قصة الخلق

(١) الكينونة:
في الْبَدء كانتْ الكلِمة، وكانت الكلمة بيدِ الله، كُلُّ شَيءٍ بِهِ كان، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ مِمَّا كان.
من الكَلِمة كانَ الإِنسان، من كلمة: “كُن” انبثقتْ كينونته، لكنّها كانتْ بكماء غير قادرة على إثبات وجودها، فمنحها الله (الكلمة) كي تقول: أنا هٌنا. لولا الكلمة لما كانت، لكنها ظلّت عمياء عرجاء. وبواسطة منحة الكلمة قالتْ الكينونة: بدّد ظُلمة عيني يا الله وأقمْنِي على قدميّ لأسلك الطريق. فخلق الله (الحُريّة) لأجل تضرّعات الكينونة، وبِهَا أبصرتْ واستبصرتْ، واستقامتْ على قدميها ونبتَ لنا جناحان.

٢) الحريّة:
في البدء كانت الأرض، وكانت الأرض بيدِ الصمت. من أنين أحد المطحونين تحت أقدام الأقوياء انبثق الصوت، جال الصوت يبحث عن حنجرة، فاستقرّ في حنجرة امرأة كانت تجول العالم بلا خوف وتجرّب صوتها في الأصقاع، كلما نطقت تدنو منها السماء، حتى امتزجت بها فجعلتها نبيّة، أكملت هذه النبيّة جولتها في العالم وهي تُبشّر الخلق بأول دين ينهى عن العبادة. تلك النبيّة اسمها (حريّة)

٣: (السِجن)
في البدء كان الربيع، وكان الربيع بيد الثوّار والأزهار. مع كلّ هتاف يخضّر غُصن، مع كل لوحة احتجاجية تنبت زهرة، مع كل شهيد يسقط يفرُّ عصفور من اليد ويعلو الشجرة.
اكتملت الحديقة، أو كادتْ تكتمل. كان ينبغي أن تكون مُستراحًا للثوّار، لكن الحارس القديم اشتراها، الحارس المطرود الذي يهوى العبث بالممتلكات العامة كَسَر الأغصان، داس الأزهار، والعصافير التي كانت على الشجرة تلتمس منه أن يُعيدها إلى اليد في أسوأ الأحوال لعلّها تصدّق أنها خير من عشرة على الشجرة، لكنّ الحرس القديم احتطبوا فروع الشجرة، الشجرة تلتمس منهم أن يصنعوا من جذعها مقعدًا في حديقة ليأنس بصحبة الأشجار ويتذكر حياته الأولى، لكنّهم أصرّوا على أن يصنعوا من جذعها التوابيت. ونقلوا العصافير من الشجرة، إلى قبضة اليد، ثمّ إلى صلابة القفص… ومن ذلك القفص انبثقت فكرة السجن أولّ مرة.

يهدّ قلب الكبير، وش عاد قلبك؟

إلى الشاب اليمني الذي يبيع الورود في الكورنيش الجديد:

الزمان: إجازة الصيف الماضي.

المكان: كورنيش جدة.

الحدث: نساء تسود حلكة عباءاتهن الليل، ورجال يجلسون على امتداد الرصيف بين عائلاتهم، أطفال يلعبون أمام البحر، درّاجات هوائية وناريّة تذرع المكان، أكشاك متفرقة تتنافس على جذب الزبائن، بسطات تفترش الأرض وتعرض مباهجها الصغيرة: طائرات ورقيّة ملوّنة، وكُرّات بلاستيكية، بالونات، زمامير، ألعاب نارية…

تقترب سيدة من نسوة جالسات، تعرض عليهن نقش كفوفهن بالحناء مقابل مبلغ زهيد.

يمرُّ رجلٌ قربَ امرأة تحرس خُطى طفلها الغض، يسألها إن كانت تريد تخليد اللحظة: صورة؟ ويُشير إلى الكاميرا الفورية المعلقة على صدره.

ينعطف راكب دراجة ناريّة نحو تجمع صبية يتمللون، يُخبرهم عن سعر الركوب وزمنه.

