بخير

بخير، أنا دائمًا بخير.
ما دمتُ أملك صلاحية استعارة ضحكتي القديمة، أعرفُ أنها لم تعد ملائمة لوجهي الذي جفّفه اليأس وجرّحته ملوحة الدمع، لكن أستعيرها، أستعيرها من خزائن العمر، لأجرّبها كما تجرب النساء فساتينهن القديمة عند ترتيب خزائن الثياب وترميم الذاكرة.

بخير، أنا دائمًا بخير.
ما دمت أذكّر عتمة روحي باللون الأخضر، أذكرّ روحي أنها لم تنشأ في العتمة ولم تكبر في العمى، أذكّرها أنّ لها ذاكرة مع الألوان علّ هذه الذاكرة النديّة تُرطّب ما اعتراها من يباس.

بخير، في أشدّ أيام بؤسي أنا دائمًا بخير.
بوسعي ترميم قلبي، أعلّق على جدرانه ذكرياتي الجميلة، فأدرك أنني عشتُ شيئًا غير هذا التشظي، ومهما تألّم قلبي الذي أعيته الكسور، لن تضيع عنه حقيقته، ولا ذاكرته مع التوثّب والقفز فرحًا، والركض شغفًا، والطيران سعادة.

بخير، أنا دائمًا بخير.
إذ ما زلتُ قادرة على شكر ‏اليد التي أفلتت يدي، فبدونها أجد مخرجي من الضياع.
ما زلتُ قادرة على شكر الوقت الذي صفع باب اليأس في وجهي، فمن حينها اكتشفتُ اتّساع النافذة.
ما زلتُ قادرة على شكر الغرباء الباسمين، الغرباء الذين لا أعرفهم ولا يعرفون مدى طمأنينتي حين تشرق ابتساماتهم على عتمتي، فيساعدونني على الوصول إلى مخرج الطوارئ حين يخذلني الأحبّة.
ما زلتُ قادرة على شكر الأحلام المؤجلة، وعلى ركنها البعيد ألمح عمرًا بانتظاري. وما زلتُ قادرة على شكر الأحلام المنطفئة فقد وفّرت عليّ فواتير الانتظار.
ما زلتُ قادرة على شكر الأيام المجدبة، إذ درّبتني على النظر إلى السماء وانتظار الغمام. فعوّدتني على رفع رأسي دائمًا.
ما زلتُ قادرة على شكر خساراتي المبكرة، إذ باكرتْ بالمخالصة وإخلاء طرف الأمل، فالأمل موظّف عنيد لا يصمت ولا يعمل.
بخير لأنني ما زلتُ متصالحة مع الخسائر المتأخرة، إذ مكنتني من تحصيل استحقاقات مكافأة نهاية الخدمة من الذكريات والدروس والتجارب والندوب.

بخير، أنا دائمًا بخير.
ولا زلتُ أشكر قدرتي على شكر كل شيء.

بخير، أنا دائمًا بخير. وفي قلبي أجد الشقّ الذي يدخل منه النور، فأجرؤ على خدش وجه الحُزن المتجهم.
بخير، لأنّ قلبي يُحصي الأحبة، فتتضخم مكاسبي، وتتلاشى خساراتي.
بخير، لأن لي قلب يستثمر في المناطق المحايدة، فينمّي رصيدي من الرضا والقناعة.

بخير، أنا دائما بخير.

فما زال عندي خنادق أتمترس خلفها، ومخارج طوارئ كثيرة. ما زال في القلب أصدقاء يكنسون العتمة ويفتحون النوافذ للهواء والشمس والحريّة. ما زال في المحيط أحبّة لا يرون منّي إلا أجمل ما فيّ، فأحتال بضياء رؤاهم على عتمة رؤاي.

ما زال لقلبي أولياء صالحون أتوسّل بواسطتهم للحياة أن تدوم ما داموا معي، كي أغلب بكثرتهم وكثرتي بهم شجاعة الوقت وجرأته على ارتكاب الفظاعات.

