آخر مقابلة للطّبيب النمساوي “سيغموند فرويد”.

ترجمة: أروى الحسين

‏درسَ سيغموند فرويد (1856-1939) مؤسس علم التحليل النفسي النمساوي الطب في فيينا. وواصل تدريبه في باريس، اشتهر فرويد بنظريات العقل واللاوعي، وآلية الدفاع عن القمع وخلق الممارسة السريرية في التحليل النفسي لعلاج الأمراض النفسية عن طريق الحوار بين المريض والمحلل النفسي. كما اشتهر بتقنية إعادة تحديد الرغبة الجنسية والطاقة التحفيزية الأولية للحياة البشرية، فضلا عن التقنيات العلاجية، بما في ذلك استخدام طريقة تكوين الجمعيات وحلقات العلاج النفسي، ونظريته من التحول في العلاقة العلاجية، وتفسير الأحلام كمصادر للنظرة الثاقبة عن رغبات اللاوعي. في عام 1938م هاجر إلى المملكة المتحدة. ومات بسبب سرطان الحنجرة.

‏”لقد علّمتني 70 عامًا أن أقبلَ الحَياة بصدرٍ رحِب”. من يقولُ هذا هو المُستكشف العظيم لأعماق الروح. لا يُوجد بشري آخر مثل فرويد اقترب من إيجاد تفسير للسلوك الإنسَاني.

‏أجرينا هذا الحديث خلال إقامته الصيفية في منزله القريب من جبال الألب. كان وجههُ يتقلص كما لو كان يُعاني لكن عقله بقي في حالة تأهب دائمًا، شعرتُ بالقلق بسبب الصعوبة التي واجهها في الحديث. فقد خضع مؤخرًا لعملية جراحيّة بسبب مرضٍ خبيث في فكّه العلوي.

‏س. فرويد: أنا أكرهُ هذا الفكّ الصّناعي. الصراع معه يجعلني أضيّعُ طاقة ثمينة. لكني أُفضّل أن يكون لديّ فك صناعي بدلًا من عدم وجود أي شيء، والبقاء على قيدِ الحَياة. تُصبح الحَياة مستحيلة عند تقدمنا في العُمر. لكن الربّ يُظهر الرحمة والتعاطف، يبدو لنا الموت أقل تسامحًا من الأعباء المتعددة التي نتحمّلُها، لماذا يجبُ أن أتوقع مُعاملة خاصة؟ الجميعُ يشيخ ويموت. بعد كُل شيء لقد عشتُ 70 عامًا، دائمًا ما كانَ لديّ طعام يكفيني، استمتعتُ بأشياء كثيرة، ولديّ تلك الصَداقة الحميمة مع زوجتي وأطفالي.

جورج س. فيريك: تأثّر الكثيرونَ بأعمالك ونُشر بعضها في العديد من البُلدان، وبمناسبة عيد ميلادك السبعين، حصلتَ على تهنئات عديدة، باستثناء جامعتك، هل تعرفُ لماذا؟

‏س. فيرويد: إذا كانت جامعة فيينا قد اعترفت بي لكنتُ شعرتُ بالخجل، لا يُوجد سبب يجعلهم يعرفونني لمجرد أن عمري 70 عامًا، أنا لا أُعطي أهميّة كبيرة للأرقام، الشهرة تأتي بعد الموت، وفي الحقيقة ما يحدثُ بعد ذلك لا يُقلقني، أنا لا أرغبُ في الحصولِ على المجد بعد وفاتي.

جورج س. فيريك: ألا يعني ذلك أن اسمك سيبقى؟

‏س. فرويد: لا شيء أبدًا. مستقبلُ أولادي يُهمني أكثر من أي شيء آخر. آملُ ألّا تكون حياتهم صعبة، لم يعد باستطاعتي مساعدتهم. الحرب (الحرب العالمية الأولى) أنهت عمليًا ثروتي المتواضعة، لكني أنقذتُ نفسي لحُسن الحظّ، ما زالَ عملي يُسعدني.

‏(مشيْنا عبر الحديقة في منزله -ضربَ فرويد شجيرة بلطف) أنا مُهتم بهذه النباتات أكثر من أيّ شيء قد يحدثُ عندما أكونُ ميتًا.

‏جورج س. فيريك: ألا ترغبُ بالخلود؟

‏س. فرويد: بصراحة، لا. عندما يتخيلُ المرء كُل تلك الأنانية وراء السلوك البشَري فإنهُ لا يرغبُ في أن يُولد من جَديد. يسُرني أن أعرف أن مرض الحَياة الأبدية قد انتهى أخيرًا. حياتنا تتكون من سلسلة من الالتزامَات. إنهُ صراع لا نهاية له بين الأنا وبيئتها، الرغبة في إطالة عُمر الحيَاة الطبيعية تبدو سخيفة، لا يُوجد سبب يجعلني أرغبُ في العيش أطول، أنا سعيدٌ لحدٍ مَا لأنني أُقدّر غياب الألم للحظات ما يعجلني أستمتعُ بملذات الحَياة الصغيرة بجانبِ أطفالي وزهوري.

‏من المُمكن أن الموت بحد ذاته ليس ضرورة بيولوجية. ربما نموت لأننا نُريدُ أن نموت، كما هو الحَال في أعماقنا، قد تعيشُ الكراهية والحُب معًا في قلب شخصٍ ما، كذلك الحَياة؛ ‏تتعايشُ الرغبة في الموت والرغبة في الحَياة في داخلنا، الموت هو شريك الحُب. معًا يحكمون العالم. في أصلِ التحليل النفسي، أفترضُ أن الحُب هو الأكثر أهميّة، نحنُ نعرف الآن أن الموت مُهم بنفسِ القدر. من الناحية البيولوجية، كل كائن حيّ، مهمَا كانت نارُ الحياة تحترق بداخله، يميلُ إلى السَكينة، ويريدُ أن يُشفى من تلك الحمى التي تُسمى “الحيَاة” يُمكننا أن نفترض فكرة أنّ الموت يصل إلينا لأننا نُريد ذلك.

‏ربما يُمكننا التغلب على الموت، لولا الحليف الذي بداخلنا، لذلك يُمكننا القول أن كل موت: هو انتحار سرّي.

‏جورج س. فيريك: ما الذي تعملُ عليه الآن؟

‏س. فرويد: أكتبُ دفاعًا عن التحليل النفسي العلماني. إنهم يُريدون جعلهُ عملًا غير قانونيّ، في البداية يُعارض الأطبّاء بشدة أيّ حقيقة جديدة، بعد ذلك مُباشرة، يحاولون احتكارها.

جورج س. فيريك: هل قمتَ بتحليل نفسك حتى الآن؟

‏س. فرويد: يجبُ على المُحلل النفسي أن يحلل نفسه باستمرار، ذلك يزيدُ من قدرتنا على تحليلِ الآخرين، يُشبه المحلل النفسي كبش فداء العبرانيين حيثُ يلقون بآثامهم عليه.

جورج س. فيريك: لطالما اعتقدتُ أنه ما من شيء في الوجود الإنساني لا يُساعدنا التحليل النفسي على فهمه.

‏س. فرويد: التحليلُ النفسي يُعلمنا كيف نتجاوز، لأن التسامح ليس نتيجة طبيعية، لغتي هي الألمانية. ثقافتي ألمانية، اعتبرتُ نفسي ألمانيًا حتى أدركتُ أن التحيزات المُعادية للسّامية تتزايد في ألمانيا والنمسا منذ ذلك الحين، توقفتُ عن اعتبار نفسي ألمانيًا

‏(شعرتُ بخيبة أمل. كما رأيُتها فيه، كانت روح فرويد لتطيرَ عاليًا متجاوزة أي تحيّز عرقي، ومع ذلك فإن سخطه، جعله إنسانًا أكثر جاذبية)

جورج س. فيريك: من دواعي سروري أن أكتشفَ يا أستاذ هذا المجتمع من حولك.

‏س. فرويد: مجتمعاتنا هي سببُ ضعفنا، ولكن أيضًا هي ما تمُدنا بالقوة.

جورج س. فيريك: أحيانًا أتساءل عمّا إذا كنا سنكون أكثر سعادة عندما نعرفُ ماهيّة تلك العمليات التي تشكل أفكارنا وعواطفنا؟

‏س. فرويد: التحليل النفسي يُجرد الحياة من سحرها عندما نربط كل هذه المشاعر بالمجتمعات التي تنشأ منها. لنجد أن لدينا قلب وحشيّ، مُجرم، وذلك لا يجعلنا أكثر سعادة.

‏لكن ليسَ لديّ شيء ضد الوحوش، إنهم لا يُعانون من تفكُك الأنا الذي ينشأ عن مُحاولة الإنسَان للتكيّف مع قواعد الحضارة. التعاسَة هي طريقة الرجل للانتقام من المجتمع بسبب القيود التي يفرضها عليه. إن أكثر عادات الإنسان السيئة: الكذب، الضعف، عدم الاحترام: هي نتاج تكيُّف غير كامل لحضارة معقدة. إنها نتيجة الصراع بين غرائزنا وثقافتنا. لكنها نتائج مرضية أكثر بكثير من العواطف البسيطة للكلب الذي يهز ذيله عندما يكون سعيدًا أو ينبح ليُظهر الغضب!

جورج س. فيريك: ربما أنت مسؤولٌ قليلًا عن مضاعفات الحضارة الحديثة. فقبل تأسيس علم التحليل النفسي لم نكن نعلمُ أنّ شخصياتنا تكون تحت سيطرة مجموعة محاربة من المجتمعات. لقد حول التحليل النفسي الحياة إلى لغزٍ مُعقد.

‏س. فرويد: أبدًا، التحليلُ النفسي يبسِّطُ الحياة. بعد المراجعة، حققنا توليفة جديدة. التحليل النفسي يعيد تنظيم متاهة النبضات الغير مُنتظمة، إنه يعطي الإنسان الخيط الذي يسمح له بمغادرة متاهة اللاوعي.

‏لا تجعلني أبدو مثل متشائم. أنا لا أحتقرُ العالم. إظهار الاحتقار للعالم هو مجرد وسيلة أخرى لإغرائك للاعتراف به. لا، أنا لستُ متشائمًا. لديّ أولادي وزوجتي وزهوري. أنا لا أشعرُ بالتعاسة. على الأقل، ليس أكثر من الآخرين.

‏*أجرى هذه المُقابلة جورج سيلفستر فيريك عام 1930م