“ماحدا بيلغي جناحاتي”

من سجنه كتبَ الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الرمادي كتابًا سمّاه كتاب (الطّير) وصف فيه كل طير رآه خارج السجن شعرًا.
ومن سجنها كتبت روزا لوكسمبرغ رسالة إلى صديقتها تقول فيها: “تتساءلينَ عمّ أقرأ؟ العلوم الطبيعيّة في غالب الأحيان… البارحة كنتُ أقرأ عن أسباب اختفاء الطيور المُغَرِّدة في ألمانيا… تألمتُ من فكرة التدمير البطيء لهذه المخلوقات الصغيرة المسالمة التي لا حولَ لها ولا قوّةَ، وانهالت دموعي على وجهي”
وفي ذات الرسائل تقول: ‏”هل تصدقيني إن قلت لك إنه يمكن للأغنية التي يغردها العصفور أن تكون ممتلئة المعنى؟ كانت أمي التي تعتقد أن (شيلِر) والإنجيل هما أسمى مصادر الحكمة مقتنعة بأن الملك سليمان يفهم لغةَ الطيور…كانت بساطة أمي تجعلني أبتسم لكنني اليوم كبرتُ لأصبح كالملك سليمان، فأنا أيضا أفهم لغة الطيور”
وعن غناء العصافير حين تسمعه من زنزانتها كتبت: “قلبي يرتعش إثارة ومعاناة لدى سماعي هذا الغناء فأرى وجها جديدا لحياتي وللعالم…هذا الغناء الرقيق الذي لم يستمر أكثر من نصف دقيقة ملأ صدري بفيض من الحنان وندمت فورًا على كل قسوة أحاسيس مارستها، وقررت أن أكون طيبة، طيبة بكل بساطة وبأي ثمن، هذا أفضل من أن أكون على حق”
وفي سجن تزممارت الرهيب، الذي سُجِنَ فيه عدد من الضباط المغاربة ثمانية عشر سنة لم يروا خلالها الشمس ولا النهار ولا الضوء ولا الأهل ولا الأحباب، حكى أحمد المرزوقي في كتابه الموجع عن هذه التجربة قصّة فرخ الحمام الذي سقط في زنزانته ذات يوم، فصار أنيسًا للسجناء، يطربون لرؤية أجنحته البيضاء وسط العتمة التي اعتادوها، أطلقوا عليه اسم (فرج) ولم يرغبوا في حبسه معهم، أطلقوه أكثر من مرة لكنه كان يعود في كل مرّة، يعود كما لو كان مبعوث الحريّة والفضاء الطلق إلى عتمة السجن وفظاعة القيد. تذكّرني قصّة حمامة تزممارت بقصّة الحمامة الأولى التي أرسلها نوح -عليه السلام- بعد الطوفان ليتأكد بواسطتها من عودة الحياة إلى الأرض، فطارت وعادت، ثمّ طارت وعادت، ثم طارت وعادت أخيرًا بغص زيتون ينبئ عن الحياة التي تفتّحت على الأرض من جديد بعد الغرق والهلاك.

أظنّ أن حلم الطيران حلم مشترك لجميع البشر، ربما ما مرّت طفولة أحد منّا دون أن يرى نفسه في المنام يطير… لكنّ هذا الحلم يصير أكثر إلحاحًا وأكثف حضورًا في النوم واليقظة حين يفقد الإنسان حريته، وتلتهم الزنازين أيامه، وتكبّل القيود يديه وقدميه، ولكن كلّ هذا لا يكسر جناحيه، بل يَنبت له جناحان في خياله فيطير بواسطتهما إلى المدى المفتوح خلف هذا الضيق.

يقول ابن سينا في قصيدته عن النفس:
“هبطَتْ إليكَ من المحلِّ الأرفعِ
(ورقَاء) ذات تعزّزٍ وتمنّعِ”
والورقاء: الحمامة
وقد ورد عن أفلاطون: إن علّة هبوط النفس إلى هذا العالم سقوط ريشها، فإذا ارتاشت ارتفعت لعالمها الأول.
فما نحنُ إلا ريش منثور كالهباء، وأرواحكم أيها السجناء وأيها الشهداء صارت أجنحة، فانعتقت، وحلّقت. 🕊

