحلّق خارج البيوت أسرابًا تتبع بعضها:

❤❤❤

– ‏عن مشاهدة فيلم معا، فلا نعرف هل الفيلم جميل لأنه جميل فعلًا أم جميل لجمال (اللمّة) حوله؟ نتمدد على الأرض، رؤوس بعضنا على الوسائد، وأخرى منّا تتوسد فخذ صديقتها التي تخلل أصابعها في شعرها، نقاشات جانبية، إيقاف متكرر لانتظار المسكينة التي ناداها أخوها، شيبس، صوصات مبتكرة، وسعادة بسيطة قريبة.
– ‏عن الليالي التي تسبق أهم زفاف في العائلة، حين تبدأ قياسات الفساتين في حجرة واحدة. ووضع دبابيس على أماكن تتطلب التعديل، وتصدح الموسيقا ونقوم ببروفات رقص مصاحبة لبروفات الفساتين… نرتدي الكعب العالي على البجاما، نتدرب على الرقص بهذا الارتفاع… أحيانًا تكون لحظات الإعداد للمناسبة أجمل من المناسبة نفسها.
– ‏عن صديقتنا التي وقعت في الحبّ، فصار عندها حكايات لا تنتهي وتتجدد عن الشيء الجديد الذي تعيشه، ولا بد أن ننصت لهذه الحكايات مهما فقدت جدتها، وصار عندنا -نحن صديقاتها- موضوع واسم وتفاصيل نضحك عليها ونتهكم تارة، ونتعاطف لأجلها ونسخط لعذاباتها تارة… ونقدّم لها تقاريرا عن تلفيات قلوبنا لنجبر قلبها حين ينكسر، وكأننا نهمس له: (لست وحدك)
– ‏عن اجتماعات المطبخ؛ الالتفاف حول طاولة طعام قد لا تكفينا كراسيها، فتجلس إحدانا على رخام دولاب المطبخ، وأخرى تقف أمام المجلى، ينهمر الماء على الصحون التي تغسلها، وينهمر الكلام بيننا، فتغسل الحكايات أرواحنا، تزيل سخام التعب. ❤
– ‏عن اكتشاف كوفي جديد نطير إليه زرافات ووحدانا… وتتخلف إحدانا لأي سبب، ربما ارتباط عائلي، ربما أزمة مواصلات، ربما منع من الأُسرة… لكننا لا نتخلف عن حضور غيابها. فنلتقط صورًا لفناجيننا مع أيدينا المزينة بالمناكير والأساور… ونبعثها إليها لنقول: لن ننسَى نصيبك من اللمّة الحلوة❤
– ‏عن الوجوه والرؤوس المختبئة تحت الغلالة السوداء التي حفظت عنّكن الأغاني المختارة لقطع المشاوير، حيث تُخبئن السماعات تحت هذا السواد بالاحتراف ذاته الذي تخبئن به حكاياتكن/ شغفكن/ أوجاعكن/ أجسادكن/…
– ‏عن جلوسكن في صالات انتظار الجامعات لانتظار الباصات والسائقين، تجلسن بملل على الكراسي التي لن تملّ حضوركن، ولم تملّ فيض الحكايات العابرة التي تتبادلنها… تجلسن صامتات أحيانا، لكن قد تتخذ إحداكن موقفا من جمال الأخرى، فتسألها: (كحلك من وين؟ معليش ممكن أعرف ماركة ماسكرتك؟ كم درجة الروج؟)❤
– ‏عن الكثافة السكّانية في السيارات، حين تأتي فرصة تقول: “بتروح لك مشوار؟” ولا نقول: “يا ريت” بل نصعد مباشرة لسيارة يقول صاحبها: ما تكفيكم… فنرتصّ في دورين رغم أنف المقاول/السائق… وتكفينا، تكفينا كل سيارة طالما الوقت الحلو ينادينا…
– عن صوت استشورات السهارى لي مروا علي عصرية العيد، وليلة العيد، وصباح العيد… صوت الاستشورات حين يصبح ساوند تراك لمشاهد المناسبات السعيدة. يتجاوب في أرجاء البيت، وفي زحام الصالونات… هواء حار يساعد على توقّد الفرح، وإنضاج الجَمال…
– عن النوم في بيت الخالة أو بيت العمّة أو بيت الجدّة، النوم مع (لمّة) بنات العائلة، في غرفة تتمدد عليها مراتب النوم أرضا وعلى الأسرّة، طولًا وعرضًا… هذه النومة التي يسبقها ضحك ضحك ضحك لا يوصف ولا يُقاس.