ما زال عندي عمل ينتزعني من فراشي كل صباح، ويهمس في أذني: ليس بوسعك إنقاذ هذا العالم المنكوب، لذا ابحثي عن خلاصك، جاهدي كي لا تتحولي إلى صورة عن ما تكرهين، تحسّسي قلبك كل يوم كي تتأكّدي أنّه لم يتحجّر، فيصيرُ جدارًا يصدّ النور والناس، وأن لسانك لم يزدد حدّة، فيصير نصلًا. وأن عينيك لم تتآلف مع عتمة العالم فتعمى عن الحزانى والمتعبين والمظلومين، تأكّدي أن أذنيك لم يعطلهما الضجيج وما زال بوسعمها تمييز الأنين…
وما زلتُ أتساءل: كيف أتأكّد من صدق حاستي التي أتحسّس بها نفسي؟ فالسيئون والطغاة لا يدركون ما هم عليه، وقد أكون منهم… لكن على أي حال سأتذكّر يوميا أنّ هذه حربي الأبديّة مع نفسي، ومع تحوّلات الوقت، وأرجو أن لا أنطفئ تحت رمادها. كي أظلّ دائمًا بخير.

بخير، أشعر أني بخير حين أتذكّر أنّ هناك أغانٍ عبرت أذني في لحظات ماضية ومازال مكتوب لنا أن نتعثر ببعضنا مرةً أخرى، نبتسم لصدفة اللقاء، ثم نتعانق بشكل أبدي…
وهناك قصائد لم أقرأها بعد، لم أتجذّر في أرضها فتورق روحي بالمعنى وتتسع لي الظِلال.
هناك أطفال لم أعرفهم بعد، لم أقاسمهم الحلوى ويقسمون لي من رغيف دهشاتهم ما يسدُّ جوعي للبسمة والفرح والحياة.
هناك صبايا ضعف اللاتي عرفتهن وشاهدتهن، وبعددهنّ مازال ثمة متسعٌ للتيه المنتشي في تفاصيل أحمر شفاههن وقصّات ثيابهن وطريقتهن في اختيار طلاء الأظافر…
هناك مدنٌ لم أدخلها بعد، لم أعلّق عيني على واجهات محلاتها التجارية، لم ترقص روحي على وقع ضجيجها، لم أتفيأ ظلال شرفاتها، لم تخدشني زوايا حاراتها الضيقة…
بخير، أشعر أني بخير حين أتذكر أنّ عندي مرفأ للأشياء الجميلة التي عبرت ومازال بوسعها أن تتكرر، عندي متسعٌ لما لم يحدث بعد لكن لم يفتْ أوان حدوثه… بخير، لأنّي أتذكر كل هذا، فأتذكّر شعوري بالحياة.

فالضحكة، الطفولة، العناق، التلويح، القفزة، باقة الورد، الابتسامة، شهقة الفرح… إلخ. كلها أشياء جميلة وعمرها قصير، لحظية. لكنها ليست عابرة، تعود دائمًا، تعود أبدًا…

بخير، نحن دائما بخير.

بخير ما دمنا لا نعدم أبدًا من أولئك الطيبين الذين ينقّون الشوك من طرقاتنا وأقدامنا وثيابنا، ويمهّدون لنا طريقًا نحو الأمام خاليًا من نتوءات الماضي آمنًا من جفاء الرفقة.

بخير، ما دمنا لا نعدم الصحاب الذين اعتادوا ظلام أحزاننا وتآلفت أعينهم معه حتى صاروا يبصرون فيه، ويدلوننا على المنافذ.

بخير، نحن دائمًا بخير. لأننا لا نعدم أبدًا من القادرين على تذكير الحياة بأنّها حياة، وليست مجرد احتضار يطول.

“ماحدا بيلغي جناحاتي”