ولذا أحبّ الطيور بكافة أنواعها وأشكالها، من العصافير إلى الحَمَام إلى النوارس وحتى الغربان والبوم لا أستطيع أن أحصرها في سياقات الشؤم والتطيّر، فما أن تفرش جناحيها حتى تعود رمزًا للانطلاق والتحرّر… أحبّ الطيور وأراها في مناماتي الجميلة أيام حزني، وفي مناماتي العاديّة في زحام أيامي الخاليّة من أي شعور، أحلم بالحَمَام وبالعصافير… مرّة رأيتُ في منامي النوارس في غير مكانها، إذ حلمتُ أنّي ألتقطُ فيديو لطائر نورس يطير على قريتي الجبليّة البعيدة عن البحر وأبعث بالفيديو إلى صديق يعيش على ضفاف الخليج مع تعليق: “بيننا وبين البحر ٤٠٠ كيلو ومع هذا فالنوارس عندنا”. بعد شهرين فقط من هذا المنام ضاقت ضفاف الخليج وقريتي الجبلية ومدينتي الساحليّة وكل الأمكنة على هذه الأرض ضاقت، ضاقت عليّ كزنزانة بعد أن غيّبوا رفاقي في عتمة السجون… وبقيتُ في صحوي أحلم بطائر النورس ذاك الذي حلمتُ به في منامي من قبل. أحلم به في يقظتي يطير فوق وعورة أيامي، بعيدًا عن نداوة البحر… كأملٍ يطلّ على الأرض اليباب… ولم يخذلني الطائر ولا خذلتني أجنحة الحلم… عاد صديقي، وسيعود الرفاق💙

أمل

الصديقة التي أرغب أن أقول عنها إنها علّمتني معنى الأمل، ودرّبتني على القتال في سبيل غدٍ أجمل، وساعدتني على اتخاذ الحلم درعًا يدرأ عني هجمات هذا العالم الرمادي الذي يتربص بنصيبي من الألوان والحلم والأمل. لكنّي لن أقول هذا فقد كانت قُدراتي أقل من استيعاب كثرتك، قامتي أقصر من امتداد اليأس، وأنا أجبن من ردّ الأيدي التي تتطاول على أحلامي وتخنقها، وأبطأ من سرعة انتشار الرماديّ… كنتُ حمولتك الثقيلة التي تجرّينها معك نحو خنادق النجاة… لكنّك كنتِ لي عكس كل هذا، فوق كل هذا، أعظم من أن ينال منك شيء من هذا.
يلمع الحُب في عينيك، وتصعد إلى صوتك القصائد، منذ سنين تأخذيني من عُزلتي إلى المدى المفتوح الذي تعيشين فيه. حين يسألني عنك أي أحد أقول: (عرّابتي) وأستلذُ بهذا، ينتشي صوتي حين يُشير إليك باعتبارك من أعظم ماعرفت، وأحب مَن عرفت.
أتذكر المرة الأولى التي رأيتك فيها، وقد كنتُ قبلها أعرف اسمك جيدًا من الزميلات والصحف… في قاعة مناقشة كنتِ تسرعين الخُطى باتجاه الباب الذي يُغلق تلقائيًا وكأنك تسابقين الباب. سألتُ الزميلة التي دلّتني عليك: هذه أمل؟
فقد كان مظهرك أصغر من تصوراتي عنك، تصورتك امرأة كبيرة عمرًا وشكلًا كحضورك الكبير في المشهد الثقافي والأكاديمي وفي قلوب الناس. لكنّي رأيتُ طفلةً تتصرف بعفوية آسرة، صبية بشعر طويل وخُطى متسارعة ودهشات لا تنضب.
في المرة الأولى التي وصلني فيها صوتك، كنتُ أمام المرآة أتحضر لمناسبة و وردني اتصالك، عرّفتني بنفسك ورتبتِ معي موعدًا لتسلميني كتابًا مُرسلًا إليّ بواسطتك. أتذكر كيف سمعتك أمام المرآة، وأنا أنظر لوجهي وصوتك معي… أستحضر هذا الموقف الآن بشكل رمزي، أتذكّره وكأنه إشارة إلى أن حضورك سيجعلني دائمًا أجمل، حضورك سيعكس لي صورة محسّنة عني، وأجمل الأصدقاء هم الذين لا نحبهم ويحبوننا فقط، بل نحب أنفسنا في حضرتهم أيضا… نحبنا لأننا نبصر ذواتنا بأعينهم، ونتبصر بنا من خلال قلوبهم.
ُثمّ التقيتك، في مكتب أستاذة بحثت عنّي من قبل حين درّست مقررًا يخصها نيابةً عنها ولم أقابلها، قالت لي في ذلك اللقاء السريع: (أخيرًا شفتك، أنا ولّعت كشاف أدور عنك) في إشارة منها إلى توغلي في الغياب… ولم تعلم ولم أعلم أن حضورك يومها كان افتتاحًا لاستحضارك لي في سياقات أرحب… انتشلتني من خجلي وهروبي الدائم، من صمتي الطويل وتمسكي بالهامش، من تعريفي لنفسي باعتباري من نباتات الظل. معك وبواسطتك تعرفتُ إلى صوتي، معك وبواسطتك حررتُ نفسي من سجنها في هامش الخوف والارتباك، معك وبواسطتك حضرت الأمسية الأولى في حياتي، صغت المداخلة الأولى، قرأتُ ورقتي النقدية الأولى، كتبتُ مقالي الأول، نشرت أول بحوثي… الخ
موضوع بحث الماجستير كان من اقتراحك، أنجزته بفضل المراجع الكثيرة التي جلبتِها لي دون طلب مني، بحث الدكتوراه الأول كان من مراجعك أيضا… كل نجاح لي يهتدي بك، كل إنجاز يُضاف لاسمي يكون بإضافةٍ منك…
في كل لقاء يجمعنا لا تكتفين بفيض الحُب الذي يُضفيه عليّ حضورك، بل تستبقين هذا بوردة… أكثر من وصلني بالورد أنتِ، تُنبتين الفرح في وقتي وتوقفين وقتك لرعايته وسقايته وتتركين لي القطاف.
كلما التقينا أُخبر أختي الصغيرة أني التقيتك، فتقول لي: (ياحظك) ففي لقائها اليتيم بك أحبتك كما يحبك كل الناس، تقول إنها تتذكر تفاصيل بيتك جيدًا، تتذكر الغبطة التي غمرتِها بها، تتذكر الفرح الذي حشدتِه بين يديها، تتذكر الطفلة التي أتاحت لطفلة مثلها مباهجًا لا تنضب وأوسعت في الذاكرة حيزًا لذكرى حميمية وعظيمة….

لو تعلمين ما تعلمته منك، لو تدركين مقدار ما أضفته لي، لكنك لن تعلمي ولن تدركي… العظماء لا يدركون دائمًا ما هم عليه، يستمدون عظمتهم من ضعف إدراكهم هذا، فيمنحون ولا يشعرون، يعلّمون دون ترتيب منهم، يأخذون بأيدينا دون أن يقولوا إن لهم أيادٍ علينا…
لكنّ حقك عليّ أن أقول، أن أعترف بفضل أياديك… أياديك التي لا يبلغ مبلغ عطاءاتها كل الكلام. قولي لأياديك أن تجود عليّ بعذرٍ أتسامح بواسطته مع عجزي عن اختزالك… أنتِ يا من يختزلُ حضورها كل الأشياء الجميلة التي تحدث لي.

شروط وأحكام التعامل مع الوقت

– التصميم المُعتمد لمسار الزمن تصميم دائري. قولنا: (اتجه إلى الأمام) من الأخطاء اللغوية الشائعة.
– ‏في هذه الاتفاقية، يُشار إلى الزمن بالكلمات التالية: (الماضي والحاضر والمستقبل) وجميعها تعني النهاية.
– ‏مهما تنامى رصيدالخبرات المودع في حساب عُمرك، ستظل مُلزمًا بالدفع المباشر. ومنعًا للإحراج الدين ممنوع والرزق على الله.
– ‏لا يُمكن تبديل أو استرجاع الأيام التي أبلاها حُزنك، أو لحقتها عيوب التصنيع، أو التي لم تلائم مقاسات توقعاتك.
– ‏ لسلامتكم: مهما أكرمكم الوقت تحققوا من جلوس الفقد على المقعد المقابل للسعادة.
– ‏الوقت أطول من عُمر وجودك، وأقصر من شهقة الفرح.
في السأم تتناسل الدقائق من بعضها، وفي التعب تصير الدقيقة الواحدة أثقل من جثة غريق.
– الغياب يخلي مسؤوليته عن آلامك، الجاني الوحيد هو وهم البقاء.
– ‏تتوفر خاصيّة طمس خطوط الرجعة أولًا بأول، فلا تتراجع نحو التيه، اهرب إلى الأمام.
– الخبرة: خردة الأيام. الحكمة: إعلان نعي الشغف ولذة التجربة. والذاكرة: درن الأيام العالق في الروح.
– ‏مجموع لدغات عقرب الساعة يوميًا=٢٤ لدغة مميتة لا يرافقها الألم، فاطمئن.
– ‏للسّاعة ميناء لا يرسو عليه الوقت.
– ‏لا ينجو أحد من خطر الوفاة المبكرة، تفاوت تواريخ الوفيات يتعلق بموعد الدفن فقط.
– ‏الأحلام حيلة جيدة لترويض بؤس الحاضر، لكنّها -مع الأسف- تُثير سُعار المستقبل الذي سيشمت بنا وبعجزنا عن تحقيقها، بل عجزنا عن الاحتفاظ بها.
– ‏الاكتئاب لا ينتمي للعتمة والسواد، الاكتئاب ساطع ومضيء نرى فيه كل شيء بوضوح فاضح، ولا نجد مكانًا للاختباء.
– ‏في الطفولة تمشي الأيام ببطء وتضحك كلما تعثرت. في الشباب تسير الأيام أمامك باختيال لكن عثراتها موجعة. أمّا في الشيخوخة ستتعثر أنت وتتدافع الأيام وتدهسك.
– تمردت على أسلافك وخرجت من الكهف، صحيح… لكن الكهف ما زال يسكنك، وكل عمران الأرض لن يردم هذه الفجوة في روحك.
– ‏ لو أن طُرق الرجوع لا تُطمس، سيصير للخوف مسار إجباري وحيد، مسار ذهاب بلا عودة.
– طوبى لمن اغتالوا خط النهاية، واحتفلوا في منتصف الطريق، فالوصول نضوب، الوصول ليس غاية، الغاية الاستمتاع بالصحبة وقراءة لافتات الطريق.
– ‏كل الأحزان قابلة لإعادة التدوير. كأن يُعاد تدوير الخذلان فيصير لافتة تحذيرية، ويُعاد تدوير الفقد فيصير زنزانة.
– لا يمكن ترك الموت بمفرده ليُنجز أعماله ببطء شديد وفق قوائم مُعدّة مسبقًا، دائمًا يتدخل القتلة لإزعاجه وبعثرة أوراقه… دائمًا.
