بيدر العمر

بلغت إحدى طالباتي عامها العشرين. ليلة عيد ميلادها طلبت مني أن أكتب لها رسالة نصح واستبصار لأنها تعتبرني قدوتها في كل شيء وتحتاج كلماتي.. كان الموقف بالغ الصعوبة، أحتاج من يرشدني فكيف أرشد أحدا؟ لكنّ هذا ما كتبته لها على أي حال، نشرته من قبل في موقع وجود وأعيدُ نشره هُنا لأذكّر نفسي به في مطلع العام ٢٠٢٠م لعلّي أجد فيه بعض أحلام البنت العشرينية التي كنتها:

عامك سعيد يا رهف

وليكن لك من السنين رهافتها ورقتها ولينها، ومن الأيام حلاوتها وطيبها.

لا أعرف أي نصيحة ينبغي كتابتها؟ ولا أعرف إن كان عمري الذي وصل إلى العشرين قبل عقد ونصف، يسمح لي أن أقرأ لك لافتات الطريق، وأن أخبرك أسرارًا عن الأيام والأحلام، وأضع لك شارات تيسّر العبور.

لا أظن أن من حقّي تقديم نفسي قدوة لك أو لأي أحد. فما أنا إلا عابرة جاهلة بالآتي، متعثرة فيما مضى، أحمل بعضه وبعضه يحملني ويعينني على العبور.

لا أظن أن لي تجربة تسمح لي أن أُملي عليك خطواتها، ومآلاتها، ونتائجها. غير أنّي سأكتب لكِ ما تعلمته أنا الفقيرة من العلم، الفقيرة إلى المعرفة، والمفتقرة إلى دليل إرشادي يأخذ بيدي عبر الطريق. فخذي كلامي بوصفه كلام شخص سلك الطريق قبلك بحكم العمر، لا بحكم الأفضلية.

وهذا بعض ما تعلمته، ولعلك تعلمينه أو تتعلمين منه:

– لا مرارة مثل مرارة الظلم، ولا عمار مثل الذي تبنيه العدالة، وما دمنا غير قادرين على تحقيق العدالة في العالم كله، فلنحققها على الأقل في محيطنا الضيق، وفي عوالمنا الصغيرة. إن كان العالم مليء بالظلم والعداوات والحروب وهدر الدماء، فلنرحم المقربين منّا على الأقل، نرحمهم من ظلمنا وسوء ظنوننا.

– ‏لا تُثقِلي على نفسك بعبء تجميل العالم، ولا تُشاركي في سُعار تدميره.

‏- أعرف سرًا عن الحزن، سأفشي به؛ كل حزن مهما بلغ مداه واجتياحه سيصير من الماضي، لا يكبر الحزن مع الوقت، بل يتضاءل. ولذا حال حضوره يحاول أن يحضر بثقل يعوّضه عن فكرة التلاشي. فانظري لكل ثقله وحمولاته الحاضرة بعين المستقبل، بعين تراه ماضٍ، والتقطي أفراحك الصغيرة من تفاصيل التفاصيل. تعلّمي كيف تفاجئين الفرح في مخابئه كل مرة بخفقةٍ تقول: ها قد عثرت عليك. وعلّقي مباهجك على وجه الأيام، احتفي بتفاصيلها الشحيحة، اسقيها حتى تخضّر وتورق، واحفظي لقلبك شبابه مهما تدافعت عليه السنون ومهما أبلت جِدّته الأيام.

– ذكّري قدميك بعثراتها، كي لا تمتد عثرةً في طريق السالكين. وتذكّري فيض حزنك الذي انحسر وتوارى، لا ليغشاك، لكن كي لا تستصغري حزن أحد، ولا تتعامى عن هلع الغارقين في شبر ماء لا يرون غوره لعمق حسراتهم. وإذا أخذ الله بيدك، فلا تضيّعي منها ذكرى شعور التيه، كي لا تخذل يدك أيادي التائهين.

-أسوأ أيامك، ستصنع أجمل ما فيك. وبهذه المقايضة العادلة ستصفحين عن الزمن وتتصالحين مع تقلبات الأيام.

– من وجهة نظر الصيّاد، العصفور الذي في اليد، خير من العشرة التي على الشجرة، لكن عليك أن تتبنّي وجهة نظر العصفور والشجرة، وأن تذكّري العصفور الذي في اليد بجناحيه وصوته وبمكانه، مكانه في الفضاء الرحب.

– لا جدوى للعلم ما لم نتعلم من خلاله مساحة جهلنا، وكلما تعلمنا أكثر، ينبغي أن ندرك جهلنا أكثر، فنبتعد عن عمى اليقين، ونحذِّر ونحذّر من الغرور. لا جدوى للعلم ما لم يعلمنا التواضع للآخرين، واستيعابهم، وأخذ أسئلتهم على محمل الجد لا التهكم.

– ‏من النوافذ تعلمي تمرير العتمة. من ضجيج الشوارع تعلّمي تلقّي النصّ المفتوح على تأويلات لا تنتهي. من الأرصفة تعلّمي العبور لتزجية السأم. ومن الأشجار تعلّمي بذل الظلال للعابرين. من خطوات العابرين تعلمي كيف أن العمر متسع بلا نهاية، وقابل لاستيعاب المزيد من التيه. من كل شيء تعلمي، من كل شيء تعلمي شيئًا، أو عدة أشياء.

– ‏الصداقات طريقة آمنة، تدرأ الوحشة، وتُمكننا من الوقوف في وجه الخوف. يبذل الأصدقاء لنا من أنفسهم وأوقاتهم ما يسدّ نهم الوقت، فلا يفترسنا بأنياب الوحدة، فامنحي من قلبك وروحك للصحاب، واستوعبي العثرات، وتصالحي مع الضعف الإنساني والخطايا التي يرتكبها الناس ونرتكبها نحن أيضا.

– لا تسير الأيام بلا غفران، تعلمي الغفران. أن تغفري للأهل والأصدقاء والناس. لكل منا ظروفه التي تُخرج منه أسوأ ما فيه، أو أفضل ما فيه، ولا سبيل للتعايش مع قبح الظروف إلا بالغفران. اغفري دائمًا، والتمسي العذر لكل أحد.

– بالإضافة إلى الغفران، تعلّمي البتر، بتر العلاقات منتهية الصلاحية قبل أن تُسمّم أيامك. بعض الجروح المتعفنة لا تطيب، بل تستشري. ولذا خيار البتر هو حل العلاقات التي تنهش الجزء الضئيل السالم فينا. صدقيني سيموت أجمل ما فيك إن استسلمتِ للذين يفيضون عليك بأسوأ ما فيهم.

– تُقاس إنسانية الإنسان بتعامله مع منهم أقل منه مكانة وقوة، مع الأطفال والخدم والعمّال وكل المسحوقين وغير القادرين على انتزاع حقهم منه. أن تحظي بمحبة رؤسائك ومعلميك وأصدقائك والمتكافئين معك شيء جميل، لكنه لا يقيس مدى نقائك ورحمة قلبك. أما أن يحبك ضعاف الحيلة والمهمشون، فهذا ما يصنع معدنك الحقيقي. فكوني مع الضعيف دائما ضد الأقوى منه، مع المتهم دائما ضدّ الأقسى، فتّشي في دوافعه وضعف حيلته. كوني مع المحروم دائمًا ضد من يتكلم عن أسباب جوع المحرومين وفمه مملوء بالطعام والبجاحة. كوني مع الفقير ضد قوى كل العالم التي تزيد من فقره وبؤسه. كوني مع الإنسان كي تظلي إنسانة.

كل عام وقلبك عامر بالنقاء والصدق والحب والشغف والإيمان.

أيام

أنتزعُ نفسي من السرير إلى مواجهة اليوم، أخرج كي أضيع من نفسي في زحام الناس واتّساع وحدتي بينهم، أنسى الثقل الرابض على قلبي لساعات، وللحظات ألمحه في واجهات الأبواب التي تعكس وجهي وفي وجوه ندل المقاهي الذين يعرفون وجهي المكرر كالسأم ويبادلوني ابتسامات حقيقية وحيّة وأسئلة ساخرة عن غيابي أمس أو تأخري اليوم أو طلبي المكرر أو سبب تغيير الطلب اليوم، أضحك، ربما لا أضحك بشكل حقيقي طوال يومي إلا في هذه الثواني التي أردّ فيها على مزاحهم المتوقع كحضوري الباهت، وما أن ألمح كتفي أحدهم موليًّا ظهره لي في مواجهة عمله المكتظ ويومه الموحش إلا من الركض والمكابدة، حتى تستقبلني الوحشة بيديها الجافّة. فيعتادني شعور ملحّ بأنّي في المكان الخطأ، وعليّ أن أعود إلى السرير الذي كابدت لأنتزع نفسي منه كي أفتّش عن يومي في اتساع الأمكنة وزحام الناس واتّساع وحدتي. وأعود، أعود دائما محمّلة بالخواء وأصوات عالقة في رأسي من صخب الأمكنة التي مررت بها، أعود وقد أضعت يومي في التفتيش عنه، أفتّش عن نوم يُنسيني هذه الخسارة كي أعوّض غدًا، وأعثر على يومي.
وفي الغد -الذي هو اليوم- أفشل في انتزع ذاتي من ذاتي، أقرّر تأجيل مهمّة العثور على اليوم، أستجيب للصداع الذي يبدو كما لو أنّه استجابة فيزيائية داخل رأسي لأفكار الأمس التي ظلّت تهزّ قدمها بقلق واضطراب في رأسي لساعات وساعات. لا أخرج لأفتّش عن يومي، أتوهّم أنه سيدخل من الباب خلال لحظةٍ ما، أو سيطرق النافذة التي تعلو رأسي مباشرة. لكنّ الشمس تدخل، تتلصص على ظلام غرفتي، تشتدّ في ساعات، تمتدّ بعناد في هيئة خطوط كقضبان وهمية تذكرني أنّي سجينة ذاتي، والأيام تمر خلف الباب، تركض في الشوارع التي تطلّ عليها نافذتي، الأيام هناك في الخارج وأنتِ سجينة غرفتك… لكنّي أمس كنتُ في الخارج ولم أعثر عليها؟
فهل أدوّن هذه الخسارة أيضا؟ أم أشطب كل شيء إذعانًا لهذا الكساد الكبير؟

مواساة

‏لا بأس أيها الوقت الملوّن بلون الرماد، أعرف أن نيرانك انطفأت و وهجك تلاشى… لكن امتدادك ألهمنا كيف ننبعث في كل يوم من الرماد، كيف نتعايش مع الرماد بعد أن كنا وهجا وطموحًا… وعلى أي حال سيصير هذا الرماد ترابًا، فلا بأس.

‏لا بأس، سنجتاز هذا السراب الذي يحرّض العطش، ويخاتل الأماني، وسنجد خلفه سرابًا آخر يقطع لنا وعود الارتواء، فنرتوي بالانتظارات المالحة، لكننا نرتوي على أي حال.

‏لا بأس يا رفاقنا المغيبين، نحن أيضا مثلكم، غابت أصواتنا وشُلّت أيادينا وتفاقمت حسراتنا، وكل هذا الوجع يقاتل النسيان ببأس شديد، فلم ولن ننساكم، فلا تنسوا هذا في عتمة زنازينكم. لا تنسوا كي لا تصدأ أرواحكم وتتآكل في صدأ الانتظار المفتوح على وفرة الاحتمالات حينا، وعلى شحّها أحيان.

‏لا بأس يا أحبتنا الذين فقدناهم في عتمة الغياب الأبديّ، يومًا ما سنلحق بكم حيث أنتم، فنخبركم كم كان أليمًا فراقكم، وفي تلك الأقبية الموحشة سنظلّ ننتظر القادمين ليخبرونا كم كان أليمًا فراقنا.

لا بأس أيها الحزانى الذين يدهسهم شعور الخذلان، ويزعجهم صخب الصمت، ما زال في اللغة كلمات للعزاء والمواساة، وإن كانت عاجزة عن العمل، وإن كانت موقوفة عن الأمل، وإن كانت محبوسة على ذمة التحقيق في جدواها، وإن كانت محكومة بالإعدام مع وقف التنفيذ. لكنّها موجودة على أي حال.

لا بأس يا أنا، حدّة الشعور في هذا الزمن عبء لا يُطاق، يسحلنا كلّ يوم على نتوءات الفظائع، يفتّت قلوبنا بصخر الظلم، يجرّعنا مرارات الصدمة مع كل صدمة لا تسقط مرارتها بفعل التقادم أو الاعتياد.
لكنّ حدّة الشعور ضرورة، ضرورة كي لا يحوّلنا الواقع إلى مسخ غير واقعي، يتعايش مع فواجع واقع لا يقبله أي واقع. هه

‏أشعر أنّ لهيب جمر يتوقد تحت أصابعي، يتآكل منه اللحم ببطء نسبي ويتفاقم الألم بتسارع فظيع، فظيع… في هذه المرحلة الظالمة
لكن لا بأس، فما زلتُ أشعر بماء بارد ينضح في وجهي يعقبه تيار هواء لطيف وأنا عائدة من نهار جحيمي، كلما تذكّرت أنّي لم أفقد نفسي رغم كل شيء، لم أفقد إحساس قلبي، لم أتغيّر، ولن أتغيّر.