يقف شاب صغير ونحيل بملابس رماديّة ووجه شاحب، يبدو كممثل كومبارس خرجَ للتوّ من شاشة فيلم بالأبيض والأسود فنسيَ ألوانه وراء الشاشة، وأتى إلى هُنا قبل أن يعرف طبيعة الدور الذي أسنده المخرج إليه، إذ لم يطلب منه أحد أن يقرأ السيناريو أو يحفظ جملة يؤديها في مشهد بعينه… خرج من هناك، وجاء هُنا ليؤدّي مشهدًا رماديًا تقتحم رماديته ألوان الورود الحمراء بسيقانها الطويلة الخضراء التي يعرضها للبيع. تسأله فتاة تقترب خُطاها من خُطاه، ويقترب عُمرها من عُمره الغض الصغير: محمد، الوردة بكم؟

وبلهجة ألفتها من أغانٍ قديمة لا يمل المغنون من إعادة تسجيلها (عادك إلا صغير، بدري عليك…) يبدأ في شرح أسعار الورد، وما أقصر عُمر الورد حين يُنزع من تُربته.

*…*…*…*

الزمان: كل الأزمنة

المكان: كلّ الأرض

الحدث: ‏ساسة تسود حِلكة قلوبهم الزمن فتُحيله إلى ليلٍ لا نهائي، رجال يقرعون طبول الحرب إيذانًا بحلول اللحظة التي يبتعدُ فيها الرجال عن عائلاتهم، أطفال يقتحم الموت ألعابهم بلا استئذان ويصرّ على اللعب معهم. دماء تفترش الأرض، رصاص يزاحم الهواء، قذائف يُعلنُ دويّها عن عروض الموت المجاني اللامحدود.

يضرب الفلاحون بفؤوسهم المتمرسة جذوعهم المغروسة في الأرض التي أذهب الفزع عقلها فتبرأت منهم، يتكدس البشر على خطوط مدن لا يعرفونها فرارًا من جحود المدن التي لم يعرفوا سواها، ينجح شاب -وآخرون مثله- في العبور. فيصل إلى مدينة تفتح بحرها على احتمالات لا نهائية لفرص الغرق والنجاة، يحصل على فرصة لتأدية مشهد طويل في فيلم تسجيلي وثائقي لم تفلح التقنيات في تلوين مشاهده، يحفظ جُملته من السيناريو الذي تعرّض لانتقادات الجميع بعد أن شارك في كتابته الجميع. بلهجة ألفتها من أغانٍ قديمة لا يمل المغنون من إعادة تسجيلها (عادك إلا صغير، بدري عليك…) يؤدي المشهد، فيشرح أسعار الورد، وما أقصر عُمر الورد حين يُنزع من تُربته.

صِفْر

(نُشِرتْ في المجلة العربية)

***

سقطت الأرقام من بطاقة هويته، ربما ماتت، أو هربت، لا أحد يعرف شيئًا عن تفاصيل اختفائها الغامض.

في مكتب الأحوال حيث اتجه باحثًا عن نسخة احتياطية للرقم الذي يشير إليه أخبره الموظف أنه غير مُدرج ضمن ملايين الأسماء والأرقام المسجلة في النظام. ارتعب الرجل الذي فقد أرقامه، تضرّع للموظف أن يساعده في استخراج (بدل مفقود) لكنّ الموظف أخبره أنه غير موجود أصلًا ولذا لا يُمكن اعتباره ضمن المفقودات، وبصوته الخافت الذي درّبه الروتين على التعايش مع السأم قال الموظف دون أن يرفع بصره عن الكمبيوتر: النظام نظام، كيف أُبدل شيئًا لا وجود له من الأساس؟

خرج الرجل غاضبًا وطلب مقابلة المدير، لكن السكرتير رفض طلبه بعد أن نظر إلى هويته التي ضاعت أرقامها وقال: المدير مشغول ولا يُمكنني ترتيب موعد لك دون بطاقة تعريف، وبطاقة تعريفك غير صالحة.

خرجَ هائمًا على وجهه، يتذكر دروس القواعد، يتذكر النكرة التي كان بوسعها التملص من تنكيرها حين تتكئ على معرفة فيتم تعريفها بالإضافة. فكّر في كل الموجودات التي يُمكن أن يصير مُضافًا إليها. هل يضيف ذاته إلى الأرض؟ لكنها شاسعة ومتعبة من خطى العابرين، لا يمكنها تعريفه ولا التعرف عليه، ستضيّعه في زحامها وتتنكر لوجهه.

هل يُعرّف ذاته بإضافتها إلى لأحلام؟ لا يُمكن، فالأحلام ليس لها وجود مادي يمكن الاتكاء عليه، إنها كأضواء بناية شاهقة وبعيده، تنطفئ تدريجيًا بحلول المساء فتتركه في عتمة التنكير.

ماذا عن الإضافة إلى الحكومة؟ شبه مستحيلة، فالحكومات لا تُضيف إليها إلا من يحتفظون بأرقامهم مُصانة ونائية عن النسيان.، إنها لا تعرف الناس إلا من خلال الأرقام.

