مشاركتي في Liebster Award

أشكر بشرى السيف صاحبة مدونة خزائن على ترشيحي للإجابة. وهذه إجاباتي على الأسئلة التي تفضّلت بطرحها:

  • بين الاهتمام بالنفس وتطويرها -في ظل الأدوار الاجتماعية الأخرى- وبين الأنانية: شعرة، هل يمكنك تحديد موقعها بدقة؟ وكيف تتعامل معها؟

(الأنانيّة) هي صيغة (الأنا) مزيدة، وكي تبقى (الأنا) متحرّرة من الزيادة ينبغي أن نرى غيرها، أن يكون في مقابل كل ضمير (أنا) ضمير مخاطب، أو غائب… كما في اللغة مُتسع لضمائر الحاضرين والغائبين والمتكلمين، ينبغي أن يبقى في الذات مكانًا لأسمائهم الظاهرة أيضا. أن يكون الاهتمام تبادليّ، أهتم بنفسي كي أسعد الذين يحبونني، وأهتم بهم كي أسعد بحبهم وأجد فيهم المعنى.

لا أرى أن بين الأنانية والاهتمام شعرة، بل مساحة، مساحة نحن نخلقها حين نحاول النظر باتجاه الآخر، حين نحدّق في مساحة أوسع من موطئ أقدامنا، حين نطوّر ذواتنا دون أن ننسى أننا لن نبلغ الجبال طولًا…

  • لو بدأت حياتك من جديد، وكان لك الحرية التامة في تشكيلها ورسم مساراتها، دون أي ظروف تقيدك، فما الحياة التي تؤمن فعلًا أنها الحياة التي تحقق لك غايتك منها؟

كتبت من قبل نصّ سأنقله هُنا، هذا النصّ يمثّل تصوري عن فرصتي في الحياة مرة ثانية:

“لو كانت لي فرصة للعيش في حياة تالية، أريد في حياتي القادمة أن أنجب أمي، أريد أن أكون أمًا لها وأعرف أن أمومتي لن تكون جنة كأمومتها… لكني أريد أن أفرح حين أراها تكبر، بدلًا من أن يقتلني حزني وخوفي….

أريد أن ابتسم لكلماتها الحميمة بدلًا من أن أبكي…

أريد أن أركن حياتي في عتمة النسيان لأُمهّد القادم لحياتها التي تريد.

أريد أن يعرف الشيب رأسي فيما أجدّل الليل في شعرها وأقول له أن يدوم بما يكفي للحلم والحب وتوهج الأمنيات.

أريد أن أسدل ثيابي التي طالما شكّت فيها إبرتها لتلائم مقاسي الصغير، أريدها منسدلة كي تغطي كل مسافة قد تمتد بيننا فلا تعجز يدها عن التشبث بطرف ثوبي وجذبي نحوها بإلحاح كلما صرفني ضجيج الحياة.”

  • في ظل هذا التنافس المحموم بين الأفراد في اكتساب المعارف وتحقيق النجاحات على الصعيد الشخصي والمهني، كيف يمكن للمرء أن يحصل ذلك دون أن يخسر اتزانه النفسي؟

أن يذكّر نفسه دائمًا بأنّ الإنجاز يعني الحصاد، والحصاد يعني الخير والفائدة. فما جدوى الكدّ في أرضي وسقايتها وزراعتها، إن كنتُ سأزحف من التعب يوم الحصاد؟ فلا أجني الكثير، ويبقى من زرعي بقية لليباس… مساحة صغيرة تكفيني. لا داعي لألف فدّان من النجاح.

  • الكتب الأدبية المترجمة؟ أم العربية؟ ولماذا؟

تخصّصي أدب عربي، لكنّي أقرأ بكثافة في الكتب المترجمة. لا أستطيع أن أفضّل شيئًا على شيء بالعموم. هُناك كتب مترجمة أحبها أكثر من بعض الكتب العربية، وهناك كتب عربية أحبها أكثر من بعض الكتب المترجمة. غالب قراءاتي في الأدب، والأدب يعبّر عن المشترك الإنساني الذي لا يعرف الحدود ولا يتفاضل باختلاف اللغات.

5- ما هي الشخصية الجاذبة بالنسبة لك؟ سمات الكاريزما التي لا تنفك عن ملاحظتها؟

كل شخص أخرجت أسوأ الأيام أجمل ما فيه، فلا تدفعه قسوة الحياة إلى القسوة على الآخرين، بل تعلم من معاناته تثمين المشاعر، فصار لا يستهين بمعاناة أحد.

  • لكل منا روتين يومي مثالي بالنسبة له، ماذا عن روتينك المثالي؟

أعيش أيامي بشكل ارتجالي، بلا روتين محدّد، أُسلّم يدي إلى النهار فيأخذني حيثما شاء، أو يتركني خلفه.

  • ما مدى تأثير علاقاتنا علينا؟ على اهتماماتنا، وشخصياتنا، وعلى حالاتنا النفسية، بل وعلى مساراتنا التي نتخذها في الحياة. هل وجدت أدوارًا واضحة للتأثير عليك؟ وكيف كانت؟

نعم، كل التأثير، كل التأثير… لا أعرف شيئًا يؤثر في حياتنا غير العلاقات أصلا، علاقتنا بالله، علاقتنا بالدين، علاقتنا بالعائلة، علاقتنا بالأصدقاء، علاقتنا بالأحبة، علاقتنا بالدراسة، علاقتنا بالوظيفة. العلاقات هي الوثاق الذي يشدّنا إلى الحياة.

وبما أني أعمل في التدريس، فقد تأثرت ببعض معلماتي، منهن معلمتي (عواطف) التي تعلمتُ منها كيف أقرّب إلى الذهن ما تُدركه المعرفة ولا يُحيط به الوصف.

(أبلة عواطف) مُعلمة التاريخ التي درستني في المرحلة المتوسطة، وأحالت جمود التاريخ إلى حياة تستعيد ذاتها في الصف، كان الزمن الغابر ينهض من رقدته ويحكي عن نفسه بلسانها، كانت الخرائط الصماء في كتبنا تصطخب بوقع أقدام الجنود وصليل سيوفهم وتنضح بالدم، لم تقم معلمة غيرها بإحالة الخريطة الجامدة إلى أرض تنطق بحكايات من عبروها… حصتها لم تكن تلقينًا أو سردًا، كانت رحلة في الزمن، وما أن يرن جرس نهاية الحصة حتى يكون الزمن قد استقر بحكاياته فينا…

بقي لي من أبلة عواطف تعليقة ذهبية كرمتني بها إثر نيلي للدرجة الكاملة عندها، وبقي لي كلمة كتبتها: كوني كما عهدتك دائمًا. وبقي مما عهدتني عليه طالبة تتذكرها دائمًا، وتتذكر معها كيف يمكن للواضحات أن تغدو أوضح، وكيف يُمكن للجمود أن ينتفض، وللتاريخ الميت أن يستيقظ…

