قصص قصيرة جدًا

(احتيال)

أوكلوا للفزاعة مهمة طرد الطيور، وحين حان الحصاد راكموا بيادرهم وتركوها وحيدة بلا زرع تحميه وبلا أنس الطيور.


(ارتباط)

هكذا تحدث الأخطاء المميتة, كانت تحتاج إلى نافذة تُعزيها في الباب الموصد, لكنها لم تثقب الجدار… سمّرت فيه يدها.


(أمومة)

في زمن الحرب؛ المرأة التي أخبرها الطبيب أنها تحمل توأمًا في بطنها، جاءها المخاض فأنجبت طفلها وشاهد قبره.


(غنيمة)

رصدَ رجلٌ ثري وكئيب جائزة نقدية ضخمة لمن يقبض على لحظات فرحه الهاربة ويُسلّمها إليه. لم يفلح أحد. لكنّ الجائزة ذهبت إلى قاطع طريق لا يعرف عنها شيئًا. كان قد وضع نص السكين على رقبة الثري ليتمكن أصحابه من النهب. وفيما كان الموت يتحسس رقبة الثري، كانت كل لحظاته السعيدة قد عادت لتمر أمام عينيه، وتربّت على خوفه.


(مخالصة)

منذ أن وضع خاتمه في إصبعها وهو يعلمها كيف تبدأ من النهاية، يأخذها دائمًا من نهاية إلى نهاية، كل نقاش يبدأ به من حيث انتهى الآخرون، يقول كلمته ويمضي، فيما يتعلق بأحلامها فقد بدأ من حيث انتهى الآخرون، من النضوب… فيما يتعلق بالحب، بدأ من حيث انتهى الآخرون، من التخوين والشك والسأم… فيما يتعلق بأيامها فقد بدأت من حيث انتهى الأمان، من السقوط أرضًا إثر صفعة، والنهوض إثر رغبة…

بعد سنتين من حياة ابتدأت من النهاية، وصلته منها رسالة نصية تقول:

لنبدأ من حيث انتهى الآخرون، من الموت…

استقبل الرسالة من حيث ينتهي الآخرون، قرأها وأعاد الهاتف بلا مبالاة إلى جيبه…

وحين عاد إلى بيتهما، وجدها انتهت من حيث تبتديء الأشياء، كانت معلقة في سقف المنزل كفكرة لن تكون، تتأرجح ببطء ورأسها معلق بالسقف.

منامات

كان يُقامر بجسد زوجته التي أنجبت قبيلة صغيرة من البنات على أمل أن يحالفه الحظ فيربح ذكرًا، وكانت زوجته تعتمد على مناماتها في تحديد جنس الجنين، في مرة رأت أن زوجها أهداها مرآة، فأنجبت كبرى بناتها. في مرة كانت تقيس في منامها قلادة ذهبية وتتأملها بإعجاب فأنجبت ابنتها الثانية، في حملها الثالث سقطت الشمس قي غرفة نومها، فأنجبت ابنتها الوسطى. في حملها التالي رأت أنها ترتب ثلاث زهرات في آنية، وفي نفس الآنية نبتت زهرة رابعة، فتحقق المنام في بيتهم ونبتت البنت الرابعة.
في حملها الأخير رأت في منامها أن زوجها يبقر بطنها ويدس فيه جيفة. استيقظت مذعورة وحين فتحت فمها لشرب الماء انبعثت من داخلها رائحة نتنة بشكلٍ لا يُحتمل. غسلت أسنانها، تمضمضت، كشطت لسانها، عطرت فمها، تقيأت عمدًا، فعلت كل شيء للتخلص من هذه الرائحة، لكنّ الرائحة لم تغادرها إلا حين رأت في منامٍ آخر أنها تُنجب كفنًا يُطارد أسماء بناتها ويمحوها من حجرات البيت، استيقظت بوجوم مقبرة، ولم تنبعث من جوفها رائحة الموت، ظلّت بدون منامات حتى جاءها المخاض، فهزت إليها بجذع الأدعية والرجاءات، وبعد ساعات من المخاض المتعسر أنجبت ابنها الأول.


نُشرِت في (المجلة العربية) العدد ٥٠١

قطعان تدوس عشب الليل

رأسي مُثقل بالنعاس، رأسي معتلّ بمتلازمة التفكير الكثيف على المخدة، رأسي يضيء بمئة مصباح ومصباح حين أطفئ الضوء لأنام… في هدوء الليل تصطخب في رأسي مداهمة مفاجئة لوكر الأفكار والذكريات. يبدو الأمر وكأن فرقة عسكرية تقتحم حارة مظلمة وهادئة وعشوائية فيجفل النوم  من كل بيت فيها.

رأسي مثقل بالنعاس، يبتلعني ثقب الوقت الذي يسبق النوم، الوقت الذي يغرز كعبه في الأرض ويرفض السير كطفل نزق وعنيد. فأحتاج إلى فكرة تُنجدني من حشد الأفكار التي تحرّض الأرق. الفكرة التقليدية الأولى التي تخطر في ذهني هي عدّ الخراف، خراف تقفز فوق سور خشبي: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة… الأرق ذئب، الذئب قادم، عقلي يحاول أن يتابع عدّ الخراف حتى أنام، أتوتّر وأنا أحاول استباق وصول الذئب فيجفل من توتّري القطيع، يتدافع بلا ترتيب فأفقد القدرة على العدّ… يتدافع القطيع ويدهسني.

رأسي مثقل بالنعاس، وهذا الوقت ثقب أسود يبتلعني فأجدني فيه وحيدة مع نفسي، يبدو الأمر وكأني أفتح الباب لي، فأدخل أكثر من مرة من أبواب تتكاثر كلما انفتح باب. أبواب تتدافع منها نُسخ لا تُحصى من نفسي، أتدافع مع نفسي بالطريقة ذاتها التي يتدافع بها قطيع الخراف فأفقد قدرتي على التنظيم والعدّ أيضا، أفقد قُدرتي على معرفة ذاتي لفرط حضوري وتكرار حضوري وثقل حضوري الذي يدهسني.

رأسي مثقل بالنعاس، والأفكار والمشاهد والصور والأصوات تتدافع في رأسي، تفصيلات صغيرة منسية تركها النهار في رأسي ورحل؛ كالكلمات العالقة التي كان ينبغي أن تُقال، الجُمل المفخخة التي انفجرت في لحظات غضب أهوج، والاعتذارات التي كان ينبغي أن أنقذ نفسي بها لكني تركتها في زحام النهار وظننتُ أنها لن تستدلّ عليّ فجاءت الآن لتنفرد بي.

مشاهد من البيت المحتشد الذي زرته اليوم، الأحذية التي كانت مكوّمة في مدخل الباب المكتظ بالزائرين تترك المدخل وتطأ رأسي المثقل بالنعاس، وتدوس بكعوبها المتفاوتة قلبي حين تذكّرني بوجه العاملة المنزلية الغريبة والوحيدة والمجردّة من الأُنس وسط زحام البيت الذي تخدمه، الأحذية المكوّمة تشمت بقدمي العاملة وتذكرهما كم ابتعدا عن الديار.

رأسي مُثقل بالنعاس، ويزداد هذا الثقل مع حضور المشهد البطيء والكئيب لصبية نحيلة في بدء المراهقة كانت تمسّد شعرها حيرة وارتباكًا بين الزائرات، ونظراتها الخائفة تفتّش في عيون الآخرين عن أي دلالة موافقة أو نظرة رفض كي تتوقف عن ارتجال نفسها وتحصل من خلال الآخرين على الدليل الإرشادي الذي ينبغي أن تسير عليه حين باغتها عمرها ونقلها من طفلة إلى امرأة. هذه الصبية المراهقة هي أنا في وقت مضى، هي أنا في أكثر من موقف مضى… في رأسي الـمُثقل بالنعاس يدوي سؤال ثقيل: أما زلتُ أنا كما أنا؟

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تفوح رائحة قهوة دارت في مجلس النساء إلى جانب صحون الحلا والشوكولاتة التي عجزت حلاوتها عن كسر مرارة الأحاديث، صحون حلا وشوكولاتة هزمتها ملوحة دمع الجارّة التي كانت تُنصت إلى قصص المواساة من نساء جفّفت التجربة عيونهن، ورسب الملح في حناجرهن ووسم أصواتهنّ بحُرقة معتادة أوهمتهن أن هذه الملوحة الحارقة هي الطعم الطبيعي للكلمات.

 رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تنتشر رطوبة غسيل جديد لثياب قديمة جمعنها الجارات لأم أيتام فقدت عائلها، وتعولهم من اللاشيء بسبب عائل لم يشأ أن يجعلها تُحقّق لنفسها أي شيء، ليظلّ كلّ شيء… لكنه لم يظلّ.

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تجفّ الرطوبة، ويهبّ بعدها هواء حار يبعثه حفيف الثياب القديمة نفسها، بعد أن صارت ثقيلة ثقيلة جدًا بشعور الخجل والضآلة والانكماش والتأنيب أمام الفرح المتجدد الذي استقبلتها به أعين المحتاجين.

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي أشياء كثيرة لا أعرف ماهيتها وتوصيفها، لكنها تتدافع، تتدافع في القلب فيضجرني وقع خطاها وتعثّرها. أستدعي قطيع الخراف وأحاول من جديد أن أستغرق في العدّ حتى أنام، القطيع لا يأتي، لا يصدّقني، تتكرّر قصّة الراعي الذي كان يستغيث بأهل قريته ويدّعي أن ذئبًا هاجم القطيع، وبعد أن يصدقوه أكثر من مرة ويكتشفوا كذبته أكثر من مرّة يمتنعون عن المجيء في المرة التي يجيء فيها الذئب فعلًا، ويفتك بالخراف.

رأسي ثقيل بالنعاس، والقطيع لا يصدّقني ولا يجيء… أخشى من ذئب الأرق، أشيح بوجهي نحو الجدار، أرفع المخدة التي اختنقت بأفكاري من تحت رأسي وأغطي بها وجهي، أحاول أن أتخفّى عن الذئب، أنكفئ على ألف صوت ونظرة وانكسار وصرخة وهزّة قدم مرتبك ونبرة صوت مختنق ومشهد دمعة عالقة… هذا الليل ثقب أسود بلا مخرج طوارئ، تحاول ساعات الليل أن تفرّ وتنجو من ذئب الأرق، تتدافع ساعات الليل، تتدافع كالقطيع، ويحضر الذئب، يفترس الليل الذي تهاوى… يطلع النهار، ورأسي مُثقل بالنعاس وعليه أن يواجه النهار بهذا النعاس الثقيل.

حول محور

hrw_omanreport_illustrations-clock2

ملاحظة أولى:

لهذه القصة متنٌ وهامش، ويصح أن يتم التبديل بينهما.

المتن:

كانت يداها ترتجف بعصبية حين تقوم بأعمال المنزل، لطالما جرحت يدها بسكين الطعام، أحرقت رسغها بغطاء القدر، زلقت قدمها في لزوجة المنظفات، وأحدثت ضجيجًا لا يُحتمل وهي تغسل الأواني في حوض المجلى.

كانت صامتة على الدوام، المرأة الوحيدة الصامتة في المنزل، رغم أنّها كانت تفهم لغتهم، وكان لها لغة هجينة مكسّرة يمكنهم فهمها، لكنها كانت تترك الضجيج الذي يُثيره ارتباكها يتحدث نيابةً عنها. رأسها مُغطى بحجاب يمنع أفكارها من التسرب، وجسدها مشغول بالدوران في حجرات المنزل، تحتمي بصمتها الـمُبالغ فيه فلا تثير ريبة أحد.

 

الهامش:

لطالما سألتْ نفسها ماذا لو أن حديث النفس يُسمع؟ ماذا لو فاض حديث نفسها فبدأ بالتسرب وفقدتْ سيطرتها عليه؟

حين يتبقى من فتات وقتها فضلة تسمح لها بمشاهدة التلفاز يفزعها منظر بطلات المسلسلات وهنّ يحدثن أنفسهن بصوتٍ يسمعه المشاهدون وإن كان لا يسمعه بقية أبطال المسلسل. تتصور أن يحدث لها أمرٌ مشابه، أن تكون شفتاها مُطبقتين وصوت أفكارها مسموع من الآخرين دون علمها. لكنها تفكر بلغتها التي لا يفهمها أهل البيت، وهذا ما يمنحها شيئًا من الأمان. تدور وتدور في دوامة من الطلبات والأفكار والأوامر والنواهي، حتى تسقط من الإعياء كل يوم وهي تكاد أن تنسى اسمها الذي اخترع لها أهل البيت اسم سواه.

تدور الغسالة، يُخبرها صوت استدارة عامود الغسيل عن سأم الدوران في ذات المكان، عن قطع مسافة طويلة في حيز صغير لا تأخذك فيه المسافة إلى أي مكان.

يدور صمّام قدر الضغط، يدور ويُصفّر وحكي لها دورانه عن قوة الضغط ورغبة الانفجار.

تدور لعبة ابن مخدومتها فيصدر منها صوت طنين مزعج كطنين أفكارها، يذكّرها دوران هذه الألعاب  باهتماماتها التي لم يعد لها شكل غير شكل الاستدارة حول الآخرين.

تدور الأرض حول محورها كل يوم، فتتّم شيئًا فشيئًا استدارتها السنوية حول الشمس، فتتعاقب السنين وتتراكم الليالي والنهارات وهي في مكانها. لا تعرف بخبر  هذا الدوران إلا من قياسات ملابس أبنائها البعيدين حين تسمع أنها زادت رقمًا أو رقمين.

مكافحة الشغب

IMG-20171026-WA0016

عاش أحد الملوك مذعورًا من أحلام شعبه التي تتسلل بعد نومهم لتحاصر قصره، فأصدر مرسومًا ملكيًا يقضي بمنع النوم حفاظًا على أمن البلاد ولحمتها الوطنية، استجاب الشعب لليقظة المستمرة في اليوم الأول، اليوم الثاني مرّ ثقيلًا عليهم، في اليوم الثالث بدأ الإنهاك يظهر على وجوههم، ثم أعياهم التعب في اليوم الرابع فالتمسوا من الملك أن يسمح لهم بالنوم ولو لساعة.

استجابةً لمطالب الشعب أعلنت البلاد حالة الطواريء من الدرجة الأولى وفرضت حظر التجول على الأحلام، ولرفع عقوبة اليقظة الإلزامية عن الشعب صدر عفو ملكي لكل من يتعاون مع السلطات ويُسلّم أحلامه حية أو ميتة. حاول المواطنون القبض على أحلامهم والوشاية بها لكنها استعصت عليهم، فبدأوا بتعقبها وتصفيتها حتى يتمكنوا من النوم، عبرت الحكومة عن امتنانها للشعب الوفيّ فمنحت كل فرد منهم مسدسًا ليقتل الأحلام (كل مواطن رجل أمن) وبدأ دويّ الرصاص الذي أعقبه نوم أبدي استراح به الشعب من شغب أحلامهم بعد أن أطلقوا على رؤوسهم النار.

 

استخدامات متعدّدة لخبر واحد

في مطبعة الصحيفة، تربّع الخبر على الصفحة الأولى محفوفًا بصور أشخاص يرتدون البشوت المقصّبة بالذهب والفضة، وكرّر تربعه في الصفحة الأولى من أعداد الطبعة كلها… نام مزهوًّا بهيمنته، وفي الصباح التالي تكدّست أعداد الصحيفة في سيارة الموزّع وشعر أصحاب البشوت بحرارة خانقة، لكنّهم وجدوا أن حالهم خير من حال المحبوسين في أخبار الصفحات الداخلية الذين كانوا يذوبون من الحرّ وانعدام الهواء في تلك اللحظة حتى أن أحد الأشخاص الممددين في الصفحة قبل الأخيرة على خبر صغير يستجدي تكلفة علاج صاحب الصورة كان قد شهق شهقة طويلة وصمت إلى الأبد قبل أن تخرج الصحيفة من سيارة الموزّع.

في (البقالة الكبيرة) ارتصّت أعداد الصحيفة خلف شبك حديدي مع أعداد أخرى من الصحف، كان الخبر يمدّ قدميه براحة في الصفحة الأولى تحت ترويسة الصحيفة ويراقب المتسوقين من مكانه على الحامل الحديدي، هاله أن غالبية الناس يمرون بعرباتهم المحتشدة بالمأكولات من أمامه دون أن يلتفتوا إليه، بل إن بعضهم كان يحمل الصحيفة ليتصفحها دون أن ينظر في الوجوه الصقيلة التي تحف الخبر، بل يفتح الصحيفة مباشرةً من الصفحات الأخيرة بحثًا عن الأخبار التي تثير الضوضاء بهتافات الجماهير وصفارات الحكّام وارتطامات الكرة… ثم يعيدها إلى مكانها غير مبالٍ بوجهها المصقول وعناوينه العريضة والبشوت المقصّبة…

في مطعم متواضع يجاور بقالة الحيّ كان العامل الآسيوي يمدّ صفحات الصحيفة التي تتمدد عليها هذه الوجوه المتعالية تحت صحون الكبدة والتقاطيع، والزبائن يأكلون دون أن يتنبهوا لإشمئزاز الصور من طعامهم وطريقتهم في مضغه. وفي بيت مجاور كانت ربّة البيت الجميلة تجعّد الصفحة التي تتضمن الخبر بعنف وتبلّها في الماء وتمسح بها مرآتها لترى وجهها بوضوح غير مبالية بالوجوه التي كومتها فوق بعضها في طيات الصحيفة المتهالكة بين يديها…

في المساء، كان الخبر الذي عاش يومًا قاسيًا قد فقد ذاكرته وخُلِق بذاكرة بكر في مطبعة الصحيفة التي أعادته إلى واجهة العدد الجديد بصحبة الوجوه المصقولة ذاتها، مع لمعة الخيوط المذهبة على (البشوت)، مع العبارات المعلّبة المنمقة، وكان ينام بهدوء على مساحة الصفحة الشاسعة وهو لا يعلم أي صباح ينتظره.

ضريبة

لا يمتنع عن متابعة الأخبار، لأن امتناعه عن مشاهدة المآسي لا يعني امتناعها عن الحدوث.
يتخلّى عن صباحه ويتركه وحيدًا أمام وجوه مذيعي النشرة، يتركه مسجى بلا مقاومة تحت الأشرطة الإخبارية التي تمر أسفل الشاشات وهي تنزف دمًا وتتقيح من تعفن الجراح وتسحل الجثث على جمود الأرقام وتثير الذعر بأصوات الانفجارات.
حين يأتي المساء، يكون قد صار ثقيلًا بالذنب، يشعر أن ثبات سقفه خطيئة، وعافية بدنه شماتة، وفنجان قهوته جنحة، وهدوء منزله إدانة، وطمأنينة نومه تبجح… ولا يعرف كيف يُكفّر عن هذه الذنوب.

فائض

حين بدأ الجوع يدقّ أبواب بيته ويسرق قوت يومه ويُقاسم أولاده طعامهم وينهب منهم بعض الضحكات وكثيرًا من الرغبة في اللعب… قرر أن يقاومه؛ بدأ أولًا في بيع بعض قطع الأثاث التي لا يحتاجها، فاتسعت المساحات في غرف بيته، وصار الجوع أقدر على التجول بإنسيابية. خاف أكثر فانتقل إلى بيت أضيق على أمل أن لا تتسع مساحات بيته الجديد لتسكع الجوع، لكنّ الجوع لم يفارقهم، بل انحشر معهم في تلك الحجرات الضيقة… اضطر رب الأسرة لبيع ثيابه لعلّه يُحرج الجوع، لكن الجوع تعرّى معه وصار يمشي في البيت مستعرضًا عريّه القبيح… فزع صاحب البيت من جرأة الجوع وظلّ يصرخ عليه ويُطالبه بالمغادرة، لكنّ الجوع لم يستجب لكل المناشدات، فأيقن الرجل بأن صوته لا يُسمع، ولن يُغيّر في الواقع شيئًا. قرر أخيرًا بيع لسانه باعتباره من الكماليات التي لا يحتاجها، وضع إعلانًا في الصحيفة اليومية وقد كلفته مساحة الإعلان راتب نصف شهر… لكن الوجيه الذي اشترى اللسان عوّضه عن هذه الخسارة بمربح جيّد. فصار البائع لا يتكلم إلا مادحًا للوجيه المشتري ولا يصرخ إلا لهجاء أعدائه… وحين بدأت الأموال تتدفق بين يديه عجز الجوع عن فهم لغته الجديدة التي بدأ يتحدثها بعد بيع لسانه. صارت حجرات البيت تتكدس بالأثاث والزينة وتضيق على الجوع، فانكفأ على نفسه مُعذّبا بالغربة، ثمّ هرب في النهاية… الجيران الذين شاهدوا الجوع يركض عاريًا خارجًا من بيت الثري الجديد، احتشدوا كلهم في اليوم التالي أمام الصحيفة الرسمية وفي أيديهم إعلانات تقول: (لسان للبيع، استخدام محدود)

دماء مجانيّة

جففت الحياة اليومية رأس الكاتب فهاجرت من عقله الحكايات، وكلما تلقى إتصالًا من الناشر يسأله عن مسار روايته الجديدة يزداد نزوح الأفكار.

كان في بداياته يلتقط الحكاية من ظلال الماضي، ومن أحاديث الناس، من طاولات المقاهي، من الأرصفة، من برامج الواقع، من تعليقات الإنترنت، من صفحة الوفيات… أمكنة لا تُحصى، ومخزون غزير. لكنّه منذُ جعل ظهره دعامة لصخرة اليأس الثقيلة التي أوشكت على الانهيار فوق كامل جسده، صار مُثقلًا عاجزًاعن الركض خلف الحكايات؛ يتجنب استعادة الماضي كي لا يُحرّض سعار الحنين، صار الاستماع إلى أحاديث الناس مشقّة لا يستطيع مكابدتها، فضّل العزلة على ضجيج المقاهي، لم يعد يخرج إلى الشوارع ليتسكع على الأرصفة حين صارت خُطى العابرين عليها تؤلمه وكأنهم يمشون على صدره بحمولاتهم الثقيلة من الهموم والأحزان، ولم يعد قادرًا على استيعاب تزييف الواقع في برامج تلفزيون الواقع فصار مهتمًا ببرامج الواقع التي لا تُسمى بهذا الاسم، اسمها المُعلَن هو (نشرات الأخبار) ويتابعها لأنها الشيء الوحيد الذي يمنحه الأمل بنهاية العالم.

حدث كل هذا حين كان الناشر لا يكف عن معاودة الإتصال به، رغم الحكايات التي اختارت الذهاب بلا عودة، والفواتير التي تتكدّس تحت باب شقته… كان يدرك أن طريقة الإنقاذ الوحيدة هي العودة إلى الوظيفة، وظيفة الكتابة غير الوظيفية، الكتابة التي لا تفعل شيئًا سوى ملاحقة الواقع بدلًا من تغييره… لا بد أن يكتب حكاية، أي حكاية، لا بد أن يُنقذ وضعه المادّي، وأن يحصد نجاحًا قد يعينه على ترميم سقف طموحاته والخلاص من الصخرة الثقيلة التي جعل ظهره دعامةً لها، ولا خلاص إلا بالعودة إلى هذه الوظيفة المترفة، وظيفة الكتابة غير الوظيفية، التي لا تُسمّى بهذا الاسم، اسمها المُعلَن هو: (كتابة إبداعية).

على طريقة أرخميدس الذي وجدها في مغطس الماء، وجدها الكاتب في مغطس الدماء. قرر أن ينقل شريط الأخبار من الشاشة إلى مسوّدة كتابه، مكث يومين أمام التلفاز يدوّن مايسمعه من أنباء، شذّب أخبارًا كثيرة، وبنى روابطًا فيما بينها ليكون لها نسيج متماسك… بعد عمل مستمر وجهد كبير أرسل أوراقه إلى الناشر اللحوح، كان يشعر بجلاء عتمة همومه ويتوهم زوال شعوره بالإفلاس الإبداعي والمادّي.

فيما كان يجدول مصروفات الشهر بحسب العائدات المتوقعة من بيع الكتاب، اتصل به الناشر، كان الإتصال الوحيد الذي لم يبعث في نفسه الرعب منذ شهور. فتلقّى المكالمة وقد هيأ نفسه للمفاوضة على حقوق النشر… لكنّ الناشر لم يمهله وقتًا لحشد حجج التفاوض، إذ صفعه بقوله: نعتذر عن نشر عمل بهذه الركاكة، فالعمل بعيد عن الواقع ومليء بالمبالغات المأساوية التي لا تحترم عقل القارئ ولا يصدّقها عاقل أو مجنون.

في المقعد الخلفي، كانت لي حكايات

ملاحظة أوليّة:

كُتِبَت هذه التدوينة في ٨ مارس ٢٠١٧، قبل السماح للنساء بقيادة السيارة.

54199d8f621a75937b9e41cb_01456807124547453954.jpg

مشاوير الأجرة أحد مخاوفي الكثيرة التي تُحكِم قبضتها على أيامي، فقد كنت ومازلت فتاة خائفة، أخاف من الوقوف طويلًا على الأرصفة، أخاف أن أُقْذَف بزجاجة، أخاف أن أُقْذَف بكلمة جارحة -وقد حصل- أخاف من التوغل في مكان مزدحم، أخشى أن أتعرض لتجربة تحرش أضطر لكتمانها وأعجز عن نسيانها، وأخاف كذلك من الأماكن الفارغة تمامًا والصامتة، الأماكن التي يُمكن للمرء في هدوئها المريب أن يسمع حتى صوت أفكاره، وأن يتخيل فحيح أفكار الآخر.

أنا البنت الخائفة دائمًا، لكنّ خوفي لم يعلمني الحذر. لا أعرف كيف أختلق لنفسي هوية جديدة، هذه واحدة من مشكلاتي الكثيرة، كلما اخترعتُ لنفسي اسمًا مستعارًا و وجهًا مستعارًا، لا يدوم الأمر طويلًا حتى أُخبر الجميع من أنا، مالم يكتشفوا الأمر قبل مصارحتهم به من الأساس. ولذا كنتُ أكره تبادل الكلام مع سائقي الأجرة، لأنّه حين يسألني عن عملي سأخبره، وحين يسألني عن حيي السكني لن يسعفني الوقت لأبتكر اسمًا جديدًا، وحين يسألني عن تخصصي ستغيب كل التخصصات عن ذهني ويبقى تخصصي فحسب، وبذا أكون قد نزلت من سيارته بعد تقديم سيرتي الذاتية.

فيما بعد اكتشفتُ أنّي لا أكره الكلام ذاته، لكنّي أكره الأسئلة لأنها تُجبرني على تقديم نفسي، وأنا لا أريد هذا… أريد أن أظل كتلة من السواد مطموسة الهوية تجلس في المقعد الخلفي وتنزل بلا هوية ولا اسم ولا وجه ولا عمل ولا اهتمامات… ولكنّي أحب السماع من هؤلاء العابرين، السائق العابر بالنسبة لي، وأنا العابرة بالنسبة له.

أتذكر دائمًا أول تجربة ركوب وحدي مع سائق، كنتُ مضطرة دائمًا لتبرير نفسي، ومازلت، أحتشدُ بالتوجس فأُخبر السائق العابر مثلًا أنّي سأذهب لأبراج البيت لألتقي صديقة تعمل هناك، حتى لا يظن أنّي أرتاد الفنادق لغاية رخيصة تغريه بي. أحزن دائمًا على نفسي حين أُبرر نفسي، لكنّي أُبرر نفسي دائمًا، لأن الخائف لا يملك خيارات عديدة.

مشواري الأول وحدي لم يكن للأبراج، كان للصيدلية، أوقفت سيارة أُجرة في الشارع وركبت، شاب صغير في السن، سعودي، محترم جدًا. سألني إن كنتُ أريد صيدلية بعينها، قلت: أي صيدلية. فبدأ يُفصّل لي في فروقات السعر بين (النهدي) و(غاية) والمثال الذي استخدمه (الحفّاظات والحليب) وفارق الستة ريالات، فعرفتُ أنه أب لطفل رضيع، يعتاش من المشاوير، رقّ قلبي له، لكل الذين يجوبون الشوارع بحثًا عن ثمن اللقمة المغموسة في التعب وضعف الاحتمالات. قبل نزولي سجلت رقمه، لم أكن حينها أُحب تعداد السائقين، فإذا ما ارتحت لأحدهم لجأت له في كل مرة، لكنّ الوضع الآن تغيّر. صرتُ أحب تجربة الركوب في كل مرة مع سائق جديد، في سيّارة أخرى، ولو كنتُ أعرف مدينتي بشكل جيد لسلكتُ طرقات جديدة، لكنّي أجهل هذه الشوارع التي اعتادت أن تلفظني.

مرة خرجتُ مع (ماهر) سائق أوبر الذي اعتذر عن إتمام مشاويري المتعددة، وأبدى استعداده لوجهتي الأولى فقط، حين هممتُ بالنزول قال إنه سيتحرك من مكانه، يخاف من مخالفة الوقوف الخاطئ، وقصّ علي قصة المخالفات المرورية التي أكلت من أجرته الكثير، وبلغت ضعف مكسبه في بعض الأوقات، واندلق الكلام بيننا، عن زبائنه السيئين، وعن تجاربي السيئة مع السائقين. ماهر شاب صغير رُبما كان بيننا عشر سنوات، لكنّه ظلّ ينصحني بحماسة ويُخبرني أنّ المثالية لا وجود لها، والاحترافية قد تنعدم عند الكثيرين، وينبغي عليّ تهيئة نفسي لهذا، وانتزاع نظرتي الوردية من المشهد، والحذر من الاستغلال… حين تبادلنا الحكايات، أبدى ماهر استعداده لمشاوير تلك الظهيرة كلها، من محل الجوالات إلى الصيدلية إلى مكتب زين إلى موقع شركة تسليم الشحنات إلى محلات الكمبيوتر… وكلما اعتذرت عن إرهاقه بكل هذا وعن تأخري في بعض المحلات، يقول: لا لا عادي خذي راحتك… رغم تشنجه في بدء المشوار.

كان في ماهر سمات كثيرة مما في إخوتي الذكور، يصغرونني إلى حدّ إدراك ذاكرتي للحظة ولادتهم وتسميتهم… ومع هذا يشعرون دائمًا بأنهم أدركوا كلّ شيء في المحيط الخارجي، فينصحوني بثقة ماهر وحماسته…

محمد السعودي أيضا، صاحب الكامري الذي خشيتُ من صورته وسيارته وفكرت في إلغاء الرحلة، بلا سبب… فقط لعقدة من سعودي آخر ألغى الرحلة يومًا ما بعد انتظاري له مدة ٩ دقائق في المطر، بحجة أنّي رفعت صوتي عليه في الهاتف، وأنه ليس أصغر عيالي… المهم أن محمد الذي ارتبتُ منه، كان كريمًا ووقورًا وخدومًا، لدرجة أنّي طلبت منه الوقوف في شارع مُقابل للمحل الذي أريد، فخشي عليّ من قطع الشارع وعرض أن ينزل هو بنفسه ليشتري لي أغراضي…

محمد المصري الذي أسمعني موسيقا كلاسيكية تشغل مساحة الصمت، شعرت برغبتي في بدء حديث معه، حين بدأت موسيقا (حلوة يا بلدي) سألته عن عدد السنوات التي قضاها هُنا، فأخبرني أنها ١٥ سنة، عمل خلالها أعمالًا عديدة، بائعًا في قزّاز، سائق أجرة، ثمّ سائق أوبر… سألته: تحنّ لمصر؟ قال: أوووه دائمًا.

تكلمنا عن الفرق بين العمل سائقًا لأجرة والعمل في أوبر، قال إن أوبر عمل أفضل من كل عمل جرّبه من قبل، في الأجرة هو من يبحث عن زبائنه، في أوبر الزبون يفتش عنه، في الأجرة المرور يتعقب ويحاسب، في أوبر تمضي الأمور سلامات، تأمين الأجرة لا يُطاق، وتأمين سيارته الخاصة أهون… أخبرته أن أبي الذي يمتلك سيارة أجرة سيحوّلها إلى سيارة خصوصية بسبب تكاليف التأمين العالية، وضعف قدرته على العمل الآن… سألني عن عمر أبي، وسنوات عمله. وحين أخبرته، صارحني بمخاوفه في هيئة سؤال: هل أثّرت القيادة الطويلة على ظهر أبيك وعظامه؟

انتقلنا للحديث عن المعيشة، عن التقشف وغلاء الأسعار، فحكى لي عن أوجاع المقيمين، وعن تجديد الإقامة… وأغلق الموسيقا الكلاسيكية واستبدل بها أغنية تقول: ملعون أبوك يافقر…

وحين اقتربت من وجهتي الأخيرة قال: أحب اسم مُنى، بنتي اسمها مُنى…

وابنته في مصر، وأنا في المقعد الخلفي، وأبي في الحديث الذي بيننا…

لربما كان هذا كلّه مما لا يستحق الحكاية عند الآخرين، أمّا عندي -أنا التي أتحرك دائمًا في مساحة ضيقة جدًا- فهو يستحق التذكر والحكاية… لأني أحب مطاردة الحكايات والقبض عليها، ولأنّ هذه تجاربي الأولى في اكتشاف مدينتي، في عبور الشوارع وحدي والتعرف عليها، في الإنصات لحكايات الغُرباء، وفي الاحتكاك بما هو خارج الحَلَقات المستحكمة حولي…