“ماحدا بيلغي جناحاتي”

من سجنه، كتبَ الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الرمادي كتابًا سمّاه كتاب (الطّير) وصف فيه كل طير رآه خارج السجن شعرًا.
ومن سجنها كتبت روزا لوكسمبرغ رسالة إلى صديقتها تقول فيها: “تتساءلينَ عمّ أقرأ؟ العلوم الطبيعيّة في غالب الأحيان… البارحة كنتُ أقرأ عن أسباب اختفاء الطيور المُغَرِّدة في ألمانيا… تألمتُ من فكرة التدمير البطيء لهذه المخلوقات الصغيرة المسالمة التي لا حولَ لها ولا قوّةَ، وانهالت دموعي على وجهي”
وفي ذات الرسائل تقول: ‏”هل تصدقيني إن قلت لك إنه يمكن للأغنية التي يغردها العصفور أن تكون ممتلئة المعنى؟ كانت أمي التي تعتقد أن (شيلِر) والإنجيل هما أسمى مصادر الحكمة مقتنعة بأن الملك سليمان يفهم لغةَ الطيور…كانت بساطة أمي تجعلني أبتسم لكنني اليوم كبرتُ لأصبح كالملك سليمان، فأنا أيضا أفهم لغة الطيور”
وعن غناء العصافير حين تسمعه من زنزانتها كتبت: “قلبي يرتعش إثارة ومعاناة لدى سماعي هذا الغناء فأرى وجها جديدا لحياتي وللعالم…هذا الغناء الرقيق الذي لم يستمر أكثر من نصف دقيقة ملأ صدري بفيض من الحنان وندمت فورًا على كل قسوة أحاسيس مارستها، وقررت أن أكون طيبة، طيبة بكل بساطة وبأي ثمن، هذا أفضل من أن أكون على حق”
وفي سجن تزممارت الرهيب، الذي سُجِنَ فيه عدد من الضباط المغاربة ثمانية عشر سنة لم يروا خلالها الشمس ولا النهار ولا الضوء ولا الأهل ولا الأحباب، حكى أحمد المرزوقي في كتابه الموجع عن هذه التجربة قصّة فرخ الحمام الذي سقط في زنزانته ذات يوم، فصار أنيسًا للسجناء، يطربون لرؤية أجنحته البيضاء وسط العتمة التي اعتادوها، أطلقوا عليه اسم (فرج) ولم يرغبوا في حبسه معهم، أطلقوه أكثر من مرة لكنه كان يعود في كل مرّة، يعود كما لو كان مبعوث الحريّة والفضاء الطلق إلى عتمة السجن وفظاعة القيد. تذكّرني قصّة حمامة تزممارت بقصّة الحمامة الأولى التي أرسلها نوح عليه السلام بعد الطوفان ليتأكد بواسطتها من عودة الحياة إلى الأرض، فطارت وعادت، ثمّ طارت وعادت، ثم طارت وعادت أخيرًا بغص زيتون ينبئ عن الحياة التي تفتّحت على الأرض من جديد بعد الغرق والهلاك.

أظنّ أن حلم الطيران حلم مشترك لجميع البشر، ربما ما مرّت طفولة أحد منّا دون أن يرى نفسه في المنام يطير… لكنّ هذا الحلم يصير أكثر إلحاحًا وأكثف حضورًا في النوم واليقظة حين يفقد الإنسان حريته، وتلتهم الزنازين أيامه، وتكبّل القيود يديه وقدميه، ولكن كلّ هذا لا يكسر جناحيه، بل ينبت له جناحان في خياله فيطير بواسطتهما إلى المدى المفتوح خلف هذا الضيق.

ولذا أحبّ الطيور بكافة أنواعها وأشكالها، من العصافير إلى الحَمَام إلى النوارس وحتى الغربان والبوم لا أستطيع أن أحصرها في سياقات الشؤم والتطيّر، فما أن تفرش جناحيها حتى تعود رمزًا للانطلاق والتحرّر… أحبّ الطيور وأراها في مناماتي الجميلة أيام حزني، وفي مناماتي العاديّة في زحام أيامي الخاليّة من أي شعور، أحلم بالحَمَام وبالعصافير… مرّة رأيتُ في منامي النوارس في غير مكانها، إذ حلمتُ أنّي ألتقطُ فيديو لطائر نورس يطير على قريتي الجبليّة البعيدة عن البحر وأبعث بالفيديو إلى صديق يعيش على ضفاف الخليج مع تعليق: “بيننا وبين البحر ٤٠٠ كيلو ومع هذا فالنوارس عندنا”. بعد شهرين فقط من هذا المنام ضاقت ضفاف الخليج وقريتي الجبلية ومدينتي الساحليّة وكل الأمكنة على هذه الأرض ضاقت، ضاقت عليّ كزنزانة بعد أن غيّبوا رفاقي في عتمة السجون… وبقيتُ في صحوي أحلم بطائر النورس ذاك الذي حلمتُ به في منامي من قبل. أحلم به في يقظتي يطير فوق وعورة أيامي، بعيدًا عن نداوة البحر… كأملٍ يطلّ على الأرض اليباب… ولم يخذلني الطائر ولا خذلتني أجنحة الحلم… عاد صديقي، وسيعود الرفاق💙

2 thoughts on ““ماحدا بيلغي جناحاتي”

  1. جميل جداً .. وبالفعل كلما زادت قيودنا وما تكبلنا به الحياة كلما زاد توقنا للحرية .. للطيران بعيداً .. ويصبح المجهول تحرراً من سجن المعلوم

    Liked by 1 person

  2. جميلة تلك الكلمات، وتلك الاقتباسات، أجمل تدوينة لهذا اليوم.
    الحرية موجودة حتى ولو نحن مقيدون، يمكننا أن نخلق لأنفسنا أجنحة حتى لو كنا في سجن أسود كئيب.
    أفكار جميلة حقا. شكرا.

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s