وبقي أن أقول إن السرطان اختطفها منذ سنوات، رحلت، لكنها باقية فيّ، باقية فيما تعلمته على يديها، وفي محاولاتي لكي أكون كما عهدتني.. 💔

  • ما آخر دورة التحقت بها؟

دورات استخدام بلاك بورد ولم أحضرها، التحقت وما لحقت

  • وضعك الحالي، هل كان مبنيًا على خطة رسمتها لنفسك، أم أن الحياة ألقت بك فجأة إلى حيثما تكون؟ بصيغة أعم .. هل تؤمن بجدوى الأهداف بعيدة المدى؟ أم بنظرية البجعة السوداء؟

نعم، محظوظة لأني توظفت في وظيفة أحلامي، وقبلها تخصصت في تخصص أحبه من أيام مراهقتي. ونعم رغم كل إحباطي الغالب أومن بجدوى الأهداف البعيدة. مع إني أشعر دائمًا إن حكم حياتي صفّر وانتهت المباراة، ولا مجال لتسديد أهداف.

10- كم تستغرق التدوينة الواحدة منك؟ يوم/ أيام/ ساعات؟  وهل تقوم بعمليات بحث فيما يخص موضوع تدوينتك، أم تكتب مستندًا على تجاربك الشخصية وتأملاتك فقط؟

بحسب نوع التدوينة، في حال كانت خواطر وقصص قصيرة فهي تستغرق ساعات ولا أقوم بعمل أي أبحاث حولها. أمّا إن كتبت مقالات فقد أستغرق يومين إلى ثلاثة أيام، وأُجري أبحاث مكثفة نوعًا ما. أحيانًا أكتب ما يزيد عن عشرين صفحة أثناء إعدادي لمقال لا يزيد عن صفحتين.

11- لو كان هناك شيء واحد تريد اكتسابه، فماذا سيكون؟

15 سنتمتر زيادة في طولي

أسئلتي:

  1. لماذا نكتب؟ وهل بوسعك التخلّي عن الكتابة؟
  2. ما الكتب التي قرأتِها وشكّلت تحولًا في أفكارك وطريقة حياتك؟
  3. لو كان بوسعك اختيار كتاب من التراث العربي ليكون ضمن مقررات المرحلة الثانوية، أي كتاب تختار؟ ولماذا؟
  4. لو كان بوسعك اختيار كتاب من العصر الحديث لتدريسه ضمن مقررات المرحلة الثانوية، أي كتاب ستختار؟ ولماذا؟
  5. ما مدى شعورك بالقرب من ذاتك في الماضي؟ هل لديك شعور أنكما الشخص ذاته، أم تشعر بانفصال؟ وإن وجدت نسخة قديمة من ذاتك القديمة، بمَ ستخبرها؟ وعن ماذا تسألها؟
  6. لو كان التاريخ قابل للتنقيح والحذف، ما الحدث الذي ستختار استبعاده من مشهد مسيرة العالم فلا يحدث أبدًا؟ ولماذا؟
  7. هل هناك تفاصيل مُهملة وهامشية واعتيادية تستحوذ على اهتمامك؟ ما هي؟
  8. لو أُرفقت معك لحظة الولادة دليل استخدام كالدليل التشغيلي الذي يأتي مع الأجهزة، ما الذي سيكون مكتوبًا فيه لوصفك وآلية عمل شخصيتك؟
  9. لو ألّفت سيرة ذاتية عن حياتك، ما عنوانها؟ ولو ألّفت سيرة غيرية عن شخصية تلهمك، من الشخصية وما عنوان السيرة أيضا؟
  10. أيهما أصعب، خلق الأسئلة أم استدعاء الإجابات؟
  11. فيما لو حظيت بفرصة لطرح سؤال واحد مع وعود بحصولك على إجابة قاطعة وصريحة وصادقة ولا ينازعها شك. ما السؤال الذي ستطرحه؟

أرشّح للإجابة على أسئلتي

صلاح القرشي

إيلاف

هيفي عمار

شروط المشاركة:

1- شكر الشخص الذي رشحك، ووضع رابط مدونته كي يتمكن الناس من العثور على صفحته.

2- أجب على الأسئلة التي طرحت عليك من قبل المدون.

3- رشح مدونين آخرين واطرح 11 سؤال.

4- اخبر المدونين الذين قمت بترشيحهم عبر التعليق في إحدى تدويناتهم.

5- اكتب قواعد المسابقة و ضع شعارها في منشورك أو في مدونتك.

(فكأنّني) وكأنّهم أحلام

سمعت حكاية عن امرأة فقيرة كانت تضع حجرًا على بطنها وتشدّ وثاقه برباط، كي توهم بطنها بالامتلاء فيصمت أنين الجوع ولا تحاصص أولادها في الطعام الشحيح، ليأكلوا حتى الشبع.

أتذكّر هذه المرأة حين أُمنّي نفسي دائمًا بحيوات جديدة ستأتي بعد الموت، حيوات سأولد فيها كل مرة بذاكرة لا تعرفني ولا تعرف ما أنا عليه في حياتي الحاليّة، لكنّ قلبي يستدلّ على من أحبهم الآن في تلك الحيوات القادمة، يصطفيهم من جديد دون أن يعرف سببًا واضحًا لاصطفائهم. أُمنّي نفسي أنّنا سنلتقي ونكرّر اللقاءات دون أن نعرف أنّا كُنّا معًا من قبل، سنلتقي ونحب بعضنا من جديد، نشفق ونقلق ونخاف من الفقد، ثمّ نتساقط مرةً أخرى أيضا، سنُفجع ونخاف ونيأس ونفنى… ثمّ نولد في حيوات قادمة من جديد ونعيد ما كنّاه من قبل.

فكرة أن لقائي بأحبتي دائرة لا تنتهي ولا تكلّ من تكرار دورانها فكرة خيالية بلا شك، غير مقبولة ربما، لكني أمنّي نفسي بتحقّقها كي أجد عزاءً في العُمر الذي لا يتسع للاكتفاء من حضور الأحبة، ولن يتسع… هذه الأمنية التي أزيّفها وأقنع ذاتي بها، تشبه الحجر الذي وضعته تلك الأم على بطنها وشدّته برباط كي تزيّف الشبع، كي لا تشعر بالجوع… أشدّ هذه الفكرة إلى قلبي برباط الحب كي يصمت أنين جوعه إلى حضور الأحبة…

إعلان مفقودات

أشتاق إلى الأيام العاديّة
الأيام التي تمرّ، تمرّ فحسب
تمرّ ولا يسحبني فيها الوقت المتسارع من تحت أنقاض الشعور بالاستسلام، فيسحلني خلفه لألحق بحياتي… فقد مضى كل شيء إلى الأمام، إلا أنا. ما زلت مسجاة تحت أنقاض تراكمات من العمل المؤجل، والحزن بأثر رجعي، والخوف الاستباقي، والسأم المستمر والحاضر .