من سجنه، كتبَ الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الرمادي كتابًا سمّاه كتاب (الطّير) وصف فيه كل طير رآه خارج السجن شعرًا.
ومن سجنها كتبت روزا لوكسمبرغ رسالة إلى صديقتها تقول فيها: “تتساءلينَ عمّ أقرأ؟ العلوم الطبيعيّة في غالب الأحيان… البارحة كنتُ أقرأ عن أسباب اختفاء الطيور المُغَرِّدة في ألمانيا… تألمتُ من فكرة التدمير البطيء لهذه المخلوقات الصغيرة المسالمة التي لا حولَ لها ولا قوّةَ، وانهالت دموعي على وجهي”
وفي ذات الرسائل تقول: ‏”هل تصدقيني إن قلت لك إنه يمكن للأغنية التي يغردها العصفور أن تكون ممتلئة المعنى؟ كانت أمي التي تعتقد أن (شيلِر) والإنجيل هما أسمى مصادر الحكمة مقتنعة بأن الملك سليمان يفهم لغةَ الطيور…كانت بساطة أمي تجعلني أبتسم لكنني اليوم كبرتُ لأصبح كالملك سليمان، فأنا أيضا أفهم لغة الطيور”
وعن غناء العصافير حين تسمعه من زنزانتها كتبت: “قلبي يرتعش إثارة ومعاناة لدى سماعي هذا الغناء فأرى وجها جديدا لحياتي وللعالم…هذا الغناء الرقيق الذي لم يستمر أكثر من نصف دقيقة ملأ صدري بفيض من الحنان وندمت فورًا على كل قسوة أحاسيس مارستها، وقررت أن أكون طيبة، طيبة بكل بساطة وبأي ثمن، هذا أفضل من أن أكون على حق”
وفي سجن تزممارت الرهيب، الذي سُجِنَ فيه عدد من الضباط المغاربة ثمانية عشر سنة لم يروا خلالها الشمس ولا النهار ولا الضوء ولا الأهل ولا الأحباب، حكى أحمد المرزوقي في كتابه الموجع عن هذه التجربة قصّة فرخ الحمام الذي سقط في زنزانته ذات يوم، فصار أنيسًا للسجناء، يطربون لرؤية أجنحته البيضاء وسط العتمة التي اعتادوها، أطلقوا عليه اسم (فرج) ولم يرغبوا في حبسه معهم، أطلقوه أكثر من مرة لكنه كان يعود في كل مرّة، يعود كما لو كان مبعوث الحريّة والفضاء الطلق إلى عتمة السجن وفظاعة القيد. تذكّرني قصّة حمامة تزممارت بقصّة الحمامة الأولى التي أرسلها نوح عليه السلام بعد الطوفان ليتأكد بواسطتها من عودة الحياة إلى الأرض، فطارت وعادت، ثمّ طارت وعادت، ثم طارت وعادت أخيرًا بغص زيتون ينبئ عن الحياة التي تفتّحت على الأرض من جديد بعد الغرق والهلاك.

أظنّ أن حلم الطيران حلم مشترك لجميع البشر، ربما ما مرّت طفولة أحد منّا دون أن يرى نفسه في المنام يطير… لكنّ هذا الحلم يصير أكثر إلحاحًا وأكثف حضورًا في النوم واليقظة حين يفقد الإنسان حريته، وتلتهم الزنازين أيامه، وتكبّل القيود يديه وقدميه، ولكن كلّ هذا لا يكسر جناحيه، بل ينبت له جناحان في خياله فيطير بواسطتهما إلى المدى المفتوح خلف هذا الضيق.

ولذا أحبّ الطيور بكافة أنواعها وأشكالها، من العصافير إلى الحَمَام إلى النوارس وحتى الغربان والبوم لا أستطيع أن أحصرها في سياقات الشؤم والتطيّر، فما أن تفرش جناحيها حتى تعود رمزًا للانطلاق والتحرّر… أحبّ الطيور وأراها في مناماتي الجميلة أيام حزني، وفي مناماتي العاديّة في زحام أيامي الخاليّة من أي شعور، أحلم بالحَمَام وبالعصافير… مرّة رأيتُ في منامي النوارس في غير مكانها، إذ حلمتُ أنّي ألتقطُ فيديو لطائر نورس يطير على قريتي الجبليّة البعيدة عن البحر وأبعث بالفيديو إلى صديق يعيش على ضفاف الخليج مع تعليق: “بيننا وبين البحر ٤٠٠ كيلو ومع هذا فالنوارس عندنا”. بعد شهرين فقط من هذا المنام ضاقت ضفاف الخليج وقريتي الجبلية ومدينتي الساحليّة وكل الأمكنة على هذه الأرض ضاقت، ضاقت عليّ كزنزانة بعد أن غيّبوا رفاقي في عتمة السجون… وبقيتُ في صحوي أحلم بطائر النورس ذاك الذي حلمتُ به في منامي من قبل. أحلم به في يقظتي يطير فوق وعورة أيامي، بعيدًا عن نداوة البحر… كأملٍ يطلّ على الأرض اليباب… ولم يخذلني الطائر ولا خذلتني أجنحة الحلم… عاد صديقي، وسيعود الرفاق💙