بوسعه إضافة نفسه إلى الأصدقاء، لكنّها مغامرة خطرة، فالأصدقاء يرحلون، تتخطفهم الدروب دائمًا، يخشى أن يسحلوه خلفهم في الطرقات حين يناديهم منادي الرحيل.

ماذا لو أسند ذاته النكرة إلى المرأة؟ ربما ستنظر إليه بدهشة وتسأله عن تاريخه السابق مع التعريف، هي التي لا يعترف بها أحد حتى حين تكون مضافة تلوذ بظلال من أُضيفت إليه.

أخيرًا: فكّر في رشوة الموظف لعلّه يبتكر وجودًا لغير الموجود، لعلّه يمنحه ورقة تعترف به وتعيده علمًا على رأسه أرقام تدلُّ عليه.

وقف أمام الصرّاف، أخرج البطاقة من جيبه وهو يُفكر في المبلغ الملائم لإغراء موظف الأحوال. وضع البطاقة في مدخلها لكنها عادت إليه، حاول ثانية ولفظها الصرّاف مباشرةً قبل أن يبتلع ربعها على الأقل. سحب البطاقة ليتأكد أنها غير مقلوبة، فلم يرَ فوقها أي رقم، اختفت أرقامها أيضا… كيف تواترت الأرقام على الهرب؟

قرر الذهاب إلى البنك، وهُناك وقف مذعورًا حين طالب بمدخراته فأخبره الموظف أنه لا يملك حسابًا بنكيًا. اعترض على هذا الإدّعاء، لكنه عجز عن إثبات العكس، لقد فرّ رقم الحساب أيضا إلى جهة غير معلومة.

في مقر عمله عانى من تجاهل الجميع، لا اتصالات ترد إليه، ولا معاملات تُحال عليه، ولا زملاء يبادلونه تحية الصباح… لقد صار بلا رقم هاتف، بلا رقم مكتب، بلا أرقام في الساعة… وحين قرر تقديم استقالته اعتراضًا على هذه البطالة المقنعة، أخبره المدير أن استقالته مرفوضة، لأنه لا يملك رقمًا وظيفيًا من الأساس، وبالتالي لا معنى لاستقالته هذه، كيف تستقيل وأنت لست على على قيد العمل؟

في المساء يعود إلى شقته بعد نهار مضنٍ يقضيه في البحث عن الأرقام، أرقام لوحات، أرقام شوارع، أرقام سيارات، أي أرقام… لا يجد شيئًا، حتى رقم شقته لا يجده، فيقضي نصف المساء في البحث عن بابه المُندس وسط الأبواب المتشابهة. ويقضي النصف الثاني من مسائه في محاولة تقدير تواريخ انتهاء صلاحية المواد الغذائية الموجودة في ثلاجته، فقد غابت الأرقام التي كانت مسجلة عليها.

نتيجة لكل هذا أصابه التسمم مرات عديدة، وداهمه الجوع بسبب إيقافه عن العمل، ربض على قلبه سأمُ البطالة. فقرر الانتحار بعد مرور أسبوعين على خيانة الأرقام، ابتلع عددًا كبيرًا من الحبوب المنوّمة، واستلقى في سريره مُرّحبًا بموتٍ يعترف به ويعرّفه للمؤبنين فيما بعد، لكنّ الموت تلكأ كثيرًا، تلكأ لساعات ثمّ اعتذر عن الحضور لأن جسد الرجل الذي خانته الأرقام كان عاجزًا عن إدراك عدد الحبوب التي ابتلعها، وبالتالي لم يستجب لها.

منجاة

نُشرت في صحيفة الوطن:

٢٠١٨١٢٠٩_١٨٤٩٥٧3046503488938257268..jpg

في (دُكّان) القرية الصغير رأيتُ (ندى) عدة مرات، فتاة سمراء نحيلة وطويلة لم ينشأ بيني وبينها أي حوار، فلم تحتفظ ذاكرتي بملامحها، ولا أعرفها إلا من خلال صورة يكاد يطمسها غبار السنين. لكنّي أحتفظ بحكاية أمها التي لم أرَها قط، فقد ماتت قبل مولدي. (ندى) تكبرني عُمرًا لكنها لا ترتاد المدرسة، درستْ لعامين وتمّ فصلها لأنها لا تملك أوراقًا ثبوتية في هذا العصر الذي يقدّس الفيزياء ويؤلّه العلوم، لكنّه يتراجع عن تقديس الفيزياء حين يتعلق الأمر بالبشر، فلا يعترف بحضورهم الفيزيائي ولا يرى أجسادهم وأصواتهم والتعابير التي على وجوههم والحيّز المكاني الذي يشغلونه، لا يكفي كل هذا لإثبات وجودهم إن غابت الأوراق المُسماة (إثباتات) فبدونها لن تعرفهم أو تعترف بهم أي جهة رسمية أو غير رسمية.