فألهمني يا ربّ سذاجة الأطفال الذين ينتظرون انتصار الخير في نهاية كل قصّة، ألهمني يا الله تهوّر الحالمين ومجازفات أحلامهم في وسط هذا القُبح، ألهمني يا ربّ إيمان العجائز، وتصديق الدراويش، ونزق الثوّار. ألهمني يا ربّ أنّ أظلّ كما كنت، وأن أكون كما ظننت، وأفضل وأصدق وأبسط وأسذج مما ظننت. ألهمني يا ربّ ألهمني لذّة انتظار الإلهام.

عيد الدِّني


صباح البسمات الطويلة.
أعتقد أنّ نقطة الالتقاء بين الصباحات وبين صوت فيروز هي استقطاب البداية، صوت فيروز صوت ملاك يُذكّر الإنسان دائمًا بنشأة أبيه في الجنة.
أمّا نقطة الالتقاء بين الصباحات وقلبي؛ الولع بالبدايات. أوّل كل شيء هو مُنتهى الجمال فيه.
ضمن مايستحق الحياة على هذه الأرض، يذكر درويش: “أول الحُب”
‏وفي قصيدة أخرى يقول: “لا أريدُ من الحبِ غير البداية”
لكنِّ البداية الأبدية لا وجود لها، لأن البداية حين تتمدد بلا توابع ونهايات وحواشي كثيفة، لن تصح تسميتها بالبداية.
ربما لذة البداية كامنة في الزوال، وكل زائل جميل، كل ما لا يُمكن القبض عليه ثمين.

في الصباحات تتفتح روحي، يستيقظ أجدادي الرُعاة النائمون في دمي، وتربط الفلاحات مناديلهن الصفراء على شعورهن ويخرجن نحو البلاد… الطين الذي خُلِقتُ منه يُنِْبت سنابل شامخة لا تُنكّس رؤوسها إلا حين يُثقلها الحنين، حنيني إلى البلاد البعيدة، إلى البيت القديم الصغير الذي اتسع على امتداد عُمري وصار موئل ذاكرتي… حنيني إلى البنت التي كانت تُطارد الأغاني في المحطات، تفتتح الصباحات دائمًا بصوت طلال حين يُطلّ عبر برنامج (نسيم الصباح) في إذاعة الرياض: “صبّح صباح الخير من غير ما يتكلم”
للصباح رائحة خبز الأمهات، رائحة أيديهن المخضبة بالحناء، رائحة الأرض التي سقاها المطر، رائحة الطين إذ تشكّل أول مرة، قبل أن يتشكل منه البشر الذين ورثوا عنه الحنين الأبدي للأرض… للمنشأ، للأصل، للجذور، للماء، للشمس، للهواء، للأعشاش، للثمر…

صباح البسمات الطويلة.
صباح الخير لعُشّاق البدايات، صباح البدايات الزائلة، التي تعود بعد زوالها، تعود إلينا من جديد، تعود كل يوم، كل يوم، كل يوم، كل يوم…

“ليسَ سرًّا يا رفيقي أنّ أيامي قليلة
ليس سرًّا إنما الأيام بسمات طويلة
إنْ أردتَ السرّ فاسأل عنه أزهار الخميلة
عمرها يومٌ، وتحيا اليوم حتى مُنتهاه
سوف أحيا
سوف أحيا”

لا عاصم اليوم، لا معصوم

يُعذّبني تأنيب الضمير، يُعذّبني. يسحلني في ليالٍ كثيرة، يُذكّرني بعتمة روحي التي أطفأت في أرواح الآخرين البهجة أو الصدق أو الثقة أو اليقين أو وهج اللحظة، أو انتزعت من اللحظة الرتيبة العادية عاديّتها وجعلتها لحظة قاتمة وخانقة.

تعذّبني الذاكرة، وترعبني فكرة أنّ بعض تصرفاتي التي أتذكرها أو لا أتذكرها قد صارت ندوبًا في ذاكرة أي شخص عرفته.