أشتاق إلى الأيام العاديّة
تلك الأيام العاديّة، الباهتة، هي تعريفي لجودة الحياة.
أيام بلا نور ساطع أرى فيه حقيقة الأشياء بشكل مفزع.
وبلا ظلام موحش تمدّ فيه أشباح الماضي ظلالها الضخمة، فيعتم قلبي.
تلك الأيام الباهتة، هي مشهدي المفضل
حيث يمر الوقت كفيلم قديم بألوان شاحبة على شاشة منسية في صالة بيت قديم، لفرط الشعور فيه بالألفة ماعاد أهله يقيمون فعاليات الواجب الأسري، ما عادوا يشعرون بالحاجة إلى التحلّق حول شاشة واحدة لمشاهدة هذا الفيلم الرتيب، ما عاد الكلام ضروريا كي يفهم بعضهم البعض، ما عادوا يشعرون بالحاجة للاندماج وتجديد التعارف… إذ يعبرهم الوقت وكل في فلكه يسبح، لا يغرق أحد منهم في الوحدة، ولا يمدّ يده بحثًا عن قشة إنقاذ.

أشتاق إلى الأيام العادية
أيام لا أستيقظ فيها بشعور متقد، ورغبات كثيفة، وبهجة غامضة، ونشاط مريب.
فأقرر فجأة أن أستعيد حياتي. السؤال المتوقع بعد جملة كهذه: أين ذهبت حياتي؟ لا أعثر على إجابة دقيقة، أتذكر العام الذي ركنت فيه حياتي في مكانٍ ما، ونسيتها هُناك… إذ كنتُ مشغولة عنها بهوامشها. في البدء كان عليّ صدّ هجمات ذاكرة مسعورة ربّيتها في سنين غفلة وضياع. ثمّ صار عليّ استعادة ذاتي كما تستعيد دولة مهزومة أسراها الذين ما وقعوا في الأسر إلا لأنهم جرحى ومعطوبين وعاجزين، ولن يعيدهم المنتصرون إلا لأنهم صاروا بلا جدوى، لا فائدة منهم ولا فائدة حتى من المساومة عليهم.
أستيقظ في صباحات هذه الأيام غير العادية، المتوهجة، فتتوهج بداخلي رغبة مفاجئة في استعادة حياتي. لا أعرف المكان الذي قد أستعيدها منه، لذا أبدأ في التحرّي وجمع أدلة فقدها، فإدراك الفقد هو الخطوة الأولى في طريق البحث عن المفقود… أجمع أدلّة مادية محسوسة لا تكذب، من هذه الأدلّة مجموعة أكواب تخرج من تحت سريري لا أعرف متى وصلت إلى هنا، وكمية مُفزعة من شرائط الحبوب المنوّمة أجدها في الدُرج المجاور لسرير نومي، كُتب كثيرة سقطت من تحت مخدتي وعلقت بين السرير وبين الجدار فتركتها هناك لأن التفكير في أي تحرك بسيط محسوس أو معنوي يستنزف روحي، الفواصل المدسوسة بين صفحات الكتب التي نجت من السقوط ولم تنجُ من الإهمال، وتركتها حين خذلني تركيز ذهني فعجزت عن مواصلة القراءة…
حين أنتهي من جمع هذه الأدلّة، أبدأ التحقيق في الوقائع الكبرى والملابسات التي تُشير إلى فقد حياتي، تأخري الدراسي أولًا، تأخري الدراسي ثانيًا، تأخري الدراسي ثالثًا. ثمّ مشاريعي التي كنتُ أطاردها عُمري كله، وحين أتت بها الفُرَص إلى بابي، علق المفتاح في الباب ولم أبذل جهدًا لاستخراجه، فتركت بابي موصدًا في وجه الفرص.
تحضر الفرص الضائعة في نهاية الأيام غير العادية، الأيام التي استيقظت في صباحاتها برغبة مفاجئة في استعادة ذاتي، استيقظت ببهجة غامضة، ونشاط مريب…. وما أن تداهمني الفرص الضائعة حتى أهوي من علياء المشاعر الجيدة في الأيام غير العادية، أسقط، أرتطم، ثم أستيقظ في اليوم التالي وأجدني مسجاة تحت أنقاض تراكمات من العمل المؤجل، والحزن بأثر رجعي، والخوف الاستباقي، والسأم المستمر والحاضر … فأشتاق إلى الأيام العاديّة.

