ماركيز والسينما

كان ماركيز شغوفًا بالسينما، مفتونًا بها منذ طفولته يتذكر في كتابه (قصص ضائعة) جيشان الفضول الطفوليّ الذي دفعه إلى أن يُطالب ككل الأطفال بالذهاب إلى ماوراء الشاشة لرؤية أحشاء هذا الاختراع المبهر، وكانت دهشته عظيمة حين لم يرَ شيئًا سوى الصورة ذاتها مقلوبة. لكنه لم يفقد شغفه وانبهاره. كبر ماركيز وسافر إلى روما ليتعلم أسرار المخرج الإيطالي (زافاتيني)، عاد بعدها إلى كولومبيا وكتب في النقد السينمائي مخالفًا رغبات دور العرض التي كانت تفرض على الصحف أن تكتب نقدًا مهادنًا وإلا ستسحب إعلاناتها، كسب ماركيز المعركة فكتب نقدًا صادقًا رفضته دور العرض في البداية ثم رضيت به وتقبلته. فيما بعد اتّجَه ماركيز نحو المكسيك يدفعه شغفه بالسينما إلى محاولة المساهمة في صناعتها، فحاول أن يكون مخرج أفلام، لكنّه اكتشف أن اختلاق العوالم في السينما أصعب من اختلاقها في الأدب، يقول: “أدركت أن هناك حدودًا في القالب السينمائي لا توجد في الأدب، وأصبحت مقتنعًا أن عمل الروائي هو أكثر عمل حُرّ على وجه الأرض فأنت هنا سيد نفسك تمامًا”
ولذا صرف النظر عن العمل كمخرج وبدأ في كتابة سيناريوهات لأفلام قال إنه لم يتعرف عليها حين شاهدها على شاشة العرض بعد ذلك. عن تلك التجربة يحكي ماركيز قائلًا: “وحتى بعد أن كتبت سيناريوهات لم أكن أتعرف عليها فيما بعد على الشاشة، بقيتُ على قناعتي بأن السينما ستكون صمّام الأمان الذي سأفلتُ منه أشباحي، وقد تأخرتُ زمنًا طويلًا للتوصل إلى القناعة بأنّ الأمر لن يكون كذلك. وفي صباح يوم من أيام تشرين الأول ١٩٦٥م وكنتُ مُرهقًا من رؤية نفسي وعدم التعرف عليها جلستُ مقابل الآلة الكاتبة، مثلما كنت أفعل كل يوم، ولكنني لم أنهض في تلك المرة إلا بعد ثمانية عشر شهرًا ومعي الأصول الناجزة ل(مئة عام من العزلة) فأدركت أثناء ذلك العبور للصحراء أنه ليس هنالك من عمل للتحرر الفردي أروع من جلوسي وراء آلة كاتبة لابتداع العالم”
بعد هذه التجارب لخّص ماركيز علاقته بالسينما قائلًا: “علاقة زواج غير موفق. بمعنى أنني غير قادر على العيش دون السينما وغير قادر على العيش معها”

في رواية (مئة عام من العزلة) التي كتبها ماركيز حين كان يحاول كتابة سيناريوهات أفلام تظلّ شبيهة بذاتها حين تخرج من حيّز الورق إلى حيّز الصورة، يحكي ماركيز حدثًا لا يُنسى يتعلق بالسينما، حين بدأت الاختراعات تتوافد على قرية (ماكوندو) وتُبهر الأهالي بسحرها حتى صاروا لا يعرفون من أين تبدأ الدهشة. كانت (السينما) إحدى هذه الاختراعات التي فتنتهم بسحرها، انبهروا بالحياة الموازية التي انعكست فيها، فدفعوا أموالًا لشراء التذاكر كي يشاطروا أبطال الأفلام معاناتهم، في أحد الأفلام شاهدوا رجلًا يموتُ ويُدفن فبكوا عليه وتأثروا بمعاناته، لكنهم شاهدوا الرجل الميت يظهر في فيلم آخر وقد عاد إلى الحياة وكأنه لم يمت وكأنهم لم يبكوه من قبل، شعروا بمرارة الخديعة التي تعرضوا لها، عبّروا عن سخطهم بتكسير المقاعد… فاضطر العمدة أن يقدّم لهم إيضاحًا شرحَ فيه أن السينما ليست حقيقية بل آلة وهم. وحيال هذا الإيضاح المخيّب للآمال قرّر الأهالي الامتناع عن الذهاب إلى السينما فلديهم مايكفي من الأحزان ولا حاجة بهم لأن يبكوا نكبات مصطنعة لكائنات وهمية. اكتفاء أهالي (ماكوندو) بحياتهم وأحزانهم الحقيقية يتقاطع مع اكتفاء ماركيز بعوالمه السردية التي يعرفها جيدًا حين يبتدعها على الورق، لكنّه يُنكرها حين تتنازعها أيدي الممثلين والمخرجين والمنتجين… تمامًا كما أنكر أهالي القرية وجه فقيدهم، الممثل الذي بدّد حزنهم بين أكثر من فيلم وأكثر من حكاية.

نبوءات مخاتلة

كتبت إيزابيل الليندي لابنتها (باولا) حين نهشها المرض كتابًا تستدعي فيه ذكرياتها وماضيها، وتسرد فيه ما يفوت ابنتها المريضة من حاضرها الذي سرقتها منه غيبوبة طويلة. في الكتاب تحكي إيزابيل عن عرّافة أرجنتينية شهيرة التقتها في عشاء عائلي، فأخبرتها العرّافة بأربع نبوءات هي: “سيكون حمّام دم في بلادك. وستكونين مُجمّدة أو مشلولة لزمن طويل. صوتك الوحيد هو الكتابة. وأحد أبنائك سيكون معروفًا في عدة بقاع من العالم” سألت والدة إيزابيل العرّافة: “أيّهم” ثمّ أطلعتها على صورهم فأشارت العرّافة إلى صورة (باولا). تحققت النبوءات، حدث الانقلاب على حكومة سلفادور الليندي فسقطت البلاد في حفرة حكم عسكري دموي، ونُفيت إيزابيل من تشيلي، وتحققت النبوءة الثالثة طبعًا، فعاش صوت إيزابيل بواسطة الكتابة. أمّا النبوءة الرابعة التي تقول: “أحد أبنائك سيكون معروفًا في عدة بقاع من العالم” فقد كانت إيزابيل تتذكرها وقت مرض ابنتها، فتراها طريقًا للأمل، فتظن أن ابنتها ستستيقظ من غيبوبتها الطويلة، لتواصل مسيرة حياتها فتحقق الكثير ليعرفها العالم. تقول إيزابيل: “أفترض أن النبوءة الرابعة ستتحقق أيضا، ما يمنحني الأمل في أن أراك حيّة يا ابنتي. لم تُكملي قدرك بعد. ما أن نخرج من هذا المشفى فإني سأتّصل بهذه المرأة لأسألها عمّا ينتظرك”

ولم تعش باولا كما ظنّت أمّها، ماتت، لكن النبوءة تحققت. لم تقل النبوءة: “ابنتك ستعيش” بل “سيعرفها العالم” وقد صارت (باولا) معروفة في عدة بقاع من العالم، معروفة بموتها لا بما حققته في حياتها. معروفة بواسطة هذا الكتاب المأساويّ الذي كتبته أمها لتعينها على تذكر حياتها حين تستيقظ، فصار تذكارًا لفقدها وشاهدًا على موتها.

كل النبوءات مخاتلة، تحتمل الأمر وضدّه، ولذا تتحقق غالبًا.

عن النبوءات أيضا، يقول ماركيز في كتابه: (قصص ضائعة): “أشهر النبوءات هي تلك النبوءة التي تلقاها الملك كريسو الشهير بثرواته الطائلة، حين أراد أن يعرف إن كان يناسبه خوض حرب ضد مملكة الفرس الذين كانت مملكتهم على الضفة الأخرى لنهر هالديس. فردّ عليه الوحي في أوراكل: أجل يا كريسو، اجتز النهر لتدمّر مملكةً عظيمة. ‫فعل كريستو ذلك واندحر وتحققت النبوءة، إذ أنّه دمّر مملكته ذاتها، وكانت أعظم الممالك في زمانه.”

ذاكرة متوفاه دماغيًا تتنفس عبر الأجهزة

فيما كنتُ أقرأ للمرة الثانية رسائل حمزة شحاتة إلى ابنته شيرين كنتُ أكابد الغصّات، وأتذكر المرة الأولى التي طالعت فيها الكتاب قبل أكثر من عشر سنوات بعد أن استعرته من مكتبة جمعية أم القرى الخيرية حيث كنت أدرس الخياطة والتفصيل مساءً بعد دوامي الصباحي في الجامعة. يرتبط كتاب الرسائل هذا بوجه أمينة المكتبة المألوف، ما زلت أتذكّر ملامحها ولون شعرها ومظهرها العام وطول قامتها لكنّي نسيت اسمها، يرتبط الكتاب أيضا بملمس الأقمشة الأوراجنز والدانتيل والبطانة الحريرية وقسوة الساتان ونعومة ملمسه وكل الأقمشة التي كنت أراكمها كما أراكم عملي دائمًا، فكل الأشياء التي أحبها ثم أدرسها أكرهها، أكره انتقالها من دائرة الهوايات إلى مربع الواجبات… رسائل حمزة شحاتة إلى شيرين تذكرني بالأيام الأولى للمسنجر، بوقت الاستراحة الذي أقضيه في المكتبة الملحقة بالجمعية، أستعير الكتب وأتصفح الإنترنت بنظام الدقائق المدفوعة. وقد كانت أمينة المكتبة تشرح لبعض الزائرات كيفية التواصل مع أقربائهم البعيدين عبر المسنجر.

كم اسم مستخدم امتلكت من يومها إلى اليوم؟
كم رسالة وصلتني؟
كم عدد الكلمات التي اهتدت إليّ بلا ساعي بريد ولا طابع ولا عنوان شارع ولا رقم بناية؟
كثير كثير…

كم بقي من كل هذا؟
لا شيء.

ولذا كلما قرأت رسائل حمزة شحاتة إلى ابنته شيرين أكابد الغصّات، أشعر أننا جيل منتجته التقنية حتى صرنا بلا ذاكرة، حولنا وبأيدينا ألف طريقة للحفظ والاسترجاع والنسخ الاحتياطي، لكن هذه الخيارات العديدة لا تخدم الذاكرة، لا تخدم ذاكرتنا، إنها تعلمها التواكل ثم تغدر بها وتشتتها، ذاكرة تسجّل كل شيء أولًا بأول، مع خاصية التدمير الذاتي، التحديث، المحو، إعادة التهيئة… الخ

في سياق الكتب والرسائل يستدعي ذهني كتابًا قرأته في بدء مراهقتي وأعدت قراءته مرات ومرات، الكتاب لأنيس منصور وعنوانه: (غرباء في كل عصر) عثرتُ عليه صدفة في بيتنا القرويّ ولا أعرف حتى الآن صاحب أو صاحبة الكتاب قبل أن يصل إلى يدي، فقد استوليت عليه، ومع الأسف فقدته منذ سنين. ربما أكون قد أعرته لرفيقة من رفيقات الدراسة اللاتي طوت الأيام حضورهن… أتذكّر بوضوح مقال جميل في الكتاب يتحدث فيه أنيس منصور عن موهبة كتابة الرسائل الطويلة، الرسائل التي تقول كل شيء وتبدو وكأنها نبش في الروح، تنقيب في الأعماق… وقد كنتُ آنذاك شغوفة بكتابة الرسائل الطويلة، وأحب أن تصلني رسائل من صديقاتي… في تلك الأيام، وفي العطل المدرسية كنت أتبادل مع صديقاتي رسائل طويلة نكتب فيها كل شيء، لم يكن يكفينا ورق الرسائل فصرنا نستخدم الدفاتر لتحتضن الكلام الطويل الذي نقوله في الإجازات الطويلة، وبعودة الدراسة نتبادل الدفاتر فنقرأها وكأننا عشنا العطلات سويًا. كان هذا قبل زمن الجوّال، في زمن مكالمات الهاتف الثابت التي يعترض الأهل على طولها… كنت أتكلم هاتفيًا مع صديقاتي بشكل متقطع وخلسة إذعانًا لتوبيخ الأهل… ولم يستوعبنا حينذاك شيء غير الرسائل.

يقول أنيس منصور في الكتاب إنه حاول محاولات متكررة كتابة رسائل طويلة، لكنه ما أن ينتهي منها حتى يحذف البداية التي تقول: إلى فلان. وبهذا تتحول الرسالة إلى مقالة… فينشرها على الصحف بدلًا من إرسالها للشخص المعني.

أحيانًا أشعر بحاجة ماسة إلى كتابة رسالة طويلة، رسالة تقول كل شيء، رسالة أودعها أفكاري دون ترتيب فيساعدني هذا على ترتيب فوضاي، رسالة تُمكنني من البوح بما يحتشد فيّ… وأشعر أيضا أني بحاجة إلى تلقي رسالة طويلة بجُمل مطنبة وشروحات مُفصّلة وحكايات عابرة وأسرار صغيرة، أحلم برسالة تتضمن اسمي بين سطر وسطر، تعتمد حروف النداء وتتيقن من الإجابة… فالرسائل أعذب ما امتلكت في عمري الذي مضى، وأكثر ما فقدت في عمري الحالي، فقد فرض علينا الإنترنت ماراثون الركض بين نوافذ المحادثات، وبذاكرة قصيرة المدى، تتشتت في القفزات السريعة بين المواقع وبرامج التواصل التي يحل أحدها محل الآخر بسرعة فيمحوه…

ضمن مقالات هذا الكتاب مقال نسيتُ عنوانه ومضمونه وبقيَ في ذاكرتي منه فقرة عصيّة على النسيان يقول فيها أنيس منصور: “الحب الحقيقي كالورد الطبيعي، حيّ وقصير العمر” وأُضيف لما قاله: كذلك الصداقات الجميلة التي خلّدتها الرسائل، ومحت الأيام وجوه أصحابها، ظلّت على قيد الحياة رغم قصر عمرها، وكأنها ورد مجفف يحتفظ بذاكرة ازدهار عمري الذي مضى.

الأرق، وداء النسيان


في رواية مئة عام من العزلة، يُصاب أهالي ماكوندو بداء الأرق، يفرحون في البدء “أفضل لنا ألا ننام لأن الحياة تغدو أكثر خصباً” ولكن بعد أيام من اليقظة المستمرة يفقدون ذاكرتهم تدريجيًا، الذكريات القديمة، التاريخ، المعارف، أسماء الأشياء… ثم يتفاقم الفقد فيبدأون في نسيان تفاصيل حياتهم اليومية، ذاكرتهم قصيرة المدى، يدونون أسماء الأشياء عليها: بقرة، منزل، طاولة… ويتفاقم النسيان، فتصبح هذه الاحتياطات بلا جدوى، ينظرون إلى البقرة والورقة التي تشير إلى اسمها، يدركون أنها بقرة… لكن ماذا بعد؟ يزيدون احتياطاتهم فيكتبون التفاصيل: “هذه هي البقرة، يجب حلبها كل صباح كي تعطي حليبًا، ويجب غلي الحليب من أجل مزجه بالقهوة، وصنع قهوة بالحليب” على مدخل القرية يدونون: “هذه قريتنا ماكوندو” يدونون أيضا “لا تنسَ، فالرب موجود”
هذا التيقظ المزمن الذي أفقد الأهالي ذاكرتهم، انعكاس للانغماس في حاضر مبتور، فالنسيان وإن كان ينقذ الأفراد أحيانًا من أحزانهم، إلا أنه يهلك الجماعات دائمًا… النسيان عدو الجموع، الشعوب إذا انفصلت عن ذاكرتها تتوه في حاضرها، تتخبط لتستكشف بديهياته، تحتاج إلى جهود مضاعفة لتعيش الواقع، احتياطات أهالي ماكوندو تدلّ على إن الشعوب بدون ذاكرتها تفقد كل شيء، المنفعة/البقرة.. الهوية/ماكوندو… اليقين/الرب موجود…

الفرشاة السحريّة

من القصص البديعة التي قرأتها في طفولتي قصة عن صبي رسام امتلك فرشاة سحرية تتحوّل الرسومات بواسطتها إلى واقع، فإذا رسمَ بيتًا انفتح بابه واتّسعت مساحاته، وإذا رسم حصانًا انطلق يعدو خارج اللوحة، وإذا رسم نقودًا سمع رنينها… فصار يستخدم الفرشاة في مساعدة الفقراء، يرسم لهم ثيرانًا تساعدهم في الحراثة، ونقودًا تعينهم على الحاجة… حتى ذاع صيت الصبي فسمع عنه الحاكم واستدعاه ليرسم له جبلًا من الذهب، لكن الصبي رفض، فحبسه الحاكم في السجن وصادر فرشاة الصبي لصالح أحد الرسامين الذي رسم شجرةً تُثمر بالنقود على جدار بيت الحاكم، لكن الشجرة لم تتحول إلى حقيقة، فأعادها الحاكم إلى الصبي الذي تظاهر بالانصياع للحاكم، لكنه استغفله واستغل مَلَكَته السحرية ورسم على جدار السجن بابًا تحوّل إلى باب حقيقي مكنّه من الهرب… خارج السجن؛ صار الصبي يعتاش من بيع رسوماته التي لا يُكملها، فقد كان دائمًا يترك فراغًا في اللوحة حتى لا تتحول إلى حقيقة فيشيع أمره ويستدل عليه السلطان فيسجنه من جديد.

في يومٍ ما كان الصبي كعادته واقفًا في السوق يرسم لزبائنه، رسم طائرًا وترك نقطة خالية في اللوحة، وفي اللحظة الأخيرة قبل تمام لوحته حدث اضطراب في السوق، لا أتذكر سببه، ربما حادثة سقوط، أو عراك… المهم أن الاضطراب والتدافع الناجم عنه طال الصبي فارتطمت يده باللوحة و زلّت فرشاته وأتمّت ضربتها الأخيرة/الناقصة، فطار الطائر من اللوحة وسط ذهول الجميع…

لا تنتهي القصّة هُنا لكنّ الصفحات الأخيرة من الكتاب الذي قرأت فيه القصة كانت ممزقة، ولذا فأنا لا أعرف نهايتها حتى اليوم، ويعجبني أنها ظلّت طوال هذه السنين قصة غير مكتملة في ذاكرتي، كلوحات الصبي التي يتعمد أن يجعلها غير مكتملة، فكمال لوحاته سيعيده إلى سجن السُلطان، وكمال القصص في ذاكرتي سيأخذها إلى سجن الرتابة ويجرّدها من حرية التوقعات ومساحات الاحتمال، كما كان السجن سيُجرّد الصبي من حريّة الإبداع ولذّة اختيار موضوعه الفنّي.

فلتحيا النهايات المفتوحة دائمًا، فليحيا النقص الذي يُحررنا من سجن الكمال.

جوّع كلبك

النصّ من كتاب (مع العرب في التاريخ والأسطورة) لرئيف خوري:

“نحنُ في الجاهلية مازلنا، وفي اليمن أيام الحميريين التبابعة. ومع ذلك سنتحدث عن مسألة حديثة، ونرى كم هي قديمة، ونتحدث عن مسألة قديمة، ونرى كم هي حديثة!

قال الراوي: كان أحد ملوك حميرَ – وما يعنينا من اسمه- شديد الوطأة على الرعية، غصّابًا لما في أيديها، وكان الكُهّان يفشون في الغيب فينبئونه بأن الرعية ستقتله إذا هو لم يقلع عن سيرته. واغتبط التاريخ بأن سجل خبرًا عن كُهّان مالوا من ملك إلى شعب.

إلا أنّ الملك لم يحفل بما جاءه من كهّانه، وظنّهم حقًا يفتشون الغيب، فقال: ومن أين لهم أن يعلموا الغيب؟ وما درى أنهم إنما رأوا الغيب من خلال اليوم.

ولبثت رعيته تتقلب من جوره على الجمر، وعاث فيها الفقر، وازدحم السائلون على بابه ينبئون ويشكون. فسمعتهم امرأته، وأطلّت يومًا فشهدت وجوهًا فرّ لونها، وعيونًا كاد يطفيء البؤس بصيصها.

فقالت له: نحنُ في العيش الرغد، وهؤلاء يلقون ما يلقون من الجهد، وإني لأخشى أن يصيروا عليك سباعًا، وقد كانوا ومازالوا لك أتباعًا.

فضحك منها وقال لها: شأنٌ لا علم لك به! أراكِ أصبحتِ سجّاعة، أما عرفتِ حكمة الحكماء: جوّع كلبك يتبعك. فسكتت كما تسكتُ المرأة غير مقتنعة، لتترك لرجلها مجال إعجاب بروعة كلامه.

واتفق أن وقعت هذه الجملة في سمع رجل يُدعى عامر بن جُذيمة، أو فلانًا من الناس، فوعاها. ولم يذكر لنا الراوي شيئًا عن وظيفة عامر هذا، ولكنه كان مُفكرًا على الأرجح. وخرجَ بين الناس ممتعضًا فرأى استسلامًا وخضوعًا، وكان ينتظر أن يرى فورة، وثورة تقع بعد ساعة، ففوجيء وقال في سره: لقد أصاب الملك، هذا الشعب لا يعدو أن يكون كلبًا، وجوّع كلبك يتبعك.

وانقضى الوقت الذي يُنمّي الأشياء ويُنضجها في صمت، وعامر بن جُذيمة مصر على رأي الملك الذي أصبح هو رأيه أيضا.

ثمّ فوجئ مرة أخرى، وكأن لا وظيفة للمفكر إلا أن يُفاجأ لأنه متأخر جدًا عن الواقع أو متقدم.

انفجر الشعب بالثورة. ولكن المفاجأة كانت بالطبع أشدّ وقعًا على الملك. ذلك أنها دحرجت رأسه عن كتفيه، بينما هي لم تزد على أن خطّأت عامر بن جذيمة في حسابه.

غير أن عامرًا لم يقبل، وأقام يُقلب الأمر على وجوهه ليعلم كيف بدر من (الكلب) ما بدر منه ثمّ وقع على تفسير جعل المفاجأة طبيعية، جدّ طبيعية، فقال: وأي عجب؟ ربما أخذ الكلب بمخنق سيده الظالم إن لم ينل شَبَعه.

وإلى اليوم -بعد ثورات التاريخ كلها- لا يزال الشعب كلبًا في رأي البعض، على أن الكلب لا يلبث أن يُفاجيء هؤلاء، كما فاجأ من قبل الملك الحميري وعامر بن جذيمة المفكر. أمّا الملك الحميري تدحرج رأسه فلم يعد قادرًا على أن يُعطي رأيًا. وأمّا عامر بن جذيمة المفكر العميق، فيُفاجأ أولًا، يُفاجأ عند الإبطاء وعند الإسراع، فيكوت سابقًا أو مسبوقًا. ثمّ لا يرى في آخر الأمر عجبًا في أن يأخذ الكلب بمخنق ظالمه. ولكن ما علينا، ما دامَ الأخذ بمخنق الظالم واقعًا على أي حال.”

_تعقيب_

في النصّ يحاول الكاتب استدعاء نماذج من التاريخ لإسقاطها على الواقع، ومحاكمة الواقع من خلال حركة التاريخ. وفي النص ثلاث سلطات تحكم حركة الحدث فيه تتمثل في (سُلطة السياسة=الملك) و (سُلطة المثقف= عامر بن جذيمة) و(سلطة الجموع= الشعب)

كانت السُلطة الأولى (السلطة السياسية/ الملك) فاعلة بشكل كامل في البدء حيث القمع بلا رادع، والتسلط بلا سبب، والاستهانة بنصح الناصحين متمثلًا في (الكهنة) و (الزوجة) إذ واجه الملك نصيحة الكُهّان بالتكذيب، وقابل نصيحة الزوجة بالتسفيه.

أمّا سلطة المثقف فقد كانت مجرد ظلالًا للسلطة الأولى/السياسية. حيث كان التنظير من خلال رؤية الملك (الشعب كلب) فالملك ينظر للشعب كحيوانات يُمكن التحكم فيها من خلال تجويعها، والمثقف يُنظّر لهذه الرؤية من خلال مراقبة حال الشعب الخاضع، ويحاول إثباتها.

حين تنقلب سلطة الجموع، وتخرج عن القالب الذي وُضعت فيه، تدفع السلطة السياسية الثمن/تنتهي. ويبقى المثقف كسلطة غير فاعلة وأقل من أن تدفع ثمنًا لصمتها وتأييدها… وبدلًا من أن يُغيّر المثقف رؤيته للجموع الفاعلة ويؤمن بها، يعمل على محاولة إثبات نظريته الأولى والإضافة لها… فالشعب مازال كلبًا في نظر المثقف غير أنه في البدء جاع وصمت، وفي النهاية هجم على صاحبه ونهشه.. نظرية (حيونة) الشعوب تظل صامدة عند المثقف، وتظل نظرته لها قاصرة عن رؤية دورها وفاعليتها فهي (مملوكة) وتتصرف كرد فعل لفعل مالكها (يأخذ الكلب بخناق صاحبه)

وختامًا ينتهي النص بالحديث عن سلطتي الجموع والحكم السياسي متجاهلًا المثقف، لأنه غالبًا مايكون خارج سياق حركة التاريخ.

خاتمة:

قال أعرابي يوصي ولده: “يا بني إن لكل قوم كلبًا، فلا تكن أنت كلب قومك”

حاشية على ما سيق:

  • لا يُشترط أن يكون التجويع من الطعام، قد يكون تجويعًا من الكرامة والكلمات والتفكير.

نداء استغاثة

“أيّها الداخلون، اطرحوا عنكم كلّ أمل”

نقشٌ على باب الجحيم- الكوميديا الإلهية

يصف أحد فصول (الكوميديا الإلهية) آخر مرحلة من مراحل الجحيم، حيث يتحول الجحيم من شدّة الحرارة إلى شدّة البرودة. فيُعذّب الآثمون في جحيمٍ جليدي، يُغْمَرون بالجليد إلى رِقابهم، البرد هناك شديد جدًا، جدًا. حتى الدموع تتجمدُ فيه، فيفقدون دفء البكاء. وآخرون منهم يُغمرون بالجليد حتى رؤوسهم، كي يُحرموا من أي دفء قد تبعثه أنفاسهم المُتعبة في هذا الصقيع.

أفكّر في جهنّم الربّ، وفي نقيضها؛ في النار والماء. وأضعهما بإزاء هذا الجحيم الجليدي، هذا العذاب الذي اخترعه البشر لا الربّ.

في التعذيب بالنار، حين يشتعل اللهب في الجسد، يهرع المحترق إلى خيار الهرب، الهرب الذي لا يُنجي، تدفعه حُرقة اللهب الفظيعة إلى الهرب والركض والحركات اللاإراية المتسارعة التي قد تفاقم الاشتعال. خياره غير فاعل لكنّه -على الأقل- يملك حق تفعيل الخيارات غير الفاعلة، بوسعه أن يتحرك أمام هذا العذاب الفظيع، مُجبرًا يُعبّر عن حرقته وألمه وعذاباته بهذه الحركة السريعة المضطربة…

في الهلاك بالغرق، حين اجتاح الطوفان الإلهي المكذبين من قوم نوح، حين ابتلع البحر جبروت فرعون وطغيانه، ربما كان بوسع أولئك المعذبين أن يحركوا أيديهم بعكس حركة الماء، أن يرفعوا رؤوسهم وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، أن تتحرّك أجسادهم بهلع ضد الغور الذي يبتلعهم. امتلكوا حق تفعيل الخيار غير الفاعل أيضا، الفكرة الأخيرة التي طرأت على رؤوسهم وهي تُغمر بالماء هي فكرة النجاة من خلال الحركة، فتحركوا وتحركوا إلى النهاية.

أمّا الجحيم الجليدي، جحيم الكوميديا البشريّة التي نعيشها،  في الفصل الأخير من فصول الجحيم الذي نُحبس فيه اليوم، وأستشعره كل حين يعذّبني ببرده الشديد إلى درجة تجمّد الدّموع في العيون أمام كل هذه الفظائع. لا نتعذّب بالبرد وحده، نتعذّب أيضا بالجمود، بالشلل، بالعجز عن المقاومة، بالحرمان من حق أداء حركات بهلوانية نتوهم من خلالها النجاة.

يحبسنا هذا الجحيم عن كل شيء، يحرمنا من تحريك أيدينا بهلع الغارقين، ومن الركض بأجسادنا بيأس المحترقين، يحرمنا حتى من الدّموع…

الأجنبي الأبدي

يفزعني أن يتخلّق جنين في جسد لا يرغب في حمله، ويظل يتكوّن في الجسد الرافض، يومًا بعد يوم، شهرًا بعد شهر، حتى يخرج من جسد الأم إلى الحياة كجسد دخيل على الحياة.

في (حفلة التفاهة) كتب كونديرا عن شعور (آلان) الذي أنجبته أمه غير راغبة، فكبر وهو دائم الاعتذار، وكأن وجوده غلطة عليه أن يحمل وزرها. يقول: “يجب على المرء أن لا يعتذر، لكنني أُفضّل عالمًا يعتذر فيه الناس جميعًا، بلا استثناء، وبلا داعٍ، وبإفراط، ومن أجل لا شيء، عالمٌ تتزاحم فيه الاعتذارات…”

يتخيّل (آلان) أباه مع أمه، يتخيّل اللحظة التي أنجبته على أنها لحظة كراهية مزدوجة ومتزامنة، يشرح كونديرا شعور (آلان) بالكراهية المزدوجة: “كراهية اللطافة والقوة الجسدية مقترنة مع كراهية الجرأة والضعف الجسدي. وقال في سرّه إنّ ثمرة هذه الكراهية المزدوجة لا يمكن أن يكون إلا معتذرًا: كان وديعًا ولطيفًا مثل والده؛ وسيظل دخيلًا كما رأته والدته. ومَن كان وديعًا ودخيلًا في آنٍ معًا فقد حُكِمَ عليه بمنطق صارم أن يعتذر طيلة حياته”

يذكّرني هذا بفكرة قريبة قرأتها في مذكرات الروائي العراقي (سليم مطر) الذي خُلِقَ في رحم أمه مرفوضًا، لكن رفض ولادته لم يكن وليد الرغبة والاختيار، بل كان رفضًا اضطراريًا تسبب فيه الفقر وكثرة الأفواه التي تحتاج إلى طعام، تحت عنوان (الأجنبي الأبدي) يقول (سليم مطر) في مذكراته (اعترافات رجل لا يستحي): “منذ سنوات، كنت لدى طبيب بدائلي، طرح عليَّ السؤال الغريب التالي:

ـ هل أخبرك أهلك، بأنك كنتَ طفلاً غير مرغوب به؟

لم أفهم سؤاله إلاّ بعد أن أعاده عليَّ بأسهاب وتوضيح. حسب تشخيصه، أني تكونت في رحم أمي من دون رغبتها، وقد حملت بي رغمًا عنها. مثل هؤلاء الأطفال يتملكهم إحساس بأنهم طارئون على الأهل وعلى الحياة، وأنهم يشكلون عبئًا على الآخرين. ولهذا فإنهم يُمضون حياتهم وفي دواخلهم مشاعر اعتذار لأنهم هنا في هذه الدنيا، مثل ضيف ثقيل..”

الدماء تدقّ النوافذ، ممدوح عدوان

في هذه القصيدة التي كتبها ممدوح عدوان المتوفى عام ٢٠٠٤ استشراف لواقع سوريا اليوم، وكأنها نبوءة عرّاف وليست مجرد قصيدة لشاعر:

يبدأ الجرحُ  في وطني بالترابِ  الجريحْ.

ثمّ تحمّرُ منه الدماء.

يبدأُ القهرُ من صرخةِ  الأقبية.

ثمّ يمتد حتى السماء.

يبدأ الوطن الـمُرتجى من طعام الصغار.

ومن الفقر حين تضايقه التسمية.

ينبع الفقر من أوجه الفقراء.

حينما استغفروا الله مسكنةً

حمدوه على اللقمةِ الـمُخزية.

ستروا فقرهم.

مثلما تُسْتَرُ المعصية.

***

هاهي امرأتي تتحركُ وسط الزحام.

تلتقي مُقلتانا

فنَطرِقُ  خوف الكلام.

بيننا السر ينمو بصمت.

نخبئه في الضجيج

وبين زحام الحفاة.

مرة قلتُ  أنظرُ في مقلتيها.

رأيتُ  غدي أفقًا من خيام.

كان شيء من الوجدِ فيها.

انطفأ هلعًا فعرفتُ  البقية.

ها أنا اتدثر:

إنّ  الدماء تدق النوافذ.

توقف زحف المشاة.

بدأ الدم من جرح كف تُجاهد للخبز.

تحني مجاعتها كل عام.

بدأ الجرح من ماء نهرٍ يفيضُ    بوجه الحسين الـمُضرّج

وتدفق في النيل,

والنيل يحملُ وجه الشفيع المدجج.

بدأ الدم من شجرٍ (بين عمّان والنهر)

كانت تقصفه الريح.

والزارعون يغصّون بالدم.

خوف الطغاة,

بردى يلعقُ  الشفتين ويركضُ  ذعرًا

فيُخلي الطريق لسيل الدماء.

من هُنا بدأ الوطن المترامي

قتيلًا  بغير كفن.

وتجمع بين الركام الذي يترسب عبر الزمن.

فنما ظلمة يتستر فيها الحواة

مرة قلتُ  أنظر في مقلتيها

فأرعبني خوفها الـمُختزن.

البنادق كانت مُخبأة,

والدماء تدقُ  النوافذ.

والأرض، من خوفها

تتقشر أُفق رمال.

الدماء تدق النوافذ،

كان الجياع يجوعون سرًا.

يخافون جهرًا

ويخفون في القلب حتى الدعاء

وأنا أرقبُ  امرأتي خلسةً بين جميع النساء.

و أرى رعبها يتجمد نبض سؤال.

والدماء تدقُ  النوافذ.

– كانت بنادقنا في المخابئ-

والغاضبون امتطوا حرقة العُمر

(كي لا يموتوا اختناقًا)

فماتوا اغتيال.

لم يزل بيننا السر ينمو

ونحييه حين أرى وجهها في الزحام.

صحتُ:

يا وطنًا جفّ   حتى تشقق

دع لي بقية.

صحتُ:

يا جَيـَشان الدموع توقف.

لدينا لأحزاننا أبجدية.

كان لي وجه حزنٍ  أليف.

تحسسته فاختفى من يدي.

مَن سيُرجع وجهي إليّ؟

من سيعرف وجهًا

ورثتُ  الندوب به من سيوف التتار.

كان وجهًا به جرحي العربي.

كان جرحًا به دمي العربي.

قلت: يا امرأتي,

أقبلت ليلتي المفجعة.

هو ذا زمن فيه أعداؤنا ينبعون من البيت.

يسرون بين خيوط الدماء.

يسحبون الخناجر,

يأتون من سُحن الأصدقاء.

ومن سحن الأقرباء.

إنها هجمة بدأت بحصار الدماء.

قلتُ  يا امرأتي انتبهي

واحفظي ما ترين.

سقطت عنهم الأقنعة.

والأفاعي التي تطمئن.

وتُظهر أنيابها.

ثمّ تهجرُ أوكارها.

سوف نعرفها.. حيةً.. حيةً..

حنشًا.. حنشًا..

وسنرقبُ  أوكارها.

والأجنحة وسط البيوض.

ونعرف لون العظام.

فلتعج البراري بها.

سوف يتضح الأمر يوم الصِدام.

يبدأ الثأر من جوع أطفالنا.

ودموع الرجال.

سنُخزنُ  أحقادنا الـمُبدعة.

سنحلُ دماها:

أنا فارس الغد, حين نلاقي الزمان.

إنني أرجع الدهر نحو بدايته المفزعة.

وأنا امتطي صعبتي وأراقب كل المداخل.

جاءنا زمن القتل,

لم يبقَ  شهرُ حرام.

فتعالي نعلّم حجارتنا أن تُشير إليهم وتتقنُ أسماءهم.

أخذوا عُمرنا من بدايته.

ولنا سوف تبقى فصول الختام:

يلتقي الجائعون بجوعٍ جديد مقاتل.

إنه زمن القتل عبر جميع اللغات.

لن يكون به آمن.

كل من دخل الأرض يُضحي قتيلًا  وقاتل.

وحجارتُنا ستدلُّ عليهم وتعلنُ  أسماءهم.

ثمّ  لا عفو:

للفقر ذاكرة لا تخون الدماء السبية.

إنهم يحسبون الزمان مشانق.

نحنُ نحصي الزمان بما يتجمع من طلقاتٍ  لهذه البنادق.

سنفاجئهم

هذه امرأتي حبلت من دمائي النقية.

حبلت رغم كل البلايا, وقد سَلِمَتْ  من جميع المآزق

الدماء تدق النوافذ,

وامرأتي حامل وصبية.

وأنا والد الطفل.. أولدتُها بندقية.

وأنا والد الطفل.. أولدتها بندقية.