إحصائيات

0998f5047a34ed92b1f22d885f1eb1f1

  • أمام كل نسبة تأييد عالية، ثمّة أصوات منفردة تمّ خنقها.
  • في مقابل كل أكثرية تكتسح، هناك أقلية تحاول النجاة.
  • من ناتج النمو الاقتصادي، يُطرح الإنسان.
  • في مقابل كل كتيبة تسير إلى القتال، حياة تتراجع مذعورة إلى الخلف.
  • خلف كل صفحة تنشر صورة زعيمين يتصافحان، ثلاث صفحات تتابع أخبار آلاف من الجنود يموتون تنفيذًا للأوامر.
  • أمام كل خبر يُنشر عن تمكين المرأة، مئات من النساء لم يتمكنّ من قراءة الخبر لحرمانهن من التعليم.
  • في كل مرة تجلجل فيها توصيات مؤتمر عن الطفولة، يبكي طفل مات أبوه في قذيفة غدرت به قبل أن يكتب وصيته.
  • على هامش الأرقام المعلنة حول ضحايا الحروب، تُحارب الأسماء كي لا تُنسى، كي لا يتم مسخها إلى أرقام…

لو كان الفقر رجلًا، ماقتلته

لو كان الفقر رجلًا ما قتلته، سأمنحه الخلود، فأجعله خالدًا مُخلدًا في زنزانة لا يرى فيها غير نفسه فيجزع منها، زنزانة ضيّقة كالزنازين التي يسجن فيها الفقر ضحاياه. زنزانة بضيق قبضته التي يُحكم إغلاقها حول أعناق الطامحين فيلفظون أنفاسهم وتتساقط رغباتهم بصورة عشوائية كجثث أسرى أعدمهم العدو بعد أن فشل في المفاوضة عليهم.

جنايات البشر في حق أنفسهم لا تُعدّ، ومن ضمن هذه الجنايات ابتكار النقود لحل المشاكل المتعلقة بتكلفة وتخزين ونقل البضائع… لقد تصوّر هذا المبتكر الجاني أنه سيخفف عنّا حمولات المقايضات، لكنّه حمّلنا أضخم حمولة في تاريخنا، فلم تخدمنا النقود الورقية، صرنا نخدمها. لم نمتلكها، صارت تملكنا.
أتصور لو أنّنا ما زلنا في زمن المقايضات سيتوقف العالم عن عرض مباهجه الفائضة في فاترينات شفّافة تمرّ عليها أعين المحرومين. لأن ما أملكه يشبه ما يملكه جاري، لا سبيل للتمايز في زمن المقايضات، فقد كان الكسب حينها على قدر التعب، من يتعب يكسب، من يكسب يُقايض، وما ينقص من بيتي لأني منحته لك سيحلّ محله شيء من بيتك… وعلى الأغلب؛ لن يولد البعض بملاعق ذهبية في أفواههم ولن يولد آخرون بأفواه يجول فيها الجوع.

لو كان الفقر رجلًا ما قتلته، سأمنحه الخلود، فأجعله خالدًا مُخلدًا في زنزانة تضيق على كل شيء باستثناء الندم، سأعرض للفقر طوال فترة محكوميته قصص ضحاياه، سأعرض قصص الأطفال الذين فاتتهم الأعياد لأنهم تخلّوا عن الثياب الجديدة التي لا يملكون ثمنها، فتخلّت عنهم الأعياد واستثنتهم المباهج الصغيرة. سأعرض للفقر أيضا قصص ضحاياه من البنات الفقيرات اللاتي يشعرن بالسقوط في هوّة عميقة داخل نفوسهم كلما جلسن مع مخمليات يتحدثن عن المكياج والعطور والملابس والأسواق والسفر… سأعرض للفقر في زنزانته وجوه الآباء المحبوسين في دوامة الكدح، الآباء الحزانى الذين ما غزاهم الشيب بسبب التقدم في العمر، بل بسبب عجزهم عن تحقيق أحلام أطفالهم.
سأعذبه بصور الأمهات اللاتي ربطن أحجارًا على بطونهن كي يخرس نداء الجوع، فالطعام الزهيد بالكاد يسدّ جوع الأبناء، أما جوع الأم فيندرج ضمن الترف والكماليات…
سأعرض للفقر صور الثياب القديمة التي تخجل من الفرح المتجدد الذي تلاقيه في أعين المحتاجين المبتهجين بأنها وصلت إلى أيديهم أخيرًا بعد أن عافها الأغنياء.