إلى انتصار

مرحبا
حان الوقت إذن. وكنتُ قد كتبت نسخًا متعدّدة من هذه الرسالة في ذهني فقط، طوال الأيام الماضية كنت أعيش في ذهني ما يشبه المونولوج الطويل بيني وبينك لا يتحدث فيه سواي، للأسف!
حين كتبت رسالة إلى رهف في عيد ميلادها العشرين كتبتها بإيعاز منها، طلبت مني أن أنصحها، وأنا لا أحب نصح طالباتي فكيف أنصحك أنتِ؟ لا أتخيل أبدًا أن أقف منك موقف الناصحة ولا أظنك تتخيلين وإن كان بوسعك هذا فأرجوك خربشي هذه الصورة بسرعة بسرعة. ولا تسمحي لها بالورود على ذهنك مرة أخرى.
ماذا سأقول في هذه الرسالة التي وعدتك بها إذن؟
لنقل إنها حديث ودّي وفضفضة ارتجالية من ثلاثينية متمرسة إلى ثلاثينية مستجدة. فمرحبا بك في نادي الثلاثينيات الذي سبقتك إليه بنصف عقد. كان بودّي أن آخذك في جولة افتتاحية وأعرّفك على الزمان الذي سبقتك إليه، أدلّك على القوانين والسياسات المتّبعة.
لكنّي بعد أن اجتزت عتبة الثلاثين عرفت قانونًا واحدًا، وأسير على سياسة واحدة فقط.
القانون ينصّ على التعهد بنبذ أي قانون يتعلّق بمتطلبات العُمر، من الذي يحق له فرض قوانين عليّ؟ ومن سيعرف ما يناسب عمري وما لا يناسبه سواي؟ إنه عمري وحدي، مساحتي الزمنية، لا أتشاركها مع الآخرين إلا بالمودة والاحتفاء بقربهم لكنّي لا آخذ سنينا من أحد ولا أستعير أيامي من أحد ولا أتقدّم في السن من دفتر حسابات عمر أحد سواي، وبالتالي ليس لأحد أن يضع لهذه المساحة الزمنية قوانين وشروط غيري.
أما السياسات المتبعة فهي سياسة نقض البديهيات ذهنيًا وتصوّر سيناريو بديل لكل شيء، ومن هنا أستكشف أن كل السياسات المتبعة هباء لا معنى له، افتراضات، اجترار تجارب ومشاعر من آخرين…
لربما يبدو كلامي غامضًا، ولأبسّطه سأعطيك مثالًا. السياسة الزمنية المتبعة في حساب أعمارنا هي عدّ السنين، والسنة تتألف من ٣٦٥ يوم، واليوم من ٢٤ ساعة، والساعة من ٦٠ دقيقة والدقيقة من ٦٠ ثانية.
أحب نقض هذه المسلّمات في ذهني وإنشاء سيناريوهات افتراضية… كأن أتخيّل أن الشخص الأول الذي اختار التحديد الزمني قرّر أن تتألف أيامنا من أربع دورات، من نهارين وليلين. فيصير اليوم ٤٨ ساعة. ولو حدث هذا فأنتِ الآن تدخلين إلى عامك الخامس عشر.
أتصوّر لو كان هذا الشخص الذي ابتكر حسابات الزمن كان مهووسًا بالتصنيف والتجزئة أكثر. فقرّر أن يتألف كل يوم من لون واحد فقط، يوم من نور واليوم الثاني من ظلام والثالث من نور والرابع من ظلام. هذا سيجعل الشهر من ٦٠ يومًا. وهذا يعني أنني سأهنئك الآن بعامك الستين藍
أرأيتِ جدوى سياسة نقض السياسة؟ الأمر ليس إلا إحصاء رقمي قرّره شخص ما في زمن سابق وبناء عليه قرّرنا أعمارنا وسيرورة حيواتنا ومشاعرنا… لذلك لا أفهم خوفك من الثلاثينات، أو دهشتك من شعورك الحيادي تجاهها. أظن من الطبيعي أن تدخلي الثلاثين وكأنك تدخلين غرفتك في صباح اعتيادي، لا شيء مفزع في الأمر. لا تجاعيد تتربص خلف الباب، لا شعر أبيض يختبئ تحت الوسادة ليلتصق برأسك فجأة، لا موت يتمدد تحت السرير يحصي خطواتك ويضبط مؤقت ساعته للانقضاض… لا، كل شيء مجهول. وكل شيء يأتي بتدريج بطيء لا محسوس… والشعور بالتقدّم بالعمر إحساس ستشعرين به في أول يوم من الثلاثين ربما، وفي آخر يوم من عقدك الرابع ستشعرين أن عمرك ما زال غضًا كأحلام الوليد… كذلك السعادة والحب والحلم والأسى… ليس لأي من هذه الأحاسيس جدول مواعيد. إنها تأتي وفق سيرورة أحداث ليس بيدنا تسييرها عادةً، فما الداعي لترقّبها وابتكار جدول مواعيد لاستدعائها وفق التقسيم الزمني الذي وضعه شخص ما في زمن سابق وبناء عليه أنتِ اليوم تدخلين عامك الثلاثين… ولو تغيّر شيء في الخطة الزمنية المتبّعة لتغيّر الرقم الذي يُشير إلى عمرك. ولذلك أومن تماما أن العُمر رقم، والحياة إحساس لا علاقة له بالأرقام غالبًا.
لا معنى للأسى من مضي العُمر في هذا العمر يا انتصار، لا معنى للخوف من الثلاثين… حين أفكّر في الثلاثين  -مع إني عرفت فيها الوجه الأبشع للاكتئاب ولأشياء مريرة-  أتذكر دائما ليالٍ قاسيتها في عشريناتي، قاسيت فيها من مرارة ظلم وخوف فظيع… أتذكّرها وأقول لو كنت أعرف في تلك الليالي أن حياتي في الثلاثينات ستكون بشكلها الحالي الذي أحبه، لما بكيت في تلك الليالي ليلة واحدة، ولكني لا آسى على شيء، ولا أندم… فأنا حصيلة تلك التجارب… أتمنى أحيانا لو كان بوسعي اجتثاث كثير من الأيام البشعة والمواقف المؤلمة من ذاكرتي تماما وكأني ما عشتها، لكنّي متيقنة أني سأفقد مع ذكرياتي هذه بعض المبادئ التي خرجت بها منها، سأفقد مشاعر كثيرة وخلاصات مدهشة… وسأفقد بعضي إذن، ولذا لا آسى على شيء ولا أرغب في تنقيح عمري.

يا انتصار الحبيبة ليس لدي ما أقوله لك سوى ادخلي للثلاثين بلا خوف… ادخلي وكأنك تدخلين غرفتك في ضباح اعتيادي، مع شعور غامض بالبهجة، واسمعي أغنية جميلة يبدأ بها صباحك الثلاثين، ولتكن هذه
https://soundcloud.com/aroubaroub/7hnasu07rfl2?ref=clipboard

وتذكّري أن العُمر هو بيتك الذي سيتسع بالتقادم، فلا تستوحشي من اتساع البيوت… كدّسي الذكريات الجميلة والخلاصات البديعة واستضيفي الأحبة فيه واستبقي روائحهم وآثار خُطاهم، وأثثي حجرات هذا البيت باليقين، وافتحي شبابيكه دائما على دهشة التلقي لكل جديد، واكسري أي لافتة إرشادية.
واعتذري لنا نيابة عن العالم كي نحب العالم، واعتذري عن السيئين الذين لا يموتون مبكرًا، لكن عيشي طويلا طويلا لأجل خير العالم ❤

رسالة إلى رهف في ميلادها العشرين

قطعان تدوس عشب الليل

رأسي مُثقل بالنعاس، رأسي معتلّ بمتلازمة التفكير الكثيف على المخدة، رأسي يضيء بمئة مصباح ومصباح حين أطفئ الضوء لأنام… في هدوء الليل تصطخب في رأسي مداهمة مفاجئة لوكر الأفكار والذكريات. يبدو الأمر وكأن فرقة عسكرية تقتحم حارة مظلمة وهادئة وعشوائية فيجفل النوم  من كل بيت فيها.

رأسي مثقل بالنعاس، يبتلعني ثقب الوقت الذي يسبق النوم، الوقت الذي يغرز كعبه في الأرض ويرفض السير كطفل نزق وعنيد. فأحتاج إلى فكرة تُنجدني من حشد الأفكار التي تحرّض الأرق. الفكرة التقليدية الأولى التي تخطر في ذهني هي عدّ الخراف، خراف تقفز فوق سور خشبي: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة… الأرق ذئب، الذئب قادم، عقلي يحاول أن يتابع عدّ الخراف حتى أنام، أتوتّر وأنا أحاول استباق وصول الذئب فيجفل من توتّري القطيع، يتدافع بلا ترتيب فأفقد القدرة على العدّ… يتدافع القطيع ويدهسني.

