لا عاصم اليوم، لا معصوم

يُعذّبني تأنيب الضمير، يُعذّبني. يسحلني في ليالٍ كثيرة، يُذكّرني بعتمة روحي التي أطفأت في أرواح الآخرين البهجة أو الصدق أو الثقة أو اليقين أو وهج اللحظة، أو انتزعت من اللحظة الرتيبة العادية عاديّتها وجعلتها لحظة قاتمة وخانقة.

تعذّبني الذاكرة، وترعبني فكرة أنّ بعض تصرفاتي التي أتذكرها أو لا أتذكرها قد صارت ندوبًا في ذاكرة أي شخص عرفته.

تعذّبني قلّة حيلتي أمام فظاعات العالم ومآسيه، وأتعذّب أكثر حين أتصور أن يدي العاجزة عن إصلاح العالم قد تكون فاعلة في تخريبه أو في مفاقمة أوجاع من يتعذبون يوميًا فيه. فما أنا إلا وريثة آدم وسلالته، على ظهري إرث هائل من الخطايا البشريّة والنقص الوراثي.

يعذّبني الانتصار والتعادل والخسران، إن انتصرتُ لنفسي بردّ الأذى مضاعفًا لمن آذاني، أو إن سعيت إلى إنصاف نفسي ممن يؤذيني بإتخاذ إجراء يحقق العدالة والتعادل، أو إن خسرتُ نفسي واستسلمت للأذى، في كل هذه الأحوال أتعذّب، أتعذّب من فكرة أننا في هذه الحياة المتسعة لنا جميعًا، لا نملك إلا خيارات ضيقة في تعايشنا معا، إما أن نؤذي الآخرين، أو يؤذوننا.

زهير بن أبي سلمى بعد أن سئم تكاليف الحياة، واختبر الناس، وعركته الخطوب، وأنضجته الأيام، وسار به العمر إلى مكان شاهق وقصيّ فصار من مكانه هذا يرى الحياة برؤية أوسع، وينظر إلى المشهد كاملًا، يقول: “ومن لا يتقي الشتم يُشتمِ” و “من لا يظلم الناس يُظْلمِ”
أيعقل يا زهير؟ أيعقل أنك من على جبل الشيخوخة الشاهق ما رأيت في حياتنا مناطق آمنة وحيادية لا تطحنها رحى الصراعات؟

One thought on “لا عاصم اليوم، لا معصوم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s