فوترة

لي ثأر أزليّ مع الأرقام، من رحمها الملعون أنجبت المال، فأنجبَ لنا سلالة من الفقر والثراء والتفاوت الطبقيّ والجشع والاستغلال.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، أتذكّر ثأري كلما مرّ شريط إخباري محمّل بالضحايا، تغيب عنه وجوههم وحكاياتهم وأمانيهم ورجاءات أهليهم وفواجعهم ومشاعرهم، يغيبُ عنه أنين المصابين ودعواتهم وقلق محبيهم، ويختصرهم في رقم جامد لا يُفصح عن شيء. تصوّروا لو لم نعرف الأرقام؟ سيكون الشريط الإخباري طويل طويييل، بامتداد الفظاعات.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، أموتُ كمدًا حين أفكّر في عدوانها على أسماء السجناء، وتغييبها خارج الأسوار، فصلها عنهم، واحتلