مواساة

‏لا بأس أيها الوقت الملوّن بلون الرماد، أعرف أن نيرانك انطفأت و وهجك تلاشى… لكن امتدادك ألهمنا كيف ننبعث في كل يوم من الرماد، كيف نتعايش مع الرماد بعد أن كنا وهجا وطموحًا… وعلى أي حال سيصير هذا الرماد ترابًا، فلا بأس.

‏لا بأس، سنجتاز هذا السراب الذي يحرّض العطش، ويخاتل الأماني، وسنجد خلفه سرابًا آخر يقطع لنا وعود الارتواء، فنرتوي بالانتظارات المالحة، لكننا نرتوي على أي حال.

‏لا بأس يا رفاقنا المغيبين، نحن أيضا مثلكم، غابت أصواتنا وشُلّت أيادينا وتفاقمت حسراتنا، وكل هذا الوجع يقاتل النسيان ببأس شديد، فلم ولن ننساكم، فلا تنسوا هذا في عتمة زنازينكم. لا تنسوا كي لا تصدأ أرواحكم وتتآكل في صدأ الانتظار المفتوح على وفرة الاحتمالات حينا، وعلى شحّها أحيان.

‏لا بأس يا أحبتنا الغائبين في عتمة الغياب الأبديّ، يومًا ما سنلحق بموتانا فنخبرهم كم كان أليمًا فراقهم، وفي تلك الأقبية الموحشة سنظل ننتظر القادمين ليخبرونا كم كان أليمًا فراقنا.

لا بأس أيها الحزانى الذين يدهسهم شعور الخذلان، ويزعجهم صخب الصمت، ما زال في اللغة كلمات للعزاء والمواساة، وإن كانت عاجزة عن العمل، وإن كانت موقوفة عن الأمل، وإن كانت محبوسة على ذمة التحقيق في جدواها، وإن كانت محكومة بالإعدام مع وقف التنفيذ. لكنّها موجودة على أي حال.

لا بأس يا أنا، حدّة الشعور في هذا الزمن عبء لا يُطاق، يسحلنا كلّ يوم على نتوءات الفظائع، يفتّت قلوبنا بصخر الظلم، يجرّعنا مرارات الصدمة مع كل صدمة لا تسقط مرارتها بفعل التقادم أو الاعتياد.
لكنّ حدّة الشعور ضرورة، ضرورة كي لا يحوّلنا الواقع إلى مسخ غير واقعي، يتعايش مع فواجع واقع لا يقبله أي واقع. هه

‏أشعر أنّ لهيب جمر يتوقد تحت أصابعي، يتآكل منه اللحم ببطء نسبي ويتفاقم الألم بتسارع فظيع، فظيع… في هذه المرحلة الظالمة
لكن لا بأس، فما زلتُ أشعر بماء بارد ينضح في وجهي يعقبه تيار هواء لطيف وأنا عائدة من نهار جحيمي، كلما تذكّرت أنّي لم أفقد نفسي رغم كل شيء، لم أفقد إحساس قلبي، لم أتغيّر، ولن أتغيّر.

فألهمني يا ربّ سذاجة الأطفال الذين ينتظرون انتصار الخير في نهاية كل قصّة، ألهمني يا الله تهوّر الحالمين ومجازفات أحلامهم في وسط هذا القُبح، ألهمني يا ربّ إيمان العجائز، وتصديق الدراويش، ونزق الثوّار. ألهمني يا ربّ أنّ أظلّ كما كنت، وأن أكون كما ظننت، وأفضل وأصدق وأبسط وأسذج مما ظننت. ألهمني يا ربّ ألهمني لذّة انتظار الإلهام.

عيد الدِّني


صباح البسمات الطويلة.
أعتقد أنّ نقطة الالتقاء بين الصباحات وبين صوت فيروز هي استقطاب البداية، صوت فيروز صوت ملاك يُذكّر الإنسان دائمًا بنشأة أبيه في الجنة.
أمّا نقطة الالتقاء بين الصباحات وقلبي؛ الولع بالبدايات. أوّل كل شيء هو مُنتهى الجمال فيه.
ضمن مايستحق الحياة على هذه الأرض، يذكر درويش: “أول الحُب”
‏وفي قصيدة أخرى يقول: “لا أريدُ من الحبِ غير البداية”
لكنِّ البداية الأبدية لا وجود لها، لأن البداية حين تتمدد بلا توابع ونهايات وحواشي كثيفة، لن تصح تسميتها بالبداية.
ربما لذة البداية كامنة في الزوال، وكل زائل جميل، كل ما لا يُمكن القبض عليه ثمين.

في الصباحات تتفتح روحي، يستيقظ أجدادي الرُعاة النائمون في دمي، وتربط الفلاحات مناديلهن الصفراء على شعورهن ويخرجن نحو البلاد… الطين الذي خُلِقتُ منه يُنِْبت سنابل شامخة لا تُنكّس رؤوسها إلا حين يُثقلها الحنين، حنيني إلى البلاد البعيدة، إلى البيت القديم الصغير الذي اتسع على امتداد عُمري وصار موئل ذاكرتي… حنيني إلى البنت التي كانت تُطارد الأغاني في المحطات، تفتتح الصباحات دائمًا بصوت طلال حين يُطلّ عبر برنامج (نسيم الصباح) في إذاعة الرياض: “صبّح صباح الخير من غير ما يتكلم”
للصباح رائحة خبز الأمهات، رائحة أيديهن المخضبة بالحناء، رائحة الأرض التي سقاها المطر، رائحة الطين إذ تشكّل أول مرة، قبل أن يتشكل منه البشر الذين ورثوا عنه الحنين الأبدي للأرض… للمنشأ، للأصل، للجذور، للماء، للشمس، للهواء، للأعشاش، للثمر…

صباح البسمات الطويلة.
صباح الخير لعُشّاق البدايات، صباح البدايات الزائلة، التي تعود بعد زوالها، تعود إلينا من جديد، تعود كل يوم، كل يوم، كل يوم، كل يوم…

“ليسَ سرًّا يا رفيقي أنّ أيامي قليلة
ليس سرًّا إنما الأيام بسمات طويلة
إنْ أردتَ السرّ فاسأل عنه أزهار الخميلة
عمرها يومٌ، وتحيا اليوم حتى مُنتهاه
سوف أحيا
سوف أحيا”

لا عاصم اليوم، لا معصوم

يُعذّبني تأنيب الضمير، يُعذّبني. يسحلني في ليالٍ كثيرة، يُذكّرني بعتمة روحي التي أطفأت في أرواح الآخرين البهجة أو الصدق أو الثقة أو اليقين أو وهج اللحظة، أو انتزعت من اللحظة الرتيبة العادية عاديّتها وجعلتها لحظة قاتمة وخانقة.

تعذّبني الذاكرة، وترعبني فكرة أنّ بعض تصرفاتي التي أتذكرها أو لا أتذكرها قد صارت ندوبًا في ذاكرة أي شخص عرفته.

تعذّبني قلّة حيلتي أمام فظاعات العالم ومآسيه، وأتعذّب أكثر حين أتصور أن يدي العاجزة عن إصلاح العالم قد تكون فاعلة في تخريبه أو في مفاقمة أوجاع من يتعذبون يوميًا فيه. فما أنا إلا وريثة آدم وسلالته، على ظهري إرث هائل من الخطايا البشريّة والنقص الوراثي.

يعذّبني الانتصار والتعادل والخسران، إن انتصرتُ لنفسي بردّ الأذى مضاعفًا لمن آذاني، أو إن سعيت إلى إنصاف نفسي ممن يؤذيني بإتخاذ إجراء يحقق العدالة والتعادل، أو إن خسرتُ نفسي واستسلمت للأذى، في كل هذه الأحوال أتعذّب، أتعذّب من فكرة أننا في هذه الحياة المتسعة لنا جميعًا، لا نملك إلا خيارات ضيقة في تعايشنا معا، إما أن نؤذي الآخرين، أو يؤذوننا.

زهير بن أبي سلمى بعد أن سئم تكاليف الحياة، واختبر الناس، وعركته الخطوب، وأنضجته الأيام، وسار به العمر إلى مكان شاهق وقصيّ فصار من مكانه هذا يرى الحياة برؤية أوسع، وينظر إلى المشهد كاملًا، يقول: “ومن لا يتقي الشتم يُشتمِ” و “من لا يظلم الناس يُظْلمِ”
أيعقل يا زهير؟ أيعقل أنك من على جبل الشيخوخة الشاهق ما رأيت في حياتنا مناطق آمنة وحيادية لا تطحنها رحى الصراعات؟

نشر غسيل

تحت بيتنا القروي المستقر على جبل متوسط الارتفاع، بيت شعبي يحتلّ الحوش نصف مساحته ويمتدّ فيه حبل غسيل، بيت صغير مأهول بأمّ متفانية، ومكتظّ بأولاد لا أعرف عددهم على وجه التحديد لكنّه عدد يسمح لهم بتشكيل فريق كرة قدم يقيم مبارياته يوميًا بعد صلاة العشاء في هذا الحوش المفتوح.
حين أرى جارتنا تعلّق الملابس البيضاء في العصاري على حبل الغسيل، أعرف أن أولادها اليوم سيلعبون كرة القدم بملابس رياضية ملوّنة. وفي العصاري التي يتلوّن فيها الحبل بتشكيلة ملابسهم الرياضية، أراهم يلعبون في الليل ببياض الثياب الداخلية التي يرتديها الرجال عادةً تحت الثياب.
نعم، لم يكن لكل فرد من أفراد فريق كرة القدم هذا إلا لباسين، يبدل بينهما وأعرف أنا هذا التبديل من قبل بدء المباراة، يخبرني عنه حبل الغسيل.

حبل الغسيل في بيت هذه الجارة الفقيرة هو أول حبل وصل بيني وبين الحكايات المعلّقة على حبال الغسيل.
‏من حينها وأنا واقعة في حبّ هذه الحبال، أتأمل الملابس المتروكة في وجه الريح والشمس، وتستيقظ في قلبي الحميمية والمحبة، فأتمنّى أن أتلمّس البرودة الرطبة في النسيج ليتندّى قلبي، أتمنى أن أصافح أيدي النساء التي جفّفها الصابون وهي تُطارد البقع وتجاهد لخلق البياض من جديد، أشمّ بروحي رائحة الألفة والعائلة والأعمار الموزعة على حبل الغسيل.💜
‏في المدن الخرساء، حيث البنايات المتعالية على ضآلتنا، وبين التماع واجهات الزجاج الذي يعكس كل شيء إلا الألفة. في هذه المدن لا أشعر بالألفة إلا إذا انعطفت إلى أحياء خلفية، وشوارع ضيّقة، وعمارات قديمة بنوافذ كثيرة وتقاطعات وتفريعات من حبال الغسيل، هنا تتوارى وحشة الصمت في المدن الخرساء، فأسمع وشوشة الحكايا التي لا يُمكن غسلها عن الثياب.

أحبّ أيضا حبال الغسيل التي ظهرت في أفلام السينما العربية، تشارك البطولة مع وجوه الممثلات الجميلات اللاتي يجعلن من (طشت الغسيل) ذريعة إغراء، يحملنه ويصعدن السلالم بمشية تتغنج كي يلمحهن ابن الجيران، مفتونة بالحبال وبحكايات الحُب المعلّقة عليها في سينما الأبيض والأسود، كالحكاية التي تمدّدت على كفي زبيدة ثروت حين كانت تتطلع بعينيها لابن الجيران الوسيم المشغول ب(مزاكرتو) على السطوح، فصعدت تنشر الغسيل على حبل الغسيل المعلّق كذريعة واحتمال، ثم قطعت الحبل وطلبت منه أن يساعدها على ربطه لتقطع ذريعة الصمت بينها وبينه، وتنشر غسيل رغبتها البريئة في بدء كلام، ونيل اهتمام… رغبة نديّة ونظيفة، كالملابس النديّة النظيفة ساعة خروجها من طشت الغسيل.

للحبال وظائف أخرى غير العمل في المشانق، أو الالتفاف حول البضائع النائية عن أيدي الناس، أو الربط والتقييد. فحبال الغسيل دار نشر شعبية لقصص الناس وأخبارهم وأحوالهم💜

بخير

بخير، أنا دائمًا بخير.
ما دمتُ أملك صلاحية استعارة ضحكتي القديمة، أعرفُ أنها لم تعد ملائمة لوجهي الذي جفّفه اليأس وجرّحته ملوحة الدمع، لكن أستعيرها، أستعيرها من خزائن العمر، لأجرّبها كما تجرب النساء فساتينهن القديمة عند ترتيب خزائن الثياب وترميم الذاكرة.

بخير، أنا دائمًا بخير.
ما دمت أذكّر عتمة روحي باللون الأخضر، أذكرّ روحي أنها لم تنشأ في العتمة ولم تكبر في العمى، أذكّرها أنّ لها ذاكرة مع الألوان علّ هذه الذاكرة النديّة تُرطّب ما اعتراها من يباس.

بخير، في أشدّ أيام بؤسي أنا دائمًا بخير.
بوسعي ترميم قلبي، أعلّق على جدرانه ذكرياتي الجميلة، فأدرك أنني عشتُ شيئًا غير هذا التشظي، ومهما تألّم قلبي الذي أعيته الكسور، لن تضيع عنه حقيقته، ولا ذاكرته مع التوثّب والقفز فرحًا، والركض شغفًا، والطيران سعادة.

بخير، أنا دائمًا بخير.
إذ ما زلتُ قادرة على شكر ‏اليد التي أفلتت يدي، فبدونها أجد مخرجي من الضياع.
ما زلتُ قادرة على شكر الوقت الذي صفع باب اليأس في وجهي، فمن حينها اكتشفتُ اتّساع النافذة.
ما زلتُ قادرة على شكر الغرباء الباسمين، الغرباء الذين لا أعرفهم ولا يعرفون مدى طمأنينتي حين تشرق ابتساماتهم على عتمتي، فيساعدونني على الوصول إلى مخرج الطوارئ حين يخذلني الأحبّة.
ما زلتُ قادرة على شكر الأحلام المؤجلة، وعلى ركنها البعيد ألمح عمرًا بانتظاري. وما زلتُ قادرة على شكر الأحلام المنطفئة فقد وفّرت عليّ فواتير الانتظار.
ما زلتُ قادرة على شكر الأيام المجدبة، إذ درّبتني على النظر إلى السماء وانتظار الغمام. فعوّدتني على رفع رأسي دائمًا.
ما زلتُ قادرة على شكر خساراتي المبكرة، إذ باكرتْ بالمخالصة وإخلاء طرف الأمل، فالأمل موظّف عنيد لا يصمت ولا يعمل.
بخير لأنني ما زلتُ متصالحة مع الخسائر المتأخرة، إذ مكنتني من تحصيل استحقاقات مكافأة نهاية الخدمة من الذكريات والدروس والتجارب والندوب.

بخير، أنا دائمًا بخير.
ولا زلتُ أشكر قدرتي على شكر كل شيء.

بخير، أنا دائمًا بخير. وفي قلبي أجد الشقّ الذي يدخل منه النور، فأجرؤ على خدش وجه الحُزن المتجهم.
بخير، لأنّ قلبي يُحصي الأحبة، فتتضخم مكاسبي، وتتلاشى خساراتي.
بخير، لأن لي قلب يستثمر في المناطق المحايدة، فينمّي رصيدي من الرضا والقناعة.

بخير، أنا دائما بخير.

فما زال عندي خنادق أتمترس خلفها، ومخارج طوارئ كثيرة. ما زال في القلب أصدقاء يكنسون العتمة ويفتحون النوافذ للهواء والشمس والحريّة. ما زال في المحيط أحبّة لا يرون منّي إلا أجمل ما فيّ، فأحتال بضياء رؤاهم على عتمة رؤاي.

ما زال لقلبي أولياء صالحون أتوسّل بواسطتهم للحياة أن تدوم ما داموا معي، كي أغلب بكثرتهم وكثرتي بهم شجاعة الوقت وجرأته على ارتكاب الفظاعات.

ما زال عندي عمل ينتزعني من فراشي كل صباح، ويهمس في أذني: ليس بوسعك إنقاذ هذا العالم المنكوب، لذا ابحثي عن خلاصك، جاهدي كي لا تتحولي إلى صورة عن ما تكرهين، تحسّسي قلبك كل يوم كي تتأكّدي أنّه لم يتحجّر، فيصيرُ جدارًا يصدّ النور والناس، وأن لسانك لم يزدد حدّة، فيصير نصلًا. وأن عينيك لم تتآلف مع عتمة العالم فتعمى عن الحزانى والمتعبين والمظلومين، تأكّدي أن أذنيك لم يعطلهما الضجيج وما زال بوسعمها تمييز الأنين…
وما زلتُ أتساءل: كيف أتأكّد من صدق حاستي التي أتحسّس بها نفسي؟ فالسيئون والطغاة لا يدركون ما هم عليه، وقد أكون منهم… لكن على أي حال سأتذكّر يوميا أنّ هذه حربي الأبديّة مع نفسي، ومع تحوّلات الوقت، وأرجو أن لا أنطفئ تحت رمادها. كي أظلّ دائمًا بخير.

بخير، أشعر أني بخير حين أتذكّر أنّ هناك أغانٍ عبرت أذني في لحظات ماضية ومازال مكتوب لنا أن نتعثر ببعضنا مرةً أخرى، نبتسم لصدفة اللقاء، ثم نتعانق بشكل أبدي…
وهناك قصائد لم أقرأها بعد، لم أتجذّر في أرضها فتورق روحي بالمعنى وتتسع لي الظِلال.
هناك أطفال لم أعرفهم بعد، لم أقاسمهم الحلوى ويقسمون لي من رغيف دهشاتهم ما يسدُّ جوعي للبسمة والفرح والحياة.
هناك صبايا ضعف اللاتي عرفتهن وشاهدتهن، وبعددهنّ مازال ثمة متسعٌ للتيه المنتشي في تفاصيل أحمر شفاههن وقصّات ثيابهن وطريقتهن في اختيار طلاء الأظافر…
هناك مدنٌ لم أدخلها بعد، لم أعلّق عيني على واجهات محلاتها التجارية، لم ترقص روحي على وقع ضجيجها، لم أتفيأ ظلال شرفاتها، لم تخدشني زوايا حاراتها الضيقة…
بخير، أشعر أني بخير حين أتذكر أنّ عندي مرفأ للأشياء الجميلة التي عبرت ومازال بوسعها أن تتكرر، عندي متسعٌ لما لم يحدث بعد لكن لم يفتْ أوان حدوثه… بخير، لأنّي أتذكر كل هذا، فأتذكّر شعوري بالحياة.

فالضحكة، الطفولة، العناق، التلويح، القفزة، باقة الورد، الابتسامة، شهقة الفرح… إلخ. كلها أشياء جميلة وعمرها قصير، لحظية. لكنها ليست عابرة، تعود دائمًا، تعود أبدًا…

بخير، نحن دائما بخير.

بخير ما دمنا لا نعدم أبدًا من أولئك الطيبين الذين ينقّون الشوك من طرقاتنا وأقدامنا وثيابنا، ويمهّدون لنا طريقًا نحو الأمام خاليًا من نتوءات الماضي آمنًا من جفاء الرفقة.

بخير، ما دمنا لا نعدم الصحاب الذين اعتادوا ظلام أحزاننا وتآلفت أعينهم معه حتى صاروا يبصرون فيه، ويدلوننا على المنافذ.

بخير، نحن دائمًا بخير. لأننا لا نعدم أبدًا من القادرين على تذكير الحياة بأنّها حياة، وليست مجرد احتضار يطول.

“ماحدا بيلغي جناحاتي”

من سجنه، كتبَ الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الرمادي كتابًا سمّاه كتاب (الطّير) وصف فيه كل طير رآه خارج السجن شعرًا.
ومن سجنها كتبت روزا لوكسمبرغ رسالة إلى صديقتها تقول فيها: “تتساءلينَ عمّ أقرأ؟ العلوم الطبيعيّة في غالب الأحيان… البارحة كنتُ أقرأ عن أسباب اختفاء الطيور المُغَرِّدة في ألمانيا… تألمتُ من فكرة التدمير البطيء لهذه المخلوقات الصغيرة المسالمة التي لا حولَ لها ولا قوّةَ، وانهالت دموعي على وجهي”
وفي ذات الرسائل تقول: ‏”هل تصدقيني إن قلت لك إنه يمكن للأغنية التي يغردها العصفور أن تكون ممتلئة المعنى؟ كانت أمي التي تعتقد أن (شيلِر) والإنجيل هما أسمى مصادر الحكمة مقتنعة بأن الملك سليمان يفهم لغةَ الطيور…كانت بساطة أمي تجعلني أبتسم لكنني اليوم كبرتُ لأصبح كالملك سليمان، فأنا أيضا أفهم لغة الطيور”
وعن غناء العصافير حين تسمعه من زنزانتها كتبت: “قلبي يرتعش إثارة ومعاناة لدى سماعي هذا الغناء فأرى وجها جديدا لحياتي وللعالم…هذا الغناء الرقيق الذي لم يستمر أكثر من نصف دقيقة ملأ صدري بفيض من الحنان وندمت فورًا على كل قسوة أحاسيس مارستها، وقررت أن أكون طيبة، طيبة بكل بساطة وبأي ثمن، هذا أفضل من أن أكون على حق”
وفي سجن تزممارت الرهيب، الذي سُجِنَ فيه عدد من الضباط المغاربة ثمانية عشر سنة لم يروا خلالها الشمس ولا النهار ولا الضوء ولا الأهل ولا الأحباب، حكى أحمد المرزوقي في كتابه الموجع عن هذه التجربة قصّة فرخ الحمام الذي سقط في زنزانته ذات يوم، فصار أنيسًا للسجناء، يطربون لرؤية أجنحته البيضاء وسط العتمة التي اعتادوها، أطلقوا عليه اسم (فرج) ولم يرغبوا في حبسه معهم، أطلقوه أكثر من مرة لكنه كان يعود في كل مرّة، يعود كما لو كان مبعوث الحريّة والفضاء الطلق إلى عتمة السجن وفظاعة القيد. تذكّرني قصّة حمامة تزممارت بقصّة الحمامة الأولى التي أرسلها نوح عليه السلام بعد الطوفان ليتأكد بواسطتها من عودة الحياة إلى الأرض، فطارت وعادت، ثمّ طارت وعادت، ثم طارت وعادت أخيرًا بغص زيتون ينبئ عن الحياة التي تفتّحت على الأرض من جديد بعد الغرق والهلاك.

أظنّ أن حلم الطيران حلم مشترك لجميع البشر، ربما ما مرّت طفولة أحد منّا دون أن يرى نفسه في المنام يطير… لكنّ هذا الحلم يصير أكثر إلحاحًا وأكثف حضورًا في النوم واليقظة حين يفقد الإنسان حريته، وتلتهم الزنازين أيامه، وتكبّل القيود يديه وقدميه، ولكن كلّ هذا لا يكسر جناحيه، بل ينبت له جناحان في خياله فيطير بواسطتهما إلى المدى المفتوح خلف هذا الضيق.

ولذا أحبّ الطيور بكافة أنواعها وأشكالها، من العصافير إلى الحَمَام إلى النوارس وحتى الغربان والبوم لا أستطيع أن أحصرها في سياقات الشؤم والتطيّر، فما أن تفرش جناحيها حتى تعود رمزًا للانطلاق والتحرّر… أحبّ الطيور وأراها في مناماتي الجميلة أيام حزني، وفي مناماتي العاديّة في زحام أيامي الخاليّة من أي شعور، أحلم بالحَمَام وبالعصافير… مرّة رأيتُ في منامي النوارس في غير مكانها، إذ حلمتُ أنّي ألتقطُ فيديو لطائر نورس يطير على قريتي الجبليّة البعيدة عن البحر وأبعث بالفيديو إلى صديق يعيش على ضفاف الخليج مع تعليق: “بيننا وبين البحر ٤٠٠ كيلو ومع هذا فالنوارس عندنا”. بعد شهرين فقط من هذا المنام ضاقت ضفاف الخليج وقريتي الجبلية ومدينتي الساحليّة وكل الأمكنة على هذه الأرض ضاقت، ضاقت عليّ كزنزانة بعد أن غيّبوا رفاقي في عتمة السجون… وبقيتُ في صحوي أحلم بطائر النورس ذاك الذي حلمتُ به في منامي من قبل. أحلم به في يقظتي يطير فوق وعورة أيامي، بعيدًا عن نداوة البحر… كأملٍ يطلّ على الأرض اليباب… ولم يخذلني الطائر ولا خذلتني أجنحة الحلم… عاد صديقي، وسيعود الرفاق💙

أمل

الصديقة التي أرغب أن أقول عنها إنها علّمتني معنى الأمل، ودرّبتني على القتال في سبيل غدٍ أجمل، وساعدتني على اتخاذ الحلم درعًا يدرأ عني هجمات هذا العالم الرمادي الذي يتربص بنصيبي من الألوان والحلم والأمل. لكنّي لن أقول هذا فقد كانت قُدراتي أقل من استيعاب كثرتك، قامتي أقصر من امتداد اليأس، وأنا أجبن من ردّ الأيدي التي تتطاول على أحلامي وتخنقها، وأبطأ من سرعة انتشار الرماديّ… كنتُ حمولتك الثقيلة التي تجرّينها معك نحو خنادق النجاة… لكنّك كنتِ لي عكس كل هذا، فوق كل هذا، أعظم من أن ينال منك شيء من هذا.
يلمع الحُب في عينيك، وتصعد إلى صوتك القصائد، منذ سنين تأخذيني من عُزلتي إلى المدى المفتوح الذي تعيشين فيه. حين يسألني عنك أي أحد أقول: (عرّابتي) وأستلذُ بهذا، ينتشي صوتي حين يُشير إليك باعتبارك من أعظم ماعرفت، وأحب مَن عرفت.
أتذكر المرة الأولى التي رأيتك فيها، وقد كنتُ قبلها أعرف اسمك جيدًا من الزميلات والصحف… في قاعة مناقشة كنتِ تسرعين الخُطى باتجاه الباب الذي يُغلق تلقائيًا وكأنك تسابقين الباب. سألتُ الزميلة التي دلّتني عليك: هذه أمل؟
فقد كان مظهرك أصغر من تصوراتي عنك، تصورتك امرأة كبيرة عمرًا وشكلًا كحضورك الكبير في المشهد الثقافي والأكاديمي وفي قلوب الناس. لكنّي رأيتُ طفلةً تتصرف بعفوية آسرة، صبية بشعر طويل وخُطى متسارعة ودهشات لا تنضب.
في المرة الأولى التي وصلني فيها صوتك، كنتُ أمام المرآة أتحضر لمناسبة و وردني اتصالك، عرّفتني بنفسك ورتبتِ معي موعدًا لتسلميني كتابًا مُرسلًا إليّ بواسطتك. أتذكر كيف سمعتك أمام المرآة، وأنا أنظر لوجهي وصوتك معي… أستحضر هذا الموقف الآن بشكل رمزي، أتذكّره وكأنه إشارة إلى أن حضورك سيجعلني دائمًا أجمل، حضورك سيعكس لي صورة محسّنة عني، وأجمل الأصدقاء هم الذين لا نحبهم ويحبوننا فقط، بل نحب أنفسنا في حضرتهم أيضا… نحبنا لأننا نبصر ذواتنا بأعينهم، ونتبصر بنا من خلال قلوبهم.
ُثمّ التقيتك، في مكتب أستاذة بحثت عنّي من قبل حين درّست مقررًا يخصها نيابةً عنها ولم أقابلها، قالت لي في ذلك اللقاء السريع: (أخيرًا شفتك، أنا ولّعت كشاف أدور عنك) في إشارة منها إلى توغلي في الغياب… ولم تعلم ولم أعلم أن حضورك يومها كان افتتاحًا لاستحضارك لي في سياقات أرحب… انتشلتني من خجلي وهروبي الدائم، من صمتي الطويل وتمسكي بالهامش، من تعريفي لنفسي باعتباري من نباتات الظل. معك وبواسطتك تعرفتُ إلى صوتي، معك وبواسطتك حررتُ نفسي من سجنها في هامش الخوف والارتباك، معك وبواسطتك حضرت الأمسية الأولى في حياتي، صغت المداخلة الأولى، قرأتُ ورقتي النقدية الأولى، كتبتُ مقالي الأول، نشرت أول بحوثي… الخ
موضوع بحث الماجستير كان من اقتراحك، أنجزته بفضل المراجع الكثيرة التي جلبتِها لي دون طلب مني، بحث الدكتوراه الأول كان من مراجعك أيضا… كل نجاح لي يهتدي بك، كل إنجاز يُضاف لاسمي يكون بإضافةٍ منك…
في كل لقاء يجمعنا لا تكتفين بفيض الحُب الذي يُضفيه عليّ حضورك، بل تستبقين هذا بوردة… أكثر من وصلني بالورد أنتِ، تُنبتين الفرح في وقتي وتوقفين وقتك لرعايته وسقايته وتتركين لي القطاف.
كلما التقينا أُخبر أختي الصغيرة أني التقيتك، فتقول لي: (ياحظك) ففي لقائها اليتيم بك أحبتك كما يحبك كل الناس، تقول إنها تتذكر تفاصيل بيتك جيدًا، تتذكر الغبطة التي غمرتِها بها، تتذكر الفرح الذي حشدتِه بين يديها، تتذكر الطفلة التي أتاحت لطفلة مثلها مباهجًا لا تنضب وأوسعت في الذاكرة حيزًا لذكرى حميمية وعظيمة….

لو تعلمين ما تعلمته منك، لو تدركين مقدار ما أضفته لي، لكنك لن تعلمي ولن تدركي… العظماء لا يدركون دائمًا ما هم عليه، يستمدون عظمتهم من ضعف إدراكهم هذا، فيمنحون ولا يشعرون، يعلّمون دون ترتيب منهم، يأخذون بأيدينا دون أن يقولوا إن لهم أيادٍ علينا…
لكنّ حقك عليّ أن أقول، أن أعترف بفضل أياديك… أياديك التي لا يبلغ مبلغ عطاءاتها كل الكلام. قولي لأياديك أن تجود عليّ بعذرٍ أتسامح بواسطته مع عجزي عن اختزالك… أنتِ يا من يختزلُ حضورها كل الأشياء الجميلة التي تحدث لي.