في (دُكّان) القرية الصغير رأيتُ (ندى) عدة مرات، وفي بيتنا سمعت حكاية أمّها عِدة مرات أيضا، حكاية عن امرأة شابة عانت في زواجها القصير معاناة لا تُطاق فدخلت إلى حجرتها وأحكمت إغلاق الباب، سكبت البنزين على جسدها وكأنها تؤدي طقوس الخلاص، ثمّ أشعلت النار، فماتت، تفحّمت، ترمّدت، وانتثر رمادها في قلوب نساء القريّة التي استحالت سرادق عزاء لا يرتادها المعزّون… تركت خلفها (ندى) ابنتها من زوجها الذي دفعها لهذا المصير المروّع، ولم يكتفِ بهذا بل ترك ابنته في عراء المجهول وقسوة الرفض، تعيش دون أن يستخرج لها أوراقًا ثبوتية تعترف بها، لا شهادة ميلاد تُثبت أنها خرجت من رحم أمّها كباقي البشر، ولا ورقة تطعيمات لتأمين مستقبلها، ولا بطاقة عائلة تضم اسمها، لأنها في الأصل لم تجد عائلة تضمّها.
قد تكون هذه الحكاية أول حكاية أسمعها عن الانتحار، ولذا لم أنسها، وربما كانت ثاني حكاية، والحكاية الأولى عن امرأة لم أعاصرها ماتت غرقًا في إحدى الآبار، اختنقت فيها قبل أن يخنق أهالي القرية رغبتها في الفناء فينقذوها.
وحين انتشلوا جثها الثقيلة اكتشفوا أنها ألقت بنفسها عمدًا في البئر، إذ تقفّوا أثر خطواتها على التراب، فوجدوا أنها كانت تمشي بشكل عكسي نحو الخلف لتتلقفها البئر فجأة دون أن تُبصر هاويتها التي قد تُخيفها فتتراجع أو تتردد. سارت إلى نهايتها بخطة مرسومة، جعلت الموت خلفها لأنها تثق في رحمته وعطفه، أعطته ظهرها واثقة أنّه لن يغدر بها. وجعلت وجهها في وجه الحياة التي لم تنصفها، تُحدّق إلى الفضاء الشاسع أمامها وكأنها تريد أن تعاتبه، لأنه لم يتسع لها… ظلّت تتراجع مذعورة من امتداد الحياة أمامها، تتراجع إلى الوراء، وتتراجع… حتى سقطت في البئر وابتلعها العدم الذي جاءت منه… هذه المرأة هي الشخص الوحيد الذي وجد طريق الرجوع في هذه الحياة. وللقصة توضيحات وشروح تقول إنها فعلت ذلك بعد أن تعبت من شكوك أخيها واتهاماته، لكن هذا التفسير ليس إلا هامشًا لموتها، فالمتن قال لها: لا حياة.

http://www.alwatan.com.sa/Culture/News_Detail.aspx?ArticleID=347945&CategoryID=7

الهويّة

يرقدُ كل يوم في بيته، وهو يظنّ أنّ بطاقة هويته راقدة في جيب ثوبه المعلّق بعيدًا عن جسده. يُطفئ الأضواء والتلفاز ويُغلق إشعارات هاتفه، وينام.

حين يغرق في هدأة النوم تستيقظ بطاقة هويته، تُثقل جيوبه بحمولات العار، تُبلل ذيول ثوبه بدماء الأبرياء، تتحالف مع الظلام لابتكار مبررات للبغي والعدوان، تعيثُ فسادًا في أرض براءته، وفي أراضي الأبرياء البعيدين خلف الحدود…

يستيقظ، ولا ينتبه لكلّ هذا، لا يعرف أن بطاقة هويته قضت وقتها مستيقظة، يظنّ أنها استيقظت للتوّ لتعينه على يومه وتسعفه حين يخرج إلى شوارع يطارده فيها عساكر يمدّون أيديهم قائلين: إثباتك. أو تعينه على نفسه وتسنده حين يسجّل رقمها في استمارات طلب الوظائف، وملفات المشافي، وبطاقات البنوك… يركضُ طوال اليوم مستجيرًا بهويته لإثبات الوجود، للفرار من العدم. وفي ختام يومه يعود ليرقد في بيته، وهو يظنّ أنّ بطاقة هويته راقدة في جيب ثوبه المعلّق بعيدًا عن جسده. يُطفئ الأضواء والتلفاز ويُغلق إشعارات هاتفه، وينام. فتستيقظ بطاقة هويته، تُثقل جيوبه بحمولات العار، تُبلل ذيول ثوبه بدماء الأبرياء، تتحالف مع الظلام لابتكار مبررات للبغي والعدوان، تعيثُ فسادًا في أرض براءته، وفي أراضي الأبرياء البعيدين خلف الحدود…

يستيقظ، ولا ينتبه، لا ينتبه إلى أي حدّ جعلته هويته مكروهًا مذمومًا متوحشًا مسعورًا في عين الآخر. لا لشيء، إلا لأنه أحسن الظن ببطاقة هويته، فظنّ أنها ترقد في جيب ثوبه المعلّق بعيدًا عن جسده، لكنّها في ذاك الوقت وفي كل وقت تدكّ أجساد الآخرين…

المُستَدرك على قصة برج بابل

كانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة، وحدث بعد ارتحال الناس شرقًا أن وجدوا بقعة في أرض شنعار فسكنوا هُناك. قرروا أن يبنوا برجًا عاليًا رأسه في السماء لئلا يتبددوا على وجه الأرض. نظر الرب لتطاول بنيانهم وقال: هو ذا شعب واحد، ولسانٌ واحد وهذا ابتداؤهم بالعمل، وبعده لن يمتنع عليهم ما ينوون أن يعملوه. فبلبل الربّ ألسنتهم كي لا يسمع بعضهم بعضا، فتعذّر التواصل فيما بينهم وتوقف البنيان، وتفرّقوا في الأرض ومن هنا نشأت اللغات .
قبل أن يُبلبل الربّ ألسنة القوم الذين يعتلون البرج ويطيلون بنيانه، كان الشعراء في الأسفل يلوذون بظل البنيان ولا ينظرون إليه، كانوا يفكرون في استعارات لوصف السماء التي سيصلها البرج. حين تبلبلت ألسن البنائين الموجودين في الأعلى، انهمرت الكلمات على الشعراء الذين في الأسفل، أصابتهم بعض الكلمات الثقيلة بالكسور، وكلمات أخرى رفّت فوق رؤوسهم بخفة الملائكة، اختبأت في أيديهم بعض الكلمات، وكلمات أخرى علقت في ثيابهم… حازوا أكبر عددٍ ممكن من الكلمات التي نتجت عن تلك البلبلة العظيمة، كلمات كثيرة تكفي لوصف كل شيء، لبناء أي شيء، ولوصف الهدام.
حين تبدد القوم في الأرض وكفّوا عن البنيان، ظلّ بعض الشعراء يحدّقون في السماء ويصفونها باستعارات لا نهائية لو رصفوها فوق بعضها لوصلت إلى السماء قبل برج بابل. أما باقي الشعراء فقد ساروا خلف قومهم وتبددوا في الأرض يعمرونها بكلماتهم في وصف الخراب، فيمدّون بالاستعارات التي تصف خيبة الأمل جسورًا بين أقوام لا تشترك في اللغات، لكنها منذ الأزل تشترك في التيه والشتات.

مصرّح به

كان العاشق يتقلب على فراش الانتظار متوجسًا من الغد الذي سيراجع فيه دائرة حكومية لاستخراج تصريح زواج من حبيبته الأجنبية. في مكان آخر في الوقت ذاته كانت إحدى النساء تستجدي تصريح زيارة لزوجها المغيّب خلف قضبان الحديد والنسيان. وفي مكان مجاور ووقت متقاطع كانت حماسة أحد الشباب تنضب تدريجيًا وهو يسفحها على أبواب المسؤولين لاستخراج تصريح إقامة نشاط تطوعي، فيما كانت هناك فتاة على أبواب أُخَر تستجدي تصريح سفر من قريبها. وفي جهةٍ مجاورة كانت السلطات تعتقل متظاهرين خرجوا في مظاهرة غير مصرّحة، وفي شارع المظاهرة كانت البلدية قد أغلقت متجرًا وألغت التصريح لصاحبه بمزاولة أي نشاط تجاري لمخالفته الأنظمة المُصرّح بها. أمام كل هذا كانت عشرات المكرفونات تتدافع بحثًا عن تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة، وفي خلفية المشهد ثمة شخص وحيد مات بعد أطلق على رأسه رصاصة من مسدس غير مصرّح، انطلقت منه بقوّة مبتهجةً بخروجها عن حدود التصريح… لكنها ندمت على انطلاقتها حين بدأتْ تصدأ حبيسة في رأس الجثة المحبوسة في ثلاجة الموتى بانتظار تصريح الدفن.