أمل

الصديقة التي أرغب أن أقول عنها إنها علّمتني معنى الأمل، ودرّبتني على القتال في سبيل غدٍ أجمل، وساعدتني على اتخاذ الحلم درعًا يدرأ عني هجمات هذا العالم الرمادي الذي يتربص بنصيبي من الألوان والحلم والأمل. لكنّي لن أقول هذا فقد كانت قُدراتي أقل من استيعاب كثرتك، قامتي أقصر من امتداد اليأس، وأنا أجبن من ردّ الأيدي التي تتطاول على أحلامي وتخنقها، وأبطأ من سرعة انتشار الرماديّ… كنتُ حمولتك الثقيلة التي تجرّينها معك نحو خنادق النجاة… لكنّك كنتِ لي عكس كل هذا، فوق كل هذا، أعظم من أن ينال منك شيء من هذا.
يلمع الحُب في عينيك، وتصعد إلى صوتك القصائد، منذ سنين تأخذيني من عُزلتي إلى المدى المفتوح الذي تعيشين فيه. حين يسألني عنك أي أحد أقول: (عرّابتي) وأستلذُ بهذا، ينتشي صوتي حين يُشير إليك باعتبارك من أعظم ماعرفت، وأحب مَن عرفت.
أتذكر المرة الأولى التي رأيتك فيها، وقد كنتُ قبلها أعرف اسمك جيدًا من الزميلات والصحف… في قاعة مناقشة كنتِ تسرعين الخُطى باتجاه الباب الذي يُغلق تلقائيًا وكأنك تسابقين الباب. سألتُ الزميلة التي دلّتني عليك: هذه أمل؟
فقد كان مظهرك أصغر من تصوراتي عنك، تصورتك امرأة كبيرة عمرًا وشكلًا كحضورك الكبير في المشهد الثقافي والأكاديمي وفي قلوب الناس. لكنّي رأيتُ طفلةً تتصرف بعفوية آسرة، صبية بشعر طويل وخُطى متسارعة ودهشات لا تنضب.
في المرة الأولى التي وصلني فيها صوتك، كنتُ أمام المرآة أتحضر لمناسبة و وردني اتصالك، عرّفتني بنفسك ورتبتِ معي موعدًا لتسلميني كتابًا مُرسلًا إليّ بواسطتك. أتذكر كيف سمعتك أمام المرآة، وأنا أنظر لوجهي وصوتك معي… أستحضر هذا الموقف الآن بشكل رمزي، أتذكّره وكأنه إشارة إلى أن حضورك سيجعلني دائمًا أجمل، حضورك سيعكس لي صورة محسّنة عني، وأجمل الأصدقاء هم الذين لا نحبهم ويحبوننا فقط، بل نحب أنفسنا في حضرتهم أيضا… نحبنا لأننا نبصر ذواتنا بأعينهم، ونتبصر بنا من خلال قلوبهم.
ُثمّ التقيتك، في مكتب أستاذة بحثت عنّي من قبل حين درّست مقررًا يخصها نيابةً عنها ولم أقابلها، قالت لي في ذلك اللقاء السريع: (أخيرًا شفتك، أنا ولّعت كشاف أدور عنك) في إشارة منها إلى توغلي في الغياب… ولم تعلم ولم أعلم أن حضورك يومها كان افتتاحًا لاستحضارك لي في سياقات أرحب… انتشلتني من خجلي وهروبي الدائم، من صمتي الطويل وتمسكي بالهامش، من تعريفي لنفسي باعتباري من نباتات الظل. معك وبواسطتك تعرفتُ إلى صوتي، معك وبواسطتك حررتُ نفسي من سجنها في هامش الخوف والارتباك، معك وبواسطتك حضرت الأمسية الأولى في حياتي، صغت المداخلة الأولى، قرأتُ ورقتي النقدية الأولى، كتبتُ مقالي الأول، نشرت أول بحوثي… الخ
موضوع بحث الماجستير كان من اقتراحك، أنجزته بفضل المراجع الكثيرة التي جلبتِها لي دون طلب مني، بحث الدكتوراه الأول كان من مراجعك أيضا… كل نجاح لي يهتدي بك، كل إنجاز يُضاف لاسمي يكون بإضافةٍ منك…
في كل لقاء يجمعنا لا تكتفين بفيض الحُب الذي يُضفيه عليّ حضورك، بل تستبقين هذا بوردة… أكثر من وصلني بالورد أنتِ، تُنبتين الفرح في وقتي وتوقفين وقتك لرعايته وسقايته وتتركين لي القطاف.
كلما التقينا أُخبر أختي الصغيرة أني التقيتك، فتقول لي: (ياحظك) ففي لقائها اليتيم بك أحبتك كما يحبك كل الناس، تقول إنها تتذكر تفاصيل بيتك جيدًا، تتذكر الغبطة التي غمرتِها بها، تتذكر الفرح الذي حشدتِه بين يديها، تتذكر الطفلة التي أتاحت لطفلة مثلها مباهجًا لا تنضب وأوسعت في الذاكرة حيزًا لذكرى حميمية وعظيمة….