تعذّبني قلّة حيلتي أمام فظاعات العالم ومآسيه، وأتعذّب أكثر حين أتصور أن يدي العاجزة عن إصلاح العالم قد تكون فاعلة في تخريبه أو في مفاقمة أوجاع من يتعذبون يوميًا فيه. فما أنا إلا وريثة آدم وسلالته، على ظهري إرث هائل من الخطايا البشريّة والنقص الوراثي.

يعذّبني الانتصار والتعادل والخسران، إن انتصرتُ لنفسي بردّ الأذى مضاعفًا لمن آذاني، أو إن سعيت إلى إنصاف نفسي ممن يؤذيني بإتخاذ إجراء يحقق العدالة والتعادل، أو إن خسرتُ نفسي واستسلمت للأذى، في كل هذه الأحوال أتعذّب، أتعذّب من فكرة أننا في هذه الحياة المتسعة لنا جميعًا، لا نملك إلا خيارات ضيقة في تعايشنا معا، إما أن نؤذي الآخرين، أو يؤذوننا.

زهير بن أبي سلمى بعد أن سئم تكاليف الحياة، واختبر الناس، وعركته الخطوب، وأنضجته الأيام، وسار به العمر إلى مكان شاهق وقصيّ فصار من مكانه هذا يرى الحياة برؤية أوسع، وينظر إلى المشهد كاملًا، يقول: “ومن لا يتقي الشتم يُشتمِ” و “من لا يظلم الناس يُظْلمِ”
أيعقل يا زهير؟ أيعقل أنك من على جبل الشيخوخة الشاهق ما رأيت في حياتنا مناطق آمنة وحيادية لا تطحنها رحى الصراعات؟

نشر غسيل

تحت بيتنا القروي المستقر على جبل متوسط الارتفاع، بيت شعبي يحتلّ الحوش نصف مساحته ويمتدّ فيه حبل غسيل، بيت صغير مأهول بأمّ متفانية، ومكتظّ بأولاد لا أعرف عددهم على وجه التحديد لكنّه عدد يسمح لهم بتشكيل فريق كرة قدم يقيم مبارياته يوميًا بعد صلاة العشاء في هذا الحوش المفتوح.
حين أرى جارتنا تعلّق الملابس البيضاء في العصاري على حبل الغسيل، أعرف أن أولادها اليوم سيلعبون كرة القدم بملابس رياضية ملوّنة. وفي العصاري التي يتلوّن فيها الحبل بتشكيلة ملابسهم الرياضية، أراهم يلعبون في الليل ببياض الثياب الداخلية التي يرتديها الرجال عادةً تحت الثياب.
نعم، لم يكن لكل فرد من أفراد فريق كرة القدم هذا إلا لباسين، يبدل بينهما وأعرف أنا هذا التبديل من قبل بدء المباراة، يخبرني عنه حبل الغسيل.

حبل الغسيل في بيت هذه الجارة الفقيرة هو أول حبل وصل بيني وبين الحكايات المعلّقة على حبال الغسيل.
‏من حينها وأنا واقعة في حبّ هذه الحبال، أتأمل الملابس المتروكة في وجه الريح والشمس، وتستيقظ في قلبي الحميمية والمحبة، فأتمنّى أن أتلمّس البرودة الرطبة في النسيج ليتندّى قلبي، أتمنى أن أصافح أيدي النساء التي جفّفها الصابون وهي تُطارد البقع وتجاهد لخلق البياض من جديد، أشمّ بروحي رائحة الألفة والعائلة والأعمار الموزعة على حبل الغسيل.💜
‏في المدن الخرساء، حيث البنايات المتعالية على ضآلتنا، وبين التماع واجهات الزجاج الذي يعكس كل شيء إلا الألفة. في هذه المدن لا أشعر بالألفة إلا إذا انعطفت إلى أحياء خلفية، وشوارع ضيّقة، وعمارات قديمة بنوافذ كثيرة وتقاطعات وتفريعات من حبال الغسيل، هنا تتوارى وحشة الصمت في المدن الخرساء، فأسمع وشوشة الحكايا التي لا يُمكن غسلها عن الثياب.