لو كان الفقر رجلًا لقتلت نفسي لأني فتحت له باب الشيطان بكلمة (لو) فتصورته رجلًا منّا، من جنس الإنسانية، من جنس ضحاياه، ساويت بين بطشه وضعفهم، والفقر عدو لا ينتمي لضحاياه، الفقر حجر ضخم جاثم على صدر الإنسان. وليتنا مثله لا نبالي “ليتني حجر” و “ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر” وما أصعب العيش حين لا يصير الفقر رجلًا لنعذّبه ونغتاله، وما أصعب العيش حين لا يصير الإنسان حجرًا لا يمسه العذاب ولا يهدده الاغتيال…

في المقعد الخلفي، كانت لي حكايات

ملاحظة أوليّة:

كُتِبَت هذه التدوينة في ٨ مارس ٢٠١٧، قبل السماح للنساء بقيادة السيارة.

54199d8f621a75937b9e41cb_01456807124547453954.jpg

مشاوير الأجرة أحد مخاوفي الكثيرة التي تُحكِم قبضتها على أيامي، فقد كنت ومازلت فتاة خائفة، أخاف من الوقوف طويلًا على الأرصفة، أخاف أن أُقْذَف بزجاجة، أخاف أن أُقْذَف بكلمة جارحة -وقد حصل- أخاف من التوغل في مكان مزدحم، أخشى أن أتعرض لتجربة تحرش أضطر لكتمانها وأعجز عن نسيانها، وأخاف كذلك من الأماكن الفارغة تمامًا والصامتة، الأماكن التي يُمكن للمرء في هدوئها المريب أن يسمع حتى صوت أفكاره، وأن يتخيل فحيح أفكار الآخر.

أنا البنت الخائفة دائمًا، لكنّ خوفي لم يعلمني الحذر. لا أعرف كيف أختلق لنفسي هوية جديدة، هذه واحدة من مشكلاتي الكثيرة، كلما اخترعتُ لنفسي اسمًا مستعارًا و وجهًا مستعارًا، لا يدوم الأمر طويلًا حتى أُخبر الجميع من أنا، مالم يكتشفوا الأمر قبل مصارحتهم به من الأساس. ولذا كنتُ أكره تبادل الكلام مع سائقي الأجرة، لأنّه حين يسألني عن عملي سأخبره، وحين يسألني عن حيي السكني لن يسعفني الوقت لأبتكر اسمًا جديدًا، وحين يسألني عن تخصصي ستغيب كل التخصصات عن ذهني ويبقى تخصصي فحسب، وبذا أكون قد نزلت من سيارته بعد تقديم سيرتي الذاتية.

فيما بعد اكتشفتُ أنّي لا أكره الكلام ذاته، لكنّي أكره الأسئلة لأنها تُجبرني على تقديم نفسي، وأنا لا أريد هذا… أريد أن أظل كتلة من السواد مطموسة الهوية تجلس في المقعد الخلفي وتنزل بلا هوية ولا اسم ولا وجه ولا عمل ولا اهتمامات… ولكنّي أحب السماع من هؤلاء العابرين، السائق العابر بالنسبة لي، وأنا العابرة بالنسبة له.

أتذكر دائمًا أول تجربة ركوب وحدي مع سائق، كنتُ مضطرة دائمًا لتبرير نفسي، ومازلت، أحتشدُ بالتوجس فأُخبر السائق العابر مثلًا أنّي سأذهب لأبراج البيت لألتقي صديقة تعمل هناك، حتى لا يظن أنّي أرتاد الفنادق لغاية رخيصة تغريه بي. أحزن دائمًا على نفسي حين أُبرر نفسي، لكنّي أُبرر نفسي دائمًا، لأن الخائف لا يملك خيارات عديدة.

مشواري الأول وحدي لم يكن للأبراج، كان للصيدلية، أوقفت سيارة أُجرة في الشارع وركبت، شاب صغير في السن، سعودي، محترم جدًا. سألني إن كنتُ أريد صيدلية بعينها، قلت: أي صيدلية. فبدأ يُفصّل لي في فروقات السعر بين (النهدي) و(غاية) والمثال الذي استخدمه (الحفّاظات والحليب) وفارق الستة ريالات، فعرفتُ أنه أب لطفل رضيع، يعتاش من المشاوير، رقّ قلبي له، لكل الذين يجوبون الشوارع بحثًا عن ثمن اللقمة المغموسة في التعب وضعف الاحتمالات. قبل نزولي سجلت رقمه، لم أكن حينها أُحب تعداد السائقين، فإذا ما ارتحت لأحدهم لجأت له في كل مرة، لكنّ الوضع الآن تغيّر. صرتُ أحب تجربة الركوب في كل مرة مع سائق جديد، في سيّارة أخرى، ولو كنتُ أعرف مدينتي بشكل جيد لسلكتُ طرقات جديدة، لكنّي أجهل هذه الشوارع التي اعتادت أن تلفظني.