– ‏النصائح ليست خارطة لطريق مختصر وآمن، بل تحنيط لحياة من سبقوك وبدعة تدفعك إلى تقديس ضلالاتهم والاحتذاء بضياعهم. دعْها، و جِدْ طريق ضياعك.
– التقط أفراحك الصغيرة، علّقها على وجه الأيام، احتفي بتفاصيلها الشحيحة، اسقها حتى تخضّر وتورق… قبل أن يدهسك الزمن ويساويك بالتراب.
– ‏في العالم الدنيوي لا شيء يتسع مثل اليأس والمقابر.
– السأم يجعل الحياة مرايا متقابلة.
– لا مكان يتسع للحزن مثل العزلة، لا وهم يكسر القلب مرة بعد مرة مثل تسليمه للآخرين. اليد التي ستؤذيك هي التي أسلمتها يدك وتركتها تتحسس ضعفك.
– ‏ستُحِبّ الآفلين، فالغياب موقد العواطف.
– الانتظار مبتدأ بلا خبر، يعلّقنا على حبال الاحتمالات، بعض هذه الحبال مشانق، وبعضها الآخر حبال نجاة.
– في الوقت الذي تهدره مستغرقًا في إحصاء خسارات الماضي، ستغفل عن الوقت الحاضر الذي سيمرّ أثناء انهماكك، ومن ثمّ ستعلن إفلاسك مرتين.
– أخيرًا: لن يظهر لك زر الموافقة على هذه الشروط والأحكام، لا يُمكنك الرفض والتراجع.

فوترة

لي ثأر أزليّ مع الأرقام، من رحمها الملعون أنجبت المال، فأنجبَ لنا سلالة من الفقر والثراء والتفاوت الطبقيّ والجشع والاستغلال.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، أتذكّر ثأري كلما مرّ شريط إخباري محمّل بالضحايا، تغيب عنه وجوههم وحكاياتهم وأمانيهم ورجاءات أهليهم وفواجعهم ومشاعرهم، يغيبُ عنه أنين المصابين ودعواتهم وقلق محبيهم، ويختصرهم في رقم جامد لا يُفصح عن شيء. تصوّروا لو لم نعرف الأرقام؟ سيكون الشريط الإخباري طويل طويييل، بامتداد الفظاعات.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، أموتُ كمدًا حين أفكّر في عدوانها على أسماء السجناء، وتغييبها خارج الأسوار، فصلها عنهم، واحتلال مكانها. فيصير السجين مجرد رقم، رقم من الأرقام، ويالطول ثأري مع الأرقام.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، أتعذّب لأنّي لن أدرك ثأري منها فقد تحالفت مع المدنية والحياة المعاصرة في حرب ضدّ وجودنا الفيزيائي، فلم يعد بوسعنا إثبات هذا الوجود إلا من خلال رقم إقامة، رقم وظيفيّ، رقم ضمان اجتماعيّ، رقم جامعيّ، رقم حساب بنكيّ، رقم حفيظة نفوس، ههه الرقم يحفظ النفوس، الرقم مقدّم على النفوس.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، إذ تهزمني يوميًا، فأضطر دائمًا إلى التوسّل بها كي لا تتعطّل حياتي، حياتنا المسيّرة بالأرقام، وحين أضطر إلى إعلام طالباتي بأرقامهنّ التسلسلية وفقًا لكشف الحضور والغياب لتسهيل التعاملات، أستصعب الأمر، أستصعبه وأعتذر لهنّ دائمًا دائمًا، أعتذر فأنتنّ أكثر من مجرد رقم، أنتنّ وجوه وكيانات وأسماء، لكنّي صغيرة ومهزومة أمام الأرقام.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، لولاها لما عرفنا كم فاتنا من وقت، وكم تبقّى لنا، كم من السنين تصرّمت، وكم من المفقودين ودّعنا.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، فلو لم نعرف الأرقام لما عرفنا طريقة لإحصاء الخسارات.

٣٥ عام

لا أُخبئ عُمري، أنطقه بنفس البرود والحياد الذي أنطق به اسم زميلة عمل أعرفها وتعرفني، لكنها لا تشبهني ولا يدلّ اسمها علي، بل عليها وحدها.
لا أخجل من عُمري، ربما عُمري يخجل منّي، يخجل من عجزه عن أخذي إلى حيث يسير. يكره أنه يقطع المراحل وحيدًا، يتراكم فوق نفسه، يتطاول… وأنّي في مكان ما، أبتسم وأعيش ولا أركض خلفه. يخجل من عدم قدرته على العبث بوجهي كما تفعل الأعمار في وجوه أصحابها، وإن انتصر يومًا ما، ونجح في العبث وحفر أخاديده على ملامحي، لن أغضب، فهذا استحقاقه الحتمي، ثمن أتعابه.
يخجل عُمري من عجزه عن إيجاد طريق يعبر من خلاله إلى قلبي ودهشتي و لا مبالاتي. يخجل من أنه رقم فحسب. رقم أعرفه ويعرفني، لكنّه لا يختصرني ولا يدلّ عليّ.
اليوم زادت سنة في عُمري، لكني لم أكبر، لم أكبر بعد، عمري يكبر وحيدًا. تراكمت السنون في مكانٍ ما، وأحصوا في عددها عُمري. لكنّي مازلتُ أصغر من شهقة الفرح، وأقصر قامة من امتداد اليأس في الحياة، ما زلتُ ضئيلة كالأمل، غضة كالبدايات، وما زالت السنون أسرع من قُدرتي على العدّ، ومنذ تجاوز عددها عدد أصابعي أقلعتُ عن فكرة عدّها وانشغلت بمطاردة الدهشة.
وإن تحرّيت الدقّة، لا يصحّ أن أقول: اليوم زادت سنة في عمري. فالعمر يزداد يوميا، كل يوم يزيد يوم، كل لحظة أكبر لحظة، وهذا النماء التدريجي، أو النضوب التدريجي، يعلّمني أنّ لا أصنّف العُمر تصنيفات معلّبة واختزالية، لا يُمكن القول إن العشرينات عمر التوثب والإنجاز، والثلاثينات عُمر النضج والحكمة، وتلك السنوات سعيدة، وهذي السنوات تعيسة، لا… طالما أكبر في كل لحظةٍ لحظة، فلا وجود لعمر سعيد بالمطلق وعمر تعيس بالعموم، بل لحظات سعيدة، ولحظات تعيسة، مباهج تأفل، آلام تستيقظ، جراح تندمل، ومباهج أخرى تستفيق، وأحلام تنطفئ، وأخرى تنبعث من الرماد، أحباب يأفلون، وأجد بعدهم من يحمل لافتة عليها اسمي يستقبلني بها في محطات العمر ليأخذ بيدي نحو قصص حب جديدة.
لا أخجل من عُمري، ولا أخافه. حين أشعر بفوات الأشياء أستذكر يقيني القديم وأجدّده، يقيني بأنّ كلّ شيء يجيء في وقته تمامًا، وكلّ شيء يذهب في وقته أيضا… حتى إن تصورنا عكس هذا.
على سبيل المثال: الحُب المتأخر، حين يهمس عاشقان لبعضيهما: أين كُنّا عن بعضنا من قبل، وكيف تأخّر بنا اللقاء حتى الآن؟
أقول: لم يتأخر، لقد كان يهيئكما امتداد الوقت لشغفٍ مضاعف.
في الرحيل المُباغت أيضا، ذاك الذي يجتث معه جزءًا من القلب، ويتركه مُجوفًا لهبوب الحنين والفزع… لم يُبكّر، جاء في وقته ليمنع الذاكرة من تحصيل مزيد من لحظات (زمان الوصل) تكون كافية لاجتثاث العُمر القادم كله.
أثق في توقيت الدهشة، لم تتأخر، كان انتظاري لها يُنضج شعوري بالفرح.
أثق في الخيبة، لم تُباغِت، جاءت في وقتها لتعترض طريقي نحو الهلاك.
حتى أحلامي الصغيرة التي يمضي عمري مُتسارعًا وهي في الخلف، وأقسمت يومًا أن أحققها وإن بلغت التسعين… فسألتني صديقتي: ومافائدة تحقيقها في ذاك العمر؟
أجبت: ذاك وقتها تحديدُا، تأتي لتنقذني من شعور الأسى بأني ماعدتُ أنتظر شيئًا، ولا شيء ينتظرني، تأتي فتأخذ بيدي نحو الأمل، نحو ربيع يباغت خريف العُمر. إن كان لعُمري خريف.

حنين المفارق

هذا الصباح برعاية أيوب طارش، كانت النيّة أن أسمع “عِشْ حياتك لا تضيّع لحظة وحدة بالوجود، ليش تزعّل بس روحك؟ ليش تفكّر في البعيد؟” وكنتُ أتجنّب أن أتعثر في قوائم التشغيل بأغنية (لمن كل هذه القناديل تضوّي لمن؟ لأجل اليمن) فكل القناديل التي غنّى لها أيوب بفرح واحتفاء صارت تضوّي الطريق لموتٍ يتخبّط في عتمته، ومن يتخبط في العتمة سيهوي على كل شيء، وإن أضاءت العتمة سيصير الاقتناص أسهل. وفي الحالتين لا كاسب إلا الموت… وكلما سمعتُ هذه الأغنية أو تذكرتها أخال أني أسمع الضوء ينتحب في خلفية المشهد.
غير أنّي تذكرتُ أغنية غنّاها أيوب للمغتربين خارج اليمن، نسيت اسم الأغنية وأتذكر أني سمعتها في يوتيوب على مشاهد من خضرة اليمن الذي كان ينبغي له أن يكون سعيدًا، وما كان… سمعتُ الأغنية في ٢٠١١ العام الذي مسّنا فيه الأمل، وتأثرت يومها، غير أني حلمتُ أن يأخذنا الربيع إلى الازدهار لا الدمار، فكان تأثري مسنودًا بالأمل، فلم أخش الاستماع إلى الأغنية لذكراها الغضّة في قلبي، وبدأت أفتّش عنها. في طريق البحث سمعتُ أيوب يغني للمغتربين أكثر من أغنية، في البداية ظننتُ أغنيتي المنشودة هي (حنين المفارق) ومع بدايات فجر اليوم الذي يعود فيه آلاف الموظفين في بلادي إلى أعمالهم داخل بلادهم، كان أيوب يغني لمن يعملون بعيدًا عن البلاد:
“سحابة الفجر سيري، مع حنين المفارق..
رشّي فؤاد المتيّم.. ندى سخيّ العطر عابق
من مخمل الغيم غطّي.. لواعجي بالبيارق.
بلّي بهطلك قليب.. صبابته كالحرائق
وجنِّحي عالذي.. شوقي إليه سيل دافق.
وبلغيه بالمراد.. إني بعهده لواثق”
فكّرتُ في المغتربين بيننا، الذين سيعودون إلى أعمالهم هذا الفجر بلا سحابة فجر تظلل قلوبهم العارية في مواجهة الاشتياق والحنين، يعودون، من استراحة قصيرة، ليلة أو نصف يوم، لا من إجازة طويلة، يعودون ويعود إلى قلوبهم في كل حين (حنين المفارق).
وفي طريق بحثي، عثرتُ على أغنية أخرى، في فيديو الأغنية صورا لبيوت صنعاء الشامخة، وجبال اليمن المفروشة بالاخضرار، وغضاضة الأرض التي تبدو كطفلة أصغر بكثير من أن تصييها كل هذه الجراح، وأيوب يغنّي على لسان مغترب طار إلى بلاد بعيدة:
“جَنَّحت واجناحي حديد لا ريش
فارقت أرضي حيث أحب واعيش
لا أين، لا أي البلاد، ما أدريش”
كنتُ أسمع الأغنية وأفكّر في السائرين تلك اللحظة بلا أجنحة على أرض أحلام مجدبة وتحت سقف توقعات منخفض نحو أعمالهم البسيطة، نحو دكاكين لا يملكونها، ووظائف بلا أمان وظيفي، وبسطات في هجير الشمس والاغتراب، وبناشر يقضون في لهيب حرارتها وبين سواد زيوتها وضجر مساحاتها أكثر مما يقضون في خضرة بلادهم البعيدة، وأيوب على لسان هذا المغترب يغنّي:
“لا شيء في روحي سوى اشتياقي
للنهر، للرعيان، للسواقي
ولهفتي لفرحة التلاقي
لمن فؤادي في هواه باقي”
ومن أغنية إلى أغنية، عثرتُ أخيرًا على الأغنية المنشودة، أو تعثّرت بها، الأغنية التي سمعتها لأول مرة في ٢٠١١ العام الذي مسّنا فيه الأمل، وتأثرت يومها، غير أني حلمتُ أن يأخذنا الربيع إلى الازدهار لا الدمار، فكان تأثري مسنودًا بالأمل، فلم أخش الاستماع إلى الأغنية لذكراها الغضّة في قلبي… سمعتها، وأدركت أن الأمل قد يكون أكثر إيذاءً من اليأس، لم أتمالك دموعي، حتى أنّ ذهني حرّف الكلمات في لحظة من “اليمن تنتظركم يا حبايب بالأحضان” إلى “اليمن تنتظركم يا حبايب بالأحزان”
“وامفارق بلاد النور وعد اللقاء حان
الوفاء للوطن يدعوك لبّي النداء الآن
لا تغيبوا كفى غربة ولوعة وأحزان
اليمن تنتظركم ياحبايب بالأحضان
يا أحبة رياض الأنس صحرا وقفرة
الحزن بعدكم أطفأ شموع المسرّة
والندى في الحقول يبكي على كل زهرة
والأماني تناديكم بأعشاش الأشجان
ياغريب الوطن يكفيك غربة وأسفار
الوفاء دين يالله شرّفوا الأهل والدار
لُمْ أحبابنا ياشوق من كل مهجر
دق ناقوس جمع الشمل في كل محضر
لأجل حزن الشجي المهجور يسلى ويستر
والأماني بأوتار القلوب تعزف الدان”

فيا ربّ ‏أعدْ البلاد (السعيدة) سعيدة، وانثر على خضرة أرضها وشموخ جبالها وطمأنينة وهادها الخير والسلام. افتح لدعوات أهلها المتعبين سماوات رحمتك بلا طائرات تنتهكها، أو قذائف تضيّق المدى بدخانها… ومتّع أطفالها بهواء أكثف من الرصاص، وساحات لعب أوسع من المقابر.
وارحم المغتربين بعيدا عن (بلاد النور) الكادحين بلا (وعد لقا حان) وبلا قناديل تضوّي في لياليهم… ارحمهم من لوعة الاغتراب، وقسوة (حنين المفارق) ومن شحّ الألم، ومن بأس اليأس. واعدهم إلى بلاد تنتظرهم بالأحضان، لا بالأحزان.
……..
Listen to وا مفارق بلاد النور – ايوب طارش by Hani Abdulkarim 4 on #SoundCloud

عذابات الذاكرة، أم إعادة تدوير الأخطاء

قبل شهور كنت أعيد ترتيب جميع أغراضي ومقتنياتي، انهمكت في العمل لأيام، ببطءٍ شديد، ووقوف متكرر. أوراق محتشدة بذكريات عُمر مضى أتوقف أمامها طويلًا فأختنق، صور لأشخاص كبروا ومازالوا معي لكنّي فقدتهم إلى الأبد، وهم أيضا فقدوا كل ما كانوا عليه… رسائل صديقات تخطفتهم الحياة، أو تخطفهم الموت… عشتُ أكثر من عشرة أيام وسط الماضي الذي أرتّبه وأعاني أثناء ترتيبه من نوبات اختناق متتابعة، عملية جرد للذاكرة، وجلد للذات. أسأل نفسي ما جدوى الاحتفاظ بكل هذا ما دمتُ عاجزة عن إيجاد صيغة للتعايش السلمي معه، فقد أيقنت منذ سنوات قليلة أنّ أفضل طريقة للتعايش مع نفسي هي المُباعدة بيني وبيني، بحيث لا أدوّن شيئًا يُذكرني بما أنا عليه الآن، ولا أوثّق أي شيء قد يعترض طريق النسيان.
في (الأشجار واغتيال مرزوق) يقول عبد الرحمن منيف: “لولا النسيان لمات الإنسان لكثرة مايعرف، لمات من تخمة الهموم والعذاب والأفكار التي تجول في رأسه” فالنسيان هو الخلاص الفردي الدنيوي، في دنيا لا تعدنا بشيء، ولذا لطالما تمنيت أن أفقد ذاكرتي فجأة، أو أن أملك القدرة على ترتيبها على الأقل، فأواري الشوك خلف الهشيم، وأفتش عن الاخضرار في أيامي الحالية فأترك له الواجهة، كرصيف تزيّنه أشجار مُرائية غُرِسَت بين يومٍ وليلة كي تتهيأ الشوارع لاستقبال ضيوف من مستوى خاص.
أتمنى أيضا أن تكون لديّ صلاحية المحو والكتابة في ذاكرة الآخرين، فأقتص منها المشاهد التي يُعذّبني مرورهم بها، ويعذبّهم بلا شك. وأنتقي لهم ألوان الواجهة وأكتب اللافتات التي تدلّهم على النسيان، وتدلّ أفراح الأمس على الطُرق التي تستدرج خطواتهم اليوم.
في قصة (أشيائي المنسية) لماريو بينديتي تستيقظ فتاة على كرسي حديقة وهي لا تعرف أي شيء، لا تعرف اسمها، ولا عمرها، لا تعرف في أي يوم تعيش، ولا تتعرف على المكان الذي استيقظت فيه، ولا تتعرف على وجه الرجل الذي يحدّق فيها وتشعر أنه تعرّف عليها ويرغب في بدء الحديث معها، فتتوجس منه “تخشى أن يُدخلها ذلك الشخص في ماضيها، فقد كانت تشعر بسعادة عارمة في نسيانها للماضي” يسألها: هل أصابك شيء؟ فتقول: إنها استيقظت للتو في هذه الحديقة بذاكرة بكر، لا تعرف شيئًا، حتى اسمها لا تعرفه… يأخذ الرجل بذراعها، وتنقاد إليه بشعور سائحة تستكشف، تذهب معه إلى شقته، يقدم لها الويسكي والثلج، يسألها من جديد عن اسمها، تقول إنها لا تعرف، فيضحك ويقول بتهكم (ملكة جمال النسيان) وكلما تقدم الوقت ونمت اللحظات بينهما يصير الرجل الذي سلّمته ذراعها وسارت معه بكل ثقة أقل جاذبية وأكثر ابتذالًا، وكأن تراكم الذكريات يُطفئ الأشياء ويجعلها باهتة وبالية. يتكشّف سعار الرجل، يحاول انتهاك جسدها، تقاومه، تضرب رأسه بزجاجة الويسكي وما أن يتراجع حتى تستغل الفرصة للهرب، تخرج من الباب وتركض على السلالم بفزع وهي تقول: “عليّ أن أنسى هذا، عليّ أن أنسى هذا” وتصل إلى الحديقة التي استيقظت فيها من قبل، تجلس على المقعد ذاته، تُلقي برأسها إلى الخلف وكأنها في حالة إغماء. بعد وقت تستيقظ الفتاة من جديد على كرسي الحديقة وهي لا تعرف أي شيء، لا تعرف اسمها، ولا عمرها، لا تعرف في أي يوم تعيش، ولا تتعرف على المكان الذي استيقظت فيه، ولا تتعرف على وجه الرجل الذي يحدّق فيها وتشعر أنه تعرّف عليها ويرغب في بدء الحديث معها، فتتوجس منه “تخشى أن يُدخلها ذلك الشخص في ماضيها، فقد كانت تشعر بسعادة عارمة في نسيانها للماضي” يسألها: هل أصابك شيء؟ فتقول: إنها استيقظت للتو في هذه الحديقة بذاكرة بكر، لا تعرف شيئًا، حتى اسمها لا تعرفه… يأخذ الرجل بذراعها، وتنقاد إليه بشعور سائحة تستكشف…
أفزعتني هذه القصة في قراءتي الأولى لها، النسيان الذي طالما رأيته كحبل إنقاذ هو المصيدة هُنا، هو الحبل الذي يلتف على ساق الفتاة ويجرّها إلى تكرار الخطأ ذاته، وإلى الانقياد إلى الرجل السيئ في كل مرة دون أن تعرف أنها كانت قبل قليل هاربة منه وهي تقول: “عليّ أن أنسى هذا، عليّ أن أنسى هذا”
في قراءة ثانية للقصة حاولت أن أتصوّرها بالسيناريو المُعتاد، تصوّرت لو أن الفتاة تستيقظ بعد مأساتها وهي تعرف كل شيء، تعرف اسمها وعمرها واليوم الذي تعيشه وتتعرف على الحديقة التي لاذت بها فرارًا من الرجل المريع الذي يُحدّق فيها وتخشى أن يعتدي عليها من جديد، وبدلًا من أن تُسلمه ذراعها بشعور سائحة تستكشف، ستطوي ذراعها في حضنها وتمنع يديها من الامتداد ليده وستفكّر ألف مرة قبل أن تضع يدها في يد غيره أيضا، وستغدو كل الدروب متوحدة مع السلالم التي ركضت فيها وهي تقول: “علي أن أنسى هذا” بإلحاح أجفل النسيان.
فإن كان النسيان يعذّبنا في كل مرة بتكرار الأخطاء، فإنّ الذاكرة تعذّبنا باحتمالات الوقوع في الأخطاء قبل حدوثها.