لو تعلمين ما تعلمته منك، لو تدركين مقدار ما أضفته لي، لكنك لن تعلمي ولن تدركي… العظماء لا يدركون دائمًا ما هم عليه، يستمدون عظمتهم من ضعف إدراكهم هذا، فيمنحون ولا يشعرون، يعلّمون دون ترتيب منهم، يأخذون بأيدينا دون أن يقولوا إن لهم أيادٍ علينا…
لكنّ حقك عليّ أن أقول، أن أعترف بفضل أياديك… أياديك التي لا يبلغ مبلغ عطاءاتها كل الكلام. قولي لأياديك أن تجود عليّ بعذرٍ أتسامح بواسطته مع عجزي عن اختزالك… أنتِ يا من يختزلُ حضورها كل الأشياء الجميلة التي تحدث لي.

شروط وأحكام التعامل مع الوقت

– التصميم المُعتمد لمسار الزمن تصميم دائري. قولنا: (اتجه إلى الأمام) من الأخطاء اللغوية الشائعة.
– ‏في هذه الاتفاقية، يُشار إلى الزمن بالكلمات التالية: (الماضي والحاضر والمستقبل) وجميعها تعني النهاية.
– ‏مهما تنامى رصيدالخبرات المودع في حساب عُمرك، ستظل مُلزمًا بالدفع المباشر. ومنعًا للإحراج الدين ممنوع والرزق على الله.
– ‏لا يُمكن تبديل أو استرجاع الأيام التي أبلاها حُزنك، أو لحقتها عيوب التصنيع، أو التي لم تلائم مقاسات توقعاتك.
– ‏ لسلامتكم: مهما أكرمكم الوقت تحققوا من جلوس الفقد على المقعد المقابل للسعادة.
– ‏الوقت أطول من عُمر وجودك، وأقصر من شهقة الفرح.
في السأم تتناسل الدقائق من بعضها، وفي التعب تصير الدقيقة الواحدة أثقل من جثة غريق.
– الغياب يخلي مسؤوليته عن آلامك، الجاني الوحيد هو وهم البقاء.
– ‏تتوفر خاصيّة طمس خطوط الرجعة أولًا بأول، فلا تتراجع نحو التيه، اهرب إلى الأمام.
– الخبرة: خردة الأيام. الحكمة: إعلان نعي الشغف ولذة التجربة. والذاكرة: درن الأيام العالق في الروح.
– ‏مجموع لدغات عقرب الساعة يوميًا=٢٤ لدغة مميتة لا يرافقها الألم، فاطمئن.
– ‏للسّاعة ميناء لا يرسو عليه الوقت.
– ‏لا ينجو أحد من خطر الوفاة المبكرة، تفاوت تواريخ الوفيات يتعلق بموعد الدفن فقط.
– ‏الأحلام حيلة جيدة لترويض بؤس الحاضر، لكنّها -مع الأسف- تُثير سُعار المستقبل الذي سيشمت بنا وبعجزنا عن تحقيقها، بل عجزنا عن الاحتفاظ بها.
– ‏الاكتئاب لا ينتمي للعتمة والسواد، الاكتئاب ساطع ومضيء نرى فيه كل شيء بوضوح فاضح، ولا نجد مكانًا للاختباء.
– ‏في الطفولة تمشي الأيام ببطء وتضحك كلما تعثرت. في الشباب تسير الأيام أمامك باختيال لكن عثراتها موجعة. أمّا في الشيخوخة ستتعثر أنت وتتدافع الأيام وتدهسك.
– تمردت على أسلافك وخرجت من الكهف، صحيح… لكن الكهف ما زال يسكنك، وكل عمران الأرض لن يردم هذه الفجوة في روحك.
– ‏ لو أن طُرق الرجوع لا تُطمس، سيصير للخوف مسار إجباري وحيد، مسار ذهاب بلا عودة.
– طوبى لمن اغتالوا خط النهاية، واحتفلوا في منتصف الطريق، فالوصول نضوب، الوصول ليس غاية، الغاية الاستمتاع بالصحبة وقراءة لافتات الطريق.
– ‏كل الأحزان قابلة لإعادة التدوير. كأن يُعاد تدوير الخذلان فيصير لافتة تحذيرية، ويُعاد تدوير الفقد فيصير زنزانة.
– لا يمكن ترك الموت بمفرده ليُنجز أعماله ببطء شديد وفق قوائم مُعدّة مسبقًا، دائمًا يتدخل القتلة لإزعاجه وبعثرة أوراقه… دائمًا.
– ‏النصائح ليست خارطة لطريق مختصر وآمن، بل تحنيط لحياة من سبقوك وبدعة تدفعك إلى تقديس ضلالاتهم والاحتذاء بضياعهم. دعْها، و جِدْ طريق ضياعك.
– التقط أفراحك الصغيرة، علّقها على وجه الأيام، احتفي بتفاصيلها الشحيحة، اسقها حتى تخضّر وتورق… قبل أن يدهسك الزمن ويساويك بالتراب.
– ‏في العالم الدنيوي لا شيء يتسع مثل اليأس والمقابر.
– السأم يجعل الحياة مرايا متقابلة.
– لا مكان يتسع للحزن مثل العزلة، لا وهم يكسر القلب مرة بعد مرة مثل تسليمه للآخرين. اليد التي ستؤذيك هي التي أسلمتها يدك وتركتها تتحسس ضعفك.
– ‏ستُحِبّ الآفلين، فالغياب موقد العواطف.
– الانتظار مبتدأ بلا خبر، يعلّقنا على حبال الاحتمالات، بعض هذه الحبال مشانق، وبعضها الآخر حبال نجاة.
– في الوقت الذي تهدره مستغرقًا في إحصاء خسارات الماضي، ستغفل عن الوقت الحاضر الذي سيمرّ أثناء انهماكك، ومن ثمّ ستعلن إفلاسك مرتين.
– أخيرًا: لن يظهر لك زر الموافقة على هذه الشروط والأحكام، لا يُمكنك الرفض والتراجع.

حُرّاس الدهشة

يقول الرافعي: “إننا لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلّا إذا كانت النفس قريبة من طفولتها” ففي بداءة العُمر تُلغي لذّة الاكتشاف بداهة الأشياء مهما كانت مكرّرة ويوميّة. وأكثر ما يحتاجه الكاتب هو القدرة على الاحتفاظ بشعور الدهشة حيال الأشياء، الجميل منها والرديء، دهشة إجلال الجمال في اليومي والمكرر والمعتاد، ودهشة إنكار القُبح الذي يستترُ بتكرار الحضور حتى يغدو مألوفًا لا يستوجب حضوره الإنكار.
لكي نحرس الدهشات، علينا أن نعود إلى مستودع أفكار الطفولة، حيث الأفكار الساحرة التي تؤسطر المألوف وتلوّن الرمادي، وتفعل العكس أيضا، فتدجّن المستحيل وتعيد مونتاج الحياة في خيالاتها فتجعل اللا ممكن ممكنًا بكل بساطة. فالطفل الذي يتعجّب من عصفور يُغرّد، وسحابة تعبر السماء، هو نفسه الذي يسير في الليل متقينًا من أن القمر يسير خلفه، ويصرخ في الأماكن الخاوية كي يخلق حوارًا مع صدى صوته.
عن خيال الأطفال المتطاول بلا سقف، يقول ماركيز: “عندما حطّ نيل ارمسترونع فوق سطح القمر، صاح مذيع التلفزيون منفعلًا: ها هو ذا الإنسان يضع قدمه على القمر لأولّ مرّة في التاريخ. ففوجئ الطفل الذي كان يتابع معنا بشغف تفاصيل الهبوط، وصرخ مذهولًا: أهي المرّة الأولى؟ يا للحماقة!”
وأقول يا لهذه الدهشة الساحرة، الدهشة من أن الأشياء البعيدة استغرقت كل هذه المسافة لتصل.
يكتب ممدوح عدوان في كتابه (هواجس الشعر) عن بعض خيالات الطفولة الغرائبية التي يكذّبها العِلم وتمحوها التجربة ويشترك البشر في الاعتقاد بها في طفولتهم فقط. ويرى ممدوح أن ما يُميّز الشاعر هو قدرته على الاحتفاظ بهذه المعتقدات التي تؤسطر الأشياء، ويسميها عدوان (شجاعة البراءة الشعريّة) يقول: “بعد أن كبرنا ظلّ فينا شيء من ذلك الجهل الطفل الجميل، ولكننا لم نعد نجرؤ على الاعتراف به إلا في الشعر، أو في الفنّ عمومًا… الشاعر وحدهُ هو الذي يملك شجاعة أن يظلّ طفلًا، أو أن يعود إلى طفولته بين الحين والآخر، وأن يتعامل مع العالم حسب رؤاه الطفولية هذه، وبالتالي يقبل أنّه لم يكبر”.