رأسي مثقل بالنعاس، وهذا الوقت ثقب أسود يبتلعني فأجدني فيه وحيدة مع نفسي، يبدو الأمر وكأني أفتح الباب لي، فأدخل أكثر من مرة من أبواب تتكاثر كلما انفتح باب. أبواب تتدافع منها نُسخ لا تُحصى من نفسي، أتدافع مع نفسي بالطريقة ذاتها التي يتدافع بها قطيع الخراف فأفقد قدرتي على التنظيم والعدّ أيضا، أفقد قُدرتي على معرفة ذاتي لفرط حضوري وتكرار حضوري وثقل حضوري الذي يدهسني.

رأسي مثقل بالنعاس، والأفكار والمشاهد والصور والأصوات تتدافع في رأسي، تفصيلات صغيرة منسية تركها النهار في رأسي ورحل؛ كالكلمات العالقة التي كان ينبغي أن تُقال، الجُمل المفخخة التي انفجرت في لحظات غضب أهوج، والاعتذارات التي كان ينبغي أن أنقذ نفسي بها لكني تركتها في زحام النهار وظننتُ أنها لن تستدلّ عليّ فجاءت الآن لتنفرد بي.

مشاهد من البيت المحتشد الذي زرته اليوم، الأحذية التي كانت مكوّمة في مدخل الباب المكتظ بالزائرين تترك المدخل وتطأ رأسي المثقل بالنعاس، وتدوس بكعوبها المتفاوتة قلبي حين تذكّرني بوجه العاملة المنزلية الغريبة والوحيدة والمجردّة من الأُنس وسط زحام البيت الذي تخدمه، الأحذية المكوّمة تشمت بقدمي العاملة وتذكرهما كم ابتعدا عن الديار.

رأسي مُثقل بالنعاس، ويزداد هذا الثقل مع حضور المشهد البطيء والكئيب لصبية نحيلة في بدء المراهقة كانت تمسّد شعرها حيرة وارتباكًا بين الزائرات، ونظراتها الخائفة تفتّش في عيون الآخرين عن أي دلالة موافقة أو نظرة رفض كي تتوقف عن ارتجال نفسها وتحصل من خلال الآخرين على الدليل الإرشادي الذي ينبغي أن تسير عليه حين باغتها عمرها ونقلها من طفلة إلى امرأة. هذه الصبية المراهقة هي أنا في وقت مضى، هي أنا في أكثر من موقف مضى… في رأسي الـمُثقل بالنعاس يدوي سؤال ثقيل: أما زلتُ أنا كما أنا؟

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تفوح رائحة قهوة دارت في مجلس النساء إلى جانب صحون الحلا والشوكولاتة التي عجزت حلاوتها عن كسر مرارة الأحاديث، صحون حلا وشوكولاتة هزمتها ملوحة دمع الجارّة التي كانت تُنصت إلى قصص المواساة من نساء جفّفت التجربة عيونهن، ورسب الملح في حناجرهن ووسم أصواتهنّ بحُرقة معتادة أوهمتهن أن هذه الملوحة الحارقة هي الطعم الطبيعي للكلمات.

 رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تنتشر رطوبة غسيل جديد لثياب قديمة جمعنها الجارات لأم أيتام فقدت عائلها، وتعولهم من اللاشيء بسبب عائل لم يشأ أن يجعلها تُحقّق لنفسها أي شيء، ليظلّ كلّ شيء… لكنه لم يظلّ.

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تجفّ الرطوبة، ويهبّ بعدها هواء حار يبعثه حفيف الثياب القديمة نفسها، بعد أن صارت ثقيلة ثقيلة جدًا بشعور الخجل والضآلة والانكماش والتأنيب أمام الفرح المتجدد الذي استقبلتها به أعين المحتاجين.

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي أشياء كثيرة لا أعرف ماهيتها وتوصيفها، لكنها تتدافع، تتدافع في القلب فيضجرني وقع خطاها وتعثّرها. أستدعي قطيع الخراف وأحاول من جديد أن أستغرق في العدّ حتى أنام، القطيع لا يأتي، لا يصدّقني، تتكرّر قصّة الراعي الذي كان يستغيث بأهل قريته ويدّعي أن ذئبًا هاجم القطيع، وبعد أن يصدقوه أكثر من مرة ويكتشفوا كذبته أكثر من مرّة يمتنعون عن المجيء في المرة التي يجيء فيها الذئب فعلًا، ويفتك بالخراف.

رأسي ثقيل بالنعاس، والقطيع لا يصدّقني ولا يجيء… أخشى من ذئب الأرق، أشيح بوجهي نحو الجدار، أرفع المخدة التي اختنقت بأفكاري من تحت رأسي وأغطي بها وجهي، أحاول أن أتخفّى عن الذئب، أنكفئ على ألف صوت ونظرة وانكسار وصرخة وهزّة قدم مرتبك ونبرة صوت مختنق ومشهد دمعة عالقة… هذا الليل ثقب أسود بلا مخرج طوارئ، تحاول ساعات الليل أن تفرّ وتنجو من ذئب الأرق، تتدافع ساعات الليل، تتدافع كالقطيع، ويحضر الذئب، يفترس الليل الذي تهاوى… يطلع النهار، ورأسي مُثقل بالنعاس وعليه أن يواجه النهار بهذا النعاس الثقيل.

حكاية عن (نهاية)

في كتاب (بلدي المخترع) حكت إيزابيل الليندي حكايات عن غرابة الأطوار الممتدة في أسرتها كإرث عائلي، وروت ضمن ما روته الحكاية التالية: “كان أحد أخوالي يخلع بنطلونه في الشارع ليعطيه للفقراء، وعادة ما كانت تظهر صورته في الصحف بالسروال الداخلي، لكن أيضا بالقبعة والسترة وربطة العنق. كان مُعتدًّا بنفسه إلى حدّ أنه ترك في وصيته تعليمات كي يوارى التراب واقفًا. وبذلك يستطيع أن ينظر إلى عيني الربّ مباشرة حين يقرع السماء”
يوم قرأت هذه الصفحات، فكّرت في غريبي الأطوار الذين عرفتهم في حياتي -وهم كُثْر- لكنّ أول من يخطر في الذهن دائمًا هي (نهاية) وهذا اسمها، ولا أعرف سر الاسم. كانت (نهاية) تجسيدًا حقيقيًا لمن يعطيك الأشياء من آخرها، من النهاية يعني، بلا مقدمات ولا تردد ولا مداراة. في أيام المرحلة المتوسطة قصّت شعرها قصّة قصيرة جدًا ولم تكن تلك القصّات شائعة في أواخر التسعينات بين بنات المدرسة ولم تتسامح معها الإدارة، وحين يوقفونها صباحًا بتهمة التشبّه بالرجال، تردّ: لا بس قصيته عشان ما أمشّط
وفي الثانوية عاد شعرها طويلا يتجاوز مرفق يدها وربما أطول، ولم تكن تمشطه فعلًا، كانت تلفّه بشكل عشوائي وتثبته أعلى رأسها. ولم يكن هذا سبب غرابة أطوارها في نظري… لكنها كانت ترتدي مريول المدرسة بشكل مقلوب، تضع السحّاب (السوستة) في الأمام، وياقة المريول في الخلف. وحين ينبهها أحد: “نهاية مريولك مقلوب” تردّ ببرود يصفع أحكامنا المعتادة: “وش دراكم إنه مقلوب؟ مكتوب عليه أمام وخلف؟”
وكانت في أيام ترتديه بالشكل المعتاد؛ الياقة إلى الأمام والسحّاب في الخلف. وحين نقول لها: هاه ليه الحين صلحتيه وما لبستيه مقلوب؟ توضح لنا ببرودها المعتاد: طالما للمريول جهتين مو مكتوب عليها أمام وخلف هي وحدها تحدّد الأمام والخلف بهواها.
كان صوتها جميلًا حين تغنّي، وأتذكّر مرة غنت لي أغنية لطلال مداح: وهذي سيدي كل الحكاية.
معك في الحب ما حسيت راحة،
أنا أرجوك لا تحكي ورايا،
‏تعال اجلس معي واحكي بصراحة.

ولم أكن أعرف الأغنية ولم أسمعها من قبل، فوعدتني بتسجيلها في كاسيت. وبالفعل وفت بوعدها. أيامها كان طلال على قيد الحياة، وروابط النت الحالية لم تُخترع بعد، وتسجيل الأغنية يتطلب وضع جهازي تسجيل وتشغيل الأغنية في أحد الجهازين وضغط زر التسجيل في الآخر… ولم تكن المسجلات ذات البابين متوفرة في كل بيت حيث يلتقط جهاز التسجيل صوت الكاسيت وحده ولا يلتقط الضجيج، بينما طريقة التسجيل من جهازين كم عذبتنا بإعادة التسجيل من جديد ومسح الشريط بسبب ضجيج مفاجئ، أو بكاء طفل، أو صراخ أم، أو رنين جرس… الخ.
أعطتني الكاسيت، وسمعت الأغنية وكانت أغنية جميلة جدًا، في المقطع الأخير يتداخل مع صوت طلال صوت صفعة باب، ثم رجل يرفع صوته يخاطب طفلًا يبكي، وضجيج أبواب في الخلفية مع نداءات أهلها. كنت أتمنى أيامها أن التسجيل أكثر صفاء ووضوحًا. وكان من الممكن أن أطلب منها أن تعيد تسجيل الأغنية لي، أو تعيد تسجيل المقطع الأخير على الأقل. لكن أعرف أنها ستقول: وش دراك إنها أصوات أهلي؟ يمكن أهل طلال تهاوشوا…
حاليا حين أسمع الأغنية على ساوند كلاود أتحرّى صفعة الباب فلا أسمعها، فأتذكر مريول نهاية المقلوب.
وحين أسمع أغنية طلال (نهر الخلود حبك بين الضلوع مجراه) يبكي طفل في تسجيل بروفة الأغنية الوحيد الموجود على الإنترنت والذي لا علاقة له بنهاية. لكنني أسمع صوتها في ذهني: “وش دراك إنه مقلوب؟ مكتوب عليه أمام وخلف؟”

بيدر العمر

بلغت إحدى طالباتي عامها العشرين. ليلة عيد ميلادها طلبت مني أن أكتب لها رسالة نصح واستبصار لأنها تعتبرني قدوتها في كل شيء وتحتاج كلماتي.. كان الموقف بالغ الصعوبة، أحتاج من يرشدني فكيف أرشد أحدا؟ لكنّ هذا ما كتبته لها على أي حال، نشرته من قبل في موقع وجود وأعيدُ نشره هُنا لأذكّر نفسي به في مطلع العام ٢٠٢٠م لعلّي أجد فيه بعض أحلام البنت العشرينية التي كنتها:

عامك سعيد يا رهف

وليكن لك من السنين رهافتها ورقتها ولينها، ومن الأيام حلاوتها وطيبها.

لا أعرف أي نصيحة ينبغي كتابتها؟ ولا أعرف إن كان عمري الذي وصل إلى العشرين قبل عقد ونصف، يسمح لي أن أقرأ لك لافتات الطريق، وأن أخبرك أسرارًا عن الأيام والأحلام، وأضع لك شارات تيسّر العبور.

لا أظن أن من حقّي تقديم نفسي قدوة لك أو لأي أحد. فما أنا إلا عابرة جاهلة بالآتي، متعثرة فيما مضى، أحمل بعضه وبعضه يحملني ويعينني على العبور.

لا أظن أن لي تجربة تسمح لي أن أُملي عليك خطواتها، ومآلاتها، ونتائجها. غير أنّي سأكتب لكِ ما تعلمته أنا الفقيرة من العلم، الفقيرة إلى المعرفة، والمفتقرة إلى دليل إرشادي يأخذ بيدي عبر الطريق. فخذي كلامي بوصفه كلام شخص سلك الطريق قبلك بحكم العمر، لا بحكم الأفضلية.

وهذا بعض ما تعلمته، ولعلك تعلمينه أو تتعلمين منه:

– لا مرارة مثل مرارة الظلم، ولا عمار مثل الذي تبنيه العدالة، وما دمنا غير قادرين على تحقيق العدالة في العالم كله، فلنحققها على الأقل في محيطنا الضيق، وفي عوالمنا الصغيرة. إن كان العالم مليء بالظلم والعداوات والحروب وهدر الدماء، فلنرحم المقربين منّا على الأقل، نرحمهم من ظلمنا وسوء ظنوننا.

– ‏لا تُثقِلي على نفسك بعبء تجميل العالم، ولا تُشاركي في سُعار تدميره.

‏- أعرف سرًا عن الحزن، سأفشي به؛ كل حزن مهما بلغ مداه واجتياحه سيصير من الماضي، لا يكبر الحزن مع الوقت، بل يتضاءل. ولذا حال حضوره يحاول أن يحضر بثقل يعوّضه عن فكرة التلاشي. فانظري لكل ثقله وحمولاته الحاضرة بعين المستقبل، بعين تراه ماضٍ، والتقطي أفراحك الصغيرة من تفاصيل التفاصيل. تعلّمي كيف تفاجئين الفرح في مخابئه كل مرة بخفقةٍ تقول: ها قد عثرت عليك. وعلّقي مباهجك على وجه الأيام، احتفي بتفاصيلها الشحيحة، اسقيها حتى تخضّر وتورق، واحفظي لقلبك شبابه مهما تدافعت عليه السنون ومهما أبلت جِدّته الأيام.

– ذكّري قدميك بعثراتها، كي لا تمتد عثرةً في طريق السالكين. وتذكّري فيض حزنك الذي انحسر وتوارى، لا ليغشاك، لكن كي لا تستصغري حزن أحد، ولا تتعامى عن هلع الغارقين في شبر ماء لا يرون غوره لعمق حسراتهم. وإذا أخذ الله بيدك، فلا تضيّعي منها ذكرى شعور التيه، كي لا تخذل يدك أيادي التائهين.

-أسوأ أيامك، ستصنع أجمل ما فيك. وبهذه المقايضة العادلة ستصفحين عن الزمن وتتصالحين مع تقلبات الأيام.

– من وجهة نظر الصيّاد، العصفور الذي في اليد، خير من العشرة التي على الشجرة، لكن عليك أن تتبنّي وجهة نظر العصفور والشجرة، وأن تذكّري العصفور الذي في اليد بجناحيه وصوته وبمكانه، مكانه في الفضاء الرحب.

– لا جدوى للعلم ما لم نتعلم من خلاله مساحة جهلنا، وكلما تعلمنا أكثر، ينبغي أن ندرك جهلنا أكثر، فنبتعد عن عمى اليقين، ونحذِّر ونحذّر من الغرور. لا جدوى للعلم ما لم يعلمنا التواضع للآخرين، واستيعابهم، وأخذ أسئلتهم على محمل الجد لا التهكم.

– ‏من النوافذ تعلمي تمرير العتمة. من ضجيج الشوارع تعلّمي تلقّي النصّ المفتوح على تأويلات لا تنتهي. من الأرصفة تعلّمي العبور لتزجية السأم. ومن الأشجار تعلّمي بذل الظلال للعابرين. من خطوات العابرين تعلمي كيف أن العمر متسع بلا نهاية، وقابل لاستيعاب المزيد من التيه. من كل شيء تعلمي، من كل شيء تعلمي شيئًا، أو عدة أشياء.

– ‏الصداقات طريقة آمنة، تدرأ الوحشة، وتُمكننا من الوقوف في وجه الخوف. يبذل الأصدقاء لنا من أنفسهم وأوقاتهم ما يسدّ نهم الوقت، فلا يفترسنا بأنياب الوحدة، فامنحي من قلبك وروحك للصحاب، واستوعبي العثرات، وتصالحي مع الضعف الإنساني والخطايا التي يرتكبها الناس ونرتكبها نحن أيضا.

– لا تسير الأيام بلا غفران، تعلمي الغفران. أن تغفري للأهل والأصدقاء والناس. لكل منا ظروفه التي تُخرج منه أسوأ ما فيه، أو أفضل ما فيه، ولا سبيل للتعايش مع قبح الظروف إلا بالغفران. اغفري دائمًا، والتمسي العذر لكل أحد.

– بالإضافة إلى الغفران، تعلّمي البتر، بتر العلاقات منتهية الصلاحية قبل أن تُسمّم أيامك. بعض الجروح المتعفنة لا تطيب، بل تستشري. ولذا خيار البتر هو حل العلاقات التي تنهش الجزء الضئيل السالم فينا. صدقيني سيموت أجمل ما فيك إن استسلمتِ للذين يفيضون عليك بأسوأ ما فيهم.

– تُقاس إنسانية الإنسان بتعامله مع منهم أقل منه مكانة وقوة، مع الأطفال والخدم والعمّال وكل المسحوقين وغير القادرين على انتزاع حقهم منه. أن تحظي بمحبة رؤسائك ومعلميك وأصدقائك والمتكافئين معك شيء جميل، لكنه لا يقيس مدى نقائك ورحمة قلبك. أما أن يحبك ضعاف الحيلة والمهمشون، فهذا ما يصنع معدنك الحقيقي. فكوني مع الضعيف دائما ضد الأقوى منه، مع المتهم دائما ضدّ الأقسى، فتّشي في دوافعه وضعف حيلته. كوني مع المحروم دائمًا ضد من يتكلم عن أسباب جوع المحرومين وفمه مملوء بالطعام والبجاحة. كوني مع الفقير ضد قوى كل العالم التي تزيد من فقره وبؤسه. كوني مع الإنسان كي تظلي إنسانة.

كل عام وقلبك عامر بالنقاء والصدق والحب والشغف والإيمان.

أيام

أنتزعُ نفسي من السرير إلى مواجهة اليوم، أخرج كي أضيع من نفسي في زحام الناس واتّساع وحدتي بينهم، أنسى الثقل الرابض على قلبي لساعات، وللحظات ألمحه في واجهات الأبواب التي تعكس وجهي وفي وجوه ندل المقاهي الذين يعرفون وجهي المكرر كالسأم ويبادلوني ابتسامات حقيقية وحيّة وأسئلة ساخرة عن غيابي أمس أو تأخري اليوم أو طلبي المكرر أو سبب تغيير الطلب اليوم، أضحك، ربما لا أضحك بشكل حقيقي طوال يومي إلا في هذه الثواني التي أردّ فيها على مزاحهم المتوقع كحضوري الباهت، وما أن ألمح كتفي أحدهم موليًّا ظهره لي في مواجهة عمله المكتظ ويومه الموحش إلا من الركض والمكابدة، حتى تستقبلني الوحشة بيديها الجافّة. فيعتادني شعور ملحّ بأنّي في المكان الخطأ، وعليّ أن أعود إلى السرير الذي كابدت لأنتزع نفسي منه كي أفتّش عن يومي في اتساع الأمكنة وزحام الناس واتّساع وحدتي. وأعود، أعود دائما محمّلة بالخواء وأصوات عالقة في رأسي من صخب الأمكنة التي مررت بها، أعود وقد أضعت يومي في التفتيش عنه، أفتّش عن نوم يُنسيني هذه الخسارة كي أعوّض غدًا، وأعثر على يومي.
وفي الغد -الذي هو اليوم- أفشل في انتزع ذاتي من ذاتي، أقرّر تأجيل مهمّة العثور على اليوم، أستجيب للصداع الذي يبدو كما لو أنّه استجابة فيزيائية داخل رأسي لأفكار الأمس التي ظلّت تهزّ قدمها بقلق واضطراب في رأسي لساعات وساعات. لا أخرج لأفتّش عن يومي، أتوهّم أنه سيدخل من الباب خلال لحظةٍ ما، أو سيطرق النافذة التي تعلو رأسي مباشرة. لكنّ الشمس تدخل، تتلصص على ظلام غرفتي، تشتدّ في ساعات، تمتدّ بعناد في هيئة خطوط كقضبان وهمية تذكرني أنّي سجينة ذاتي، والأيام تمر خلف الباب، تركض في الشوارع التي تطلّ عليها نافذتي، الأيام هناك في الخارج وأنتِ سجينة غرفتك… لكنّي أمس كنتُ في الخارج ولم أعثر عليها؟
فهل أدوّن هذه الخسارة أيضا؟ أم أشطب كل شيء إذعانًا لهذا الكساد الكبير؟

مواساة

‏لا بأس أيها الوقت الملوّن بلون الرماد، أعرف أن نيرانك انطفأت و وهجك تلاشى… لكن امتدادك ألهمنا كيف ننبعث في كل يوم من الرماد، كيف نتعايش مع الرماد بعد أن كنا وهجا وطموحًا… وعلى أي حال سيصير هذا الرماد ترابًا، فلا بأس.

‏لا بأس، سنجتاز هذا السراب الذي يحرّض العطش، ويخاتل الأماني، وسنجد خلفه سرابًا آخر يقطع لنا وعود الارتواء، فنرتوي بالانتظارات المالحة، لكننا نرتوي على أي حال.

‏لا بأس يا رفاقنا المغيبين، نحن أيضا مثلكم، غابت أصواتنا وشُلّت أيادينا وتفاقمت حسراتنا، وكل هذا الوجع يقاتل النسيان ببأس شديد، فلم ولن ننساكم، فلا تنسوا هذا في عتمة زنازينكم. لا تنسوا كي لا تصدأ أرواحكم وتتآكل في صدأ الانتظار المفتوح على وفرة الاحتمالات حينا، وعلى شحّها أحيان.

‏لا بأس يا أحبتنا الذين فقدناهم في عتمة الغياب الأبديّ، يومًا ما سنلحق بكم حيث أنتم، فنخبركم كم كان أليمًا فراقكم، وفي تلك الأقبية الموحشة سنظلّ ننتظر القادمين ليخبرونا كم كان أليمًا فراقنا.

لا بأس أيها الحزانى الذين يدهسهم شعور الخذلان، ويزعجهم صخب الصمت، ما زال في اللغة كلمات للعزاء والمواساة، وإن كانت عاجزة عن العمل، وإن كانت موقوفة عن الأمل، وإن كانت محبوسة على ذمة التحقيق في جدواها، وإن كانت محكومة بالإعدام مع وقف التنفيذ. لكنّها موجودة على أي حال.

لا بأس يا أنا، حدّة الشعور في هذا الزمن عبء لا يُطاق، يسحلنا كلّ يوم على نتوءات الفظائع، يفتّت قلوبنا بصخر الظلم، يجرّعنا مرارات الصدمة مع كل صدمة لا تسقط مرارتها بفعل التقادم أو الاعتياد.
لكنّ حدّة الشعور ضرورة، ضرورة كي لا يحوّلنا الواقع إلى مسخ غير واقعي، يتعايش مع فواجع واقع لا يقبله أي واقع. هه

‏أشعر أنّ لهيب جمر يتوقد تحت أصابعي، يتآكل منه اللحم ببطء نسبي ويتفاقم الألم بتسارع فظيع، فظيع… في هذه المرحلة الظالمة
لكن لا بأس، فما زلتُ أشعر بماء بارد ينضح في وجهي يعقبه تيار هواء لطيف وأنا عائدة من نهار جحيمي، كلما تذكّرت أنّي لم أفقد نفسي رغم كل شيء، لم أفقد إحساس قلبي، لم أتغيّر، ولن أتغيّر.

فألهمني يا ربّ سذاجة الأطفال الذين ينتظرون انتصار الخير في نهاية كل قصّة، ألهمني يا الله تهوّر الحالمين ومجازفات أحلامهم في وسط هذا القُبح، ألهمني يا ربّ إيمان العجائز، وتصديق الدراويش، ونزق الثوّار. ألهمني يا ربّ أنّ أظلّ كما كنت، وأن أكون كما ظننت، وأفضل وأصدق وأبسط وأسذج مما ظننت. ألهمني يا ربّ ألهمني لذّة انتظار الإلهام.

عيد الدِّني


صباح البسمات الطويلة.
أعتقد أنّ نقطة الالتقاء بين الصباحات وبين صوت فيروز هي استقطاب البداية، صوت فيروز صوت ملاك يُذكّر الإنسان دائمًا بنشأة أبيه في الجنة.
أمّا نقطة الالتقاء بين الصباحات وقلبي؛ الولع بالبدايات. أوّل كل شيء هو مُنتهى الجمال فيه.
ضمن مايستحق الحياة على هذه الأرض، يذكر درويش: “أول الحُب”
‏وفي قصيدة أخرى يقول: “لا أريدُ من الحبِ غير البداية”
لكنِّ البداية الأبدية لا وجود لها، لأن البداية حين تتمدد بلا توابع ونهايات وحواشي كثيفة، لن تصح تسميتها بالبداية.
ربما لذة البداية كامنة في الزوال، وكل زائل جميل، كل ما لا يُمكن القبض عليه ثمين.

في الصباحات تتفتح روحي، يستيقظ أجدادي الرُعاة النائمون في دمي، وتربط الفلاحات مناديلهن الصفراء على شعورهن ويخرجن نحو البلاد… الطين الذي خُلِقتُ منه يُنِْبت سنابل شامخة لا تُنكّس رؤوسها إلا حين يُثقلها الحنين، حنيني إلى البلاد البعيدة، إلى البيت القديم الصغير الذي اتسع على امتداد عُمري وصار موئل ذاكرتي… حنيني إلى البنت التي كانت تُطارد الأغاني في المحطات، تفتتح الصباحات دائمًا بصوت طلال حين يُطلّ عبر برنامج (نسيم الصباح) في إذاعة الرياض: “صبّح صباح الخير من غير ما يتكلم”
للصباح رائحة خبز الأمهات، رائحة أيديهن المخضبة بالحناء، رائحة الأرض التي سقاها المطر، رائحة الطين إذ تشكّل أول مرة، قبل أن يتشكل منه البشر الذين ورثوا عنه الحنين الأبدي للأرض… للمنشأ، للأصل، للجذور، للماء، للشمس، للهواء، للأعشاش، للثمر…

صباح البسمات الطويلة.
صباح الخير لعُشّاق البدايات، صباح البدايات الزائلة، التي تعود بعد زوالها، تعود إلينا من جديد، تعود كل يوم، كل يوم، كل يوم، كل يوم…

“ليسَ سرًّا يا رفيقي أنّ أيامي قليلة
ليس سرًّا إنما الأيام بسمات طويلة
إنْ أردتَ السرّ فاسأل عنه أزهار الخميلة
عمرها يومٌ، وتحيا اليوم حتى مُنتهاه
سوف أحيا
سوف أحيا”