مجلس عزاء الإنسانية

اللغة مَلَكة الإنسان التي ينفرد بها عن الكائنات، والأدب أسمى تجليات هذه المَلَكة؛ فهذا الإرث الإنساني الأعظم لا يبرمج حاسوبًا أو يخترع جهازًا ذكيًّا أو يصنع شيئًا ماديًّا، فقدراته أمضى من الآنيّة، قدراته تمكنّه من الخلود. نستودعه ماضينا ونربّت به على أكتاف الحاضر المُتْعب.
الأدب لا يُرمّم الماضي، ولا يهذّب الحاضر، ولا يرتّب مكانًا مريحًا للمستقبل… لا يقتل الطغاة، ولا يمنح الفقراء خُبزًا، أو ينتزع السلاح رغمًا، ولا يدلّ مجلس الأمن على مخبأ الأمن المذعور من فظائع العالم.
لكنّ كل هذه (اللاءات) لا تنال من فاعليته، فهو طريقة الإنسان الأزليّة لقول (لا) لكل القبح الإنساني. الأدب مثل يدٍ حانية ومجرِّبة، يد خالدة لمست كل المآسي الإنسانية، اختبرت كل الفظائع، ولطالما تشنّجت غضبا من قلّة حيلتها، وأصابها الشلل مرّات ومرّات، اكتوت بنيران هائلة، ودخلت إلى جحور التجارب وعانت من كل اللدغات. ثمّ جاءت بعد هذا كلّه لتربّت على كتفك بكل حنو… ❤
يوثّق التاريخ المظالم ووحشية الإنسان مع أخيه الإنسان، بينما يوثّق الأدب انعكاسات هذه المظالم في نفوس الناس، يوثّق شعورهم حيالها، ومكابداتهم معها. ولنا في أدب السجون عبرة، ولنا مع أدب الحروب ألف قصّة وقصّة.
باختصار، الأدب أقوى حراك معارضة ضدّ سيادة الطغيان وأقوى مجاهد يحاول أن يهزم الموت.
فالتاريخ متحدث رسمي باسم السلطة، والأدب هتاف الشعوب.وقد كتب هوراس في القرن الأول قبل الميلاد: “كم مِن رجلٍ شجاع عاش قبل عهد أغاممنون، ولكنّ الليلَ الطويل غطاّهم جميعاً، مجهولين لم يشيّعْهم أحد، لأنهم كانوا يفتقدون شاعرًا”
يعلّق مانغويل على مقولة هواس بقوله: نحن أوفرُ حظّاً، إذ أخذنا بما تضمره كلماتُ هوراس. القصائد والقصص التي ستحرّرنا (أو التي سنعثر فيها على نوعٍ من الخلاص) تُكْتَبُ الآن، أو سوف تُكتَب، أو قد كُتِبت وهي في انتظار قُرّائها، لتتولّى عبر امتداد الزمن، المرة تلو الأخرى، القول إن عقلَ الإنسان أوسعُ حكمة على الدوام من أفظع أفعاله، لأنه يستطيع تسميتها؛ وإن ثمة شيئاً في الكتابة الجيدة التي تصف أفظع أفعالنا يكشفُ عن شناعة تلك الأفعال فلا تبدو منيعةً عصية على الاختراق؛ وإن الكاتب الملهَم، رغم هشاشة اللغة واعتباطيتها، يستطيع أن يروي ما هو عصيٌّ على القول ويمنحَ شكلاً لما هو عصيٌّ على التفكير، بحيث يخسر الشرّ بعضاً من سطوته الغامضة ويقف مختزَلاً إلى بضع كلمات لا تُنسى.”
ويقول رسول حمزاتوف في كتابه (بلدي): “تاريخ العالم، كمصير أي إنسان، يجب أن نقسمه إلى قسمين: قبل ظهور الكتاب، وبعد ظهور الكتاب. الفترة الأولى ليل، الفترة الثانية نهار ساطع. الفترة الأولى وادٍ ضيق مظلم، والثانية سهل واسع أو قمة جبل”
‏يقول بورخيس عن هذا الإرث الإنساني العظيم: “إن الكتاب هو الأكثر دهشة بين كل الأدوات التي اخترعها الإنسان طوال تاريخه، إذ أن بقية الأدوات هي امتداد للجسد، فالميكروسكوب والتلسكوب امتداد لرؤية الإنسان، والهاتف امتداد لسمعه، المحراث والسيف امتداد لذراعه، غير أن الكتاب امتداد لشيء آخر، امتداد للذاكرة والمخيلة”
ف‏الأدب أقدم وأوسع مجموعة دعم للمنكوبين في قٌبح هذا العالم. في كتاب (مهنة العيش) كتب بافيزي: “القصائد هي الثأر من حسيّة محضة” وكتب أيضا: “‏ذلك الشِعر الذي نتج عن الحرمان، كان مؤيّدًا بواقع أنّ الشعر الإغريقي الذي يدور حول الأبطال نشأ حين كان أسلافهم مطرودين من أوطانهم حيث يرقد أولئك الأبطال”
وفي مقال بعنوان (لا بدّ من الشعر) يقول ممدوح عدوان: “الشعر هو ذلك الشيء الإيجابي العظيم، هو ما يؤكد لنا أننا نبكي لأننا لم نتعوّد الذلّ بعد ولم نقبله، وأنّنا ننزف لأننا لم نمت، وأننا نغضب لأننا لم نتأقلم مع الظلم”
الأدب فعل مقاومة، وحرب استنزاف مع كل ما يستنزف إنسانيتنا. إنّه الفأس التي تكسر البحر المتجمّد فينا على رأي كافكا.
يورد ما نغويل في كتابه (مدينة الكلمات) جملة لدوبلن تقول: “اللغة صيغة من حبّ الآخرين”
وتتحدث إيزابيل الليندي في الكتاب الذي أرّخت فيه فجيعتها بفقد ابنتها باولا عن الكتابة التي أنقذتها من حزنها، وعن رواياتها المليئة بالأطفال اليتامى الذين تختلقهم كي تواسي الطفلة التي كانتها في فقد أبيها الذي خذلها، إذ خرج ذات يوم ليشتري السجائر ثم لم يعد قط. فأحاطت يُتمها بيتامى رواياتها لتلعب معهم فتنسى أسئلة الفقد وحسرة الغياب… كما تصرّح أن رواياتها تدور غالبًا حول نساء مستقلات قويّات، كافحن ليتغلبن على الصعاب. كي تقول لكل امرأة تكابد على هذه الحياة: لستِ وحدك، أنتِ جزء من كفاح جماعي…
الروائية إليف شفق عاشت وحيدة أيضا، محرومة من حضور الأب الذي اجتث جذوره من حياتها وتركها بلا ظل، فصارت مدينة للكتب التي أنقذتها في طفولتها من شعور الوحدة.

في قصة لغاليانو بعنوان (وظيفة الفن) يقف طفل وشاب أمام البحر، أحدهما يرى البحر لأول مرّة، فيقول لصاحبه: ساعدني كي أرى. وهذه الجملة هي وظيفة الفن التي يشير إليها العنوان، فالفنّ اتّساع في الرؤية، رغم ضيق الوقت.
عن الفن أيضا -والأدب جزء من النتاج الفني- كتبت أوليفيا لاينغ في كتاب (المدينة الوحيدة) الذي تقصت فيه معاناة الوحيدين في مدينة نيويورك المكتظّة بكل شيء ما عدا الألفة، وتتبعت النتاج الفنّي الذي كان وليد الوحدة الشاسعة لمبدعيه، تقول: “هنالك العديد من الأشياء التي لا يمكن للفن فعلها. لا يُمكن للفن إحياء الموتى، لا يمكن للفن حل المشاكل بين الأصدقاء، أو علاج الإيدز، أو حل مشكلة الاحتباس الحراري، ورغم هذا فإن للفن بعض الوظائف الخارقة للعادة، قدرة غريبة للتفاوض بين البشر، خاصة بين أولئك الذين لم يسبق لهم الالتقاء من قبل والذين بإمكانهم أن يُثروا ويُكمِلوا حياة بعضهم البعض. وله أيضا قُدرة على خلق الأُلفة، لديه طريقة مميزة يشفي بها الجراح، وأفضل من هذا بإمكانه أن يوضّح لنا أنه ليست كل الجروح بحاجة للشفاء، وليست كل الندوب قبيحة”
ولعل أقصر وأدلّ وصف للأدب، يتمثل في قول لؤي عباس: “لقاء مصائر لا يخلو من فجيعة”

أما أنا فأرى الأدب كمجلس عزاء أزلي لا ينفضّ أبدًا.

3 thoughts on “مجلس عزاء الإنسانية

  1. كنت مثلك أظن ان النجاة من كل كوراث الارض لا تكون الا بالكتب والادب ولكني اليوم بعد فقدي لوالداي بشهر واحد أقول ان الادب لا يحيا الموتي ولا يعيد لنا تلك اللحظات التي فقدناها واصبحت الان مجرد ذكري.. لا أنكر باني الان امسك كتاب كبير واحاول قراءته والتفكير بما فيه كمحاولة مني للبحث عن ضوء وسط كل هذه الظلمات ولكن من سيعيد صوت أبي وضحكة أمي لا شئ

    إعجاب

    1. لا يمكننا النجاة من الفقد، وربما لا يمكننا النجاة من الحزن أيضا… لا يمكن لشيء أن ينقذنا… لكن الأدب يذكرنا أننا لسنا وحدنا…
      عظم الله أجرك.
      وأنزل السكينة والصبر والثبات على قلبك.
      تعليقك أظهر لي عجز الكلمات… وخيانة اللغة… وضعف الحيلة.. ومرارة العجز….

      قلبي ودعواتي معك ❤

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s