مرة خرجتُ مع (ماهر) سائق أوبر الذي اعتذر عن إتمام مشاويري المتعددة، وأبدى استعداده لوجهتي الأولى فقط، حين هممتُ بالنزول قال إنه سيتحرك من مكانه، يخاف من مخالفة الوقوف الخاطئ، وقصّ علي قصة المخالفات المرورية التي أكلت من أجرته الكثير، وبلغت ضعف مكسبه في بعض الأوقات، واندلق الكلام بيننا، عن زبائنه السيئين، وعن تجاربي السيئة مع السائقين. ماهر شاب صغير رُبما كان بيننا عشر سنوات، لكنّه ظلّ ينصحني بحماسة ويُخبرني أنّ المثالية لا وجود لها، والاحترافية قد تنعدم عند الكثيرين، وينبغي عليّ تهيئة نفسي لهذا، وانتزاع نظرتي الوردية من المشهد، والحذر من الاستغلال… حين تبادلنا الحكايات، أبدى ماهر استعداده لمشاوير تلك الظهيرة كلها، من محل الجوالات إلى الصيدلية إلى مكتب زين إلى موقع شركة تسليم الشحنات إلى محلات الكمبيوتر… وكلما اعتذرت عن إرهاقه بكل هذا وعن تأخري في بعض المحلات، يقول: لا لا عادي خذي راحتك… رغم تشنجه في بدء المشوار.

كان في ماهر سمات كثيرة مما في إخوتي الذكور، يصغرونني إلى حدّ إدراك ذاكرتي للحظة ولادتهم وتسميتهم… ومع هذا يشعرون دائمًا بأنهم أدركوا كلّ شيء في المحيط الخارجي، فينصحوني بثقة ماهر وحماسته…

محمد السعودي أيضا، صاحب الكامري الذي خشيتُ من صورته وسيارته وفكرت في إلغاء الرحلة، بلا سبب… فقط لعقدة من سعودي آخر ألغى الرحلة يومًا ما بعد انتظاري له مدة ٩ دقائق في المطر، بحجة أنّي رفعت صوتي عليه في الهاتف، وأنه ليس أصغر عيالي… المهم أن محمد الذي ارتبتُ منه، كان كريمًا ووقورًا وخدومًا، لدرجة أنّي طلبت منه الوقوف في شارع مُقابل للمحل الذي أريد، فخشي عليّ من قطع الشارع وعرض أن ينزل هو بنفسه ليشتري لي أغراضي…

محمد المصري الذي أسمعني موسيقا كلاسيكية تشغل مساحة الصمت، شعرت برغبتي في بدء حديث معه، حين بدأت موسيقا (حلوة يا بلدي) سألته عن عدد السنوات التي قضاها هُنا، فأخبرني أنها ١٥ سنة، عمل خلالها أعمالًا عديدة، بائعًا في قزّاز، سائق أجرة، ثمّ سائق أوبر… سألته: تحنّ لمصر؟ قال: أوووه دائمًا.

تكلمنا عن الفرق بين العمل سائقًا لأجرة والعمل في أوبر، قال إن أوبر عمل أفضل من كل عمل جرّبه من قبل، في الأجرة هو من يبحث عن زبائنه، في أوبر الزبون يفتش عنه، في الأجرة المرور يتعقب ويحاسب، في أوبر تمضي الأمور سلامات، تأمين الأجرة لا يُطاق، وتأمين سيارته الخاصة أهون… أخبرته أن أبي الذي يمتلك سيارة أجرة سيحوّلها إلى سيارة خصوصية بسبب تكاليف التأمين العالية، وضعف قدرته على العمل الآن… سألني عن عمر أبي، وسنوات عمله. وحين أخبرته، صارحني بمخاوفه في هيئة سؤال: هل أثّرت القيادة الطويلة على ظهر أبيك وعظامه؟

انتقلنا للحديث عن المعيشة، عن التقشف وغلاء الأسعار، فحكى لي عن أوجاع المقيمين، وعن تجديد الإقامة… وأغلق الموسيقا الكلاسيكية واستبدل بها أغنية تقول: ملعون أبوك يافقر…

وحين اقتربت من وجهتي الأخيرة قال: أحب اسم مُنى، بنتي اسمها مُنى…

وابنته في مصر، وأنا في المقعد الخلفي، وأبي في الحديث الذي بيننا…

لربما كان هذا كلّه مما لا يستحق الحكاية عند الآخرين، أمّا عندي -أنا التي أتحرك دائمًا في مساحة ضيقة جدًا- فهو يستحق التذكر والحكاية… لأني أحب مطاردة الحكايات والقبض عليها، ولأنّ هذه تجاربي الأولى في اكتشاف مدينتي، في عبور الشوارع وحدي والتعرف عليها، في الإنصات لحكايات الغُرباء، وفي الاحتكاك بما هو خارج الحَلَقات المستحكمة حولي…