بهذه القدرة على الاحتفاظ بالدهشة وبعثها أنقذت شهرزاد رقبتها ورقاب النساء من سيف شهريار، حيث أبقت شعور الدهشة مشتعلًا في قلبه وذهنه لألف ليلة وليلة. تمتلئ حكايات شهرزاد بالنسوة الخائنات، وكان يُمكن لهذا أن يُعزّز نظرة شهريار العدائية ويحرّض عقدته تجاه النساء فيضرب عنق شهرزاد، إلا أن الحكايات لا تقوم على المألوف الذي عانى منه شهريار، بل على العجب، فيحضر السحر في كل حكاية من الحكايات الألف، وفي كل حكاية أيضاً يُبْطَل السحر الذي افتعلته امرأة بواسطة امرأة أخرى. فكسرتْ شهرزاد اعتياد شهريار حين أدهشته بالنسوة الصالحات اللاتي يُبطلن سحر النسوة الخائنات في كل حكاية، فكانت حكايات الليالي الألف بمثابة مرافعة مدهشة من شهرزاد عن بنات جنسها بصورة غير مباشرة، مُرافعة طويلة ضد الاعتياد والأحكام القمعية الجاهزة.
تقول العرب في ذمّ الاعتياد والنظرة الرماديّة إلى الكون والأشياء: “أعجب من العجب، ترك التعجب من العجب”
وبحسب المعاجم، العجب: هو إنكارُ ما يَرِدُ عليك لقِلَّةِ اعْتِيادِه. وقد بدأ زكريا القزويني كتابه (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) بحديث في معنى العجب، فهو التحيّر إزاء الأشياء التي يراها الإنسان لأولّ مرة، وضرب مثالًا بشعور مَن يرى خلية نحل للمرة الأولى، كيف سيستغرق متأملًا في دقائق الخلية وأبعادها وألوانها: “فهذا معنى العجب، وكل ما في العالم بهذه المثابة، إلا أنّ الإنسان يدركه في زمن صباه عند فقد التجربة، ثمّ تبدو فيه غريزة العقل قليلًا قليلًا وهو مستغرق الهمّ في قضاء حوائجه وتحصيل شهواته وقد أنِس بمدركاته ومحسوساته فسقط عن نظره بطول الأنس بها…”
وفي مقدمة كتاب (الغرابة، المفهوم وتجلياته في الأدب) يقول الدكتور شاكر عبدالحميد: “الأكثر غرابة من الغرابة نفسها، أن تتحوّل الأشياء التي كان ينبغي النظر لها على أنها غريبة، إلى أشياء عاديّة ومألوفة”‏
ولأنّ العجب مُرتبط برؤية الأشياء لأول مرّة، ولأنّ الإنسان في مقامه الطويل على الأرض رأى الأشياء ملايين المرات، فطوبى لمن كان قادرًا على حراسة طفولته، سواء في الكتابة والانتاج، أو في القراءة والتلقي. وأعظم الدهشات هي تلك التي تتخلّق بطول الملازمة والغوص خلف الثمين، فترى في الشيء الذي تطالعه ألف مرة شيئًا جديدًا في كل مرة. يقول شيخ البلاغيين المعاصرين الدكتور محمد أبو موسى الذي فنيت بين يديه نُسخ عديدة من كتب عبد القاهر لازمها دون أن يُفارق دهشته: “أعيذك بالله أن تقرأ ما يُدهش ولا تندهش”