أحبّ أيضا حبال الغسيل التي ظهرت في أفلام السينما العربية، تشارك البطولة مع وجوه الممثلات الجميلات اللاتي يجعلن من (طشت الغسيل) ذريعة إغراء، يحملنه ويصعدن السلالم بمشية تتغنج كي يلمحهن ابن الجيران، مفتونة بالحبال وبحكايات الحُب المعلّقة عليها في سينما الأبيض والأسود، كالحكاية التي تمدّدت على كفي زبيدة ثروت حين كانت تتطلع بعينيها لابن الجيران الوسيم المشغول ب(مزاكرتو) على السطوح، فصعدت تنشر الغسيل على حبل الغسيل المعلّق كذريعة واحتمال، ثم قطعت الحبل وطلبت منه أن يساعدها على ربطه لتقطع ذريعة الصمت بينها وبينه، وتنشر غسيل رغبتها البريئة في بدء كلام، ونيل اهتمام… رغبة نديّة ونظيفة، كالملابس النديّة النظيفة ساعة خروجها من طشت الغسيل.

للحبال وظائف أخرى غير العمل في المشانق، أو الالتفاف حول البضائع النائية عن أيدي الناس، أو الربط والتقييد. فحبال الغسيل دار نشر شعبية لقصص الناس وأخبارهم وأحوالهم💜

بخير

بخير، أنا دائمًا بخير.
ما دمتُ أملك صلاحية استعارة ضحكتي القديمة، أعرفُ أنها لم تعد ملائمة لوجهي الذي جفّفه اليأس وجرّحته ملوحة الدمع، لكن أستعيرها، أستعيرها من خزائن العمر، لأجرّبها كما تجرب النساء فساتينهن القديمة عند ترتيب خزائن الثياب وترميم الذاكرة.

بخير، أنا دائمًا بخير.
ما دمت أذكّر عتمة روحي باللون الأخضر، أذكرّ روحي أنها لم تنشأ في العتمة ولم تكبر في العمى، أذكّرها أنّ لها ذاكرة مع الألوان علّ هذه الذاكرة النديّة تُرطّب ما اعتراها من يباس.

بخير، في أشدّ أيام بؤسي أنا دائمًا بخير.
بوسعي ترميم قلبي، أعلّق على جدرانه ذكرياتي الجميلة، فأدرك أنني عشتُ شيئًا غير هذا التشظي، ومهما تألّم قلبي الذي أعيته الكسور، لن تضيع عنه حقيقته، ولا ذاكرته مع التوثّب والقفز فرحًا، والركض شغفًا، والطيران سعادة.

بخير، أنا دائمًا بخير.
إذ ما زلتُ قادرة على شكر ‏اليد التي أفلتت يدي، فبدونها أجد مخرجي من الضياع.
ما زلتُ قادرة على شكر الوقت الذي صفع باب اليأس في وجهي، فمن حينها اكتشفتُ اتّساع النافذة.
ما زلتُ قادرة على شكر الغرباء الباسمين، الغرباء الذين لا أعرفهم ولا يعرفون مدى طمأنينتي حين تشرق ابتساماتهم على عتمتي، فيساعدونني على الوصول إلى مخرج الطوارئ حين يخذلني الأحبّة.
ما زلتُ قادرة على شكر الأحلام المؤجلة، وعلى ركنها البعيد ألمح عمرًا بانتظاري. وما زلتُ قادرة على شكر الأحلام المنطفئة فقد وفّرت عليّ فواتير الانتظار.
ما زلتُ قادرة على شكر الأيام المجدبة، إذ درّبتني على النظر إلى السماء وانتظار الغمام. فعوّدتني على رفع رأسي دائمًا.
ما زلتُ قادرة على شكر خساراتي المبكرة، إذ باكرتْ بالمخالصة وإخلاء طرف الأمل، فالأمل موظّف عنيد لا يصمت ولا يعمل.
بخير لأنني ما زلتُ متصالحة مع الخسائر المتأخرة، إذ مكنتني من تحصيل استحقاقات مكافأة نهاية الخدمة من الذكريات والدروس والتجارب والندوب.

بخير، أنا دائمًا بخير.
ولا زلتُ أشكر قدرتي على شكر كل شيء.

بخير، أنا دائمًا بخير. وفي قلبي أجد الشقّ الذي يدخل منه النور، فأجرؤ على خدش وجه الحُزن المتجهم.
بخير، لأنّ قلبي يُحصي الأحبة، فتتضخم مكاسبي، وتتلاشى خساراتي.
بخير، لأن لي قلب يستثمر في المناطق المحايدة، فينمّي رصيدي من الرضا والقناعة.

بخير، أنا دائما بخير.

فما زال عندي خنادق أتمترس خلفها، ومخارج طوارئ كثيرة. ما زال في القلب أصدقاء يكنسون العتمة ويفتحون النوافذ للهواء والشمس والحريّة. ما زال في المحيط أحبّة لا يرون منّي إلا أجمل ما فيّ، فأحتال بضياء رؤاهم على عتمة رؤاي.

ما زال لقلبي أولياء صالحون أتوسّل بواسطتهم للحياة أن تدوم ما داموا معي، كي أغلب بكثرتهم وكثرتي بهم شجاعة الوقت وجرأته على ارتكاب الفظاعات.

ما زال عندي عمل ينتزعني من فراشي كل صباح، ويهمس في أذني: ليس بوسعك إنقاذ هذا العالم المنكوب، لذا ابحثي عن خلاصك، جاهدي كي لا تتحولي إلى صورة عن ما تكرهين، تحسّسي قلبك كل يوم كي تتأكّدي أنّه لم يتحجّر، فيصيرُ جدارًا يصدّ النور والناس، وأن لسانك لم يزدد حدّة، فيصير نصلًا. وأن عينيك لم تتآلف مع عتمة العالم فتعمى عن الحزانى والمتعبين والمظلومين، تأكّدي أن أذنيك لم يعطلهما الضجيج وما زال بوسعمها تمييز الأنين…
وما زلتُ أتساءل: كيف أتأكّد من صدق حاستي التي أتحسّس بها نفسي؟ فالسيئون والطغاة لا يدركون ما هم عليه، وقد أكون منهم… لكن على أي حال سأتذكّر يوميا أنّ هذه حربي الأبديّة مع نفسي، ومع تحوّلات الوقت، وأرجو أن لا أنطفئ تحت رمادها. كي أظلّ دائمًا بخير.

بخير، أشعر أني بخير حين أتذكّر أنّ هناك أغانٍ عبرت أذني في لحظات ماضية ومازال مكتوب لنا أن نتعثر ببعضنا مرةً أخرى، نبتسم لصدفة اللقاء، ثم نتعانق بشكل أبدي…
وهناك قصائد لم أقرأها بعد، لم أتجذّر في أرضها فتورق روحي بالمعنى وتتسع لي الظِلال.
هناك أطفال لم أعرفهم بعد، لم أقاسمهم الحلوى ويقسمون لي من رغيف دهشاتهم ما يسدُّ جوعي للبسمة والفرح والحياة.
هناك صبايا ضعف اللاتي عرفتهن وشاهدتهن، وبعددهنّ مازال ثمة متسعٌ للتيه المنتشي في تفاصيل أحمر شفاههن وقصّات ثيابهن وطريقتهن في اختيار طلاء الأظافر…
هناك مدنٌ لم أدخلها بعد، لم أعلّق عيني على واجهات محلاتها التجارية، لم ترقص روحي على وقع ضجيجها، لم أتفيأ ظلال شرفاتها، لم تخدشني زوايا حاراتها الضيقة…
بخير، أشعر أني بخير حين أتذكر أنّ عندي مرفأ للأشياء الجميلة التي عبرت ومازال بوسعها أن تتكرر، عندي متسعٌ لما لم يحدث بعد لكن لم يفتْ أوان حدوثه… بخير، لأنّي أتذكر كل هذا، فأتذكّر شعوري بالحياة.

فالضحكة، الطفولة، العناق، التلويح، القفزة، باقة الورد، الابتسامة، شهقة الفرح… إلخ. كلها أشياء جميلة وعمرها قصير، لحظية. لكنها ليست عابرة، تعود دائمًا، تعود أبدًا…

بخير، نحن دائما بخير.

بخير ما دمنا لا نعدم أبدًا من أولئك الطيبين الذين ينقّون الشوك من طرقاتنا وأقدامنا وثيابنا، ويمهّدون لنا طريقًا نحو الأمام خاليًا من نتوءات الماضي آمنًا من جفاء الرفقة.

بخير، ما دمنا لا نعدم الصحاب الذين اعتادوا ظلام أحزاننا وتآلفت أعينهم معه حتى صاروا يبصرون فيه، ويدلوننا على المنافذ.

بخير، نحن دائمًا بخير. لأننا لا نعدم أبدًا من القادرين على تذكير الحياة بأنّها حياة، وليست مجرد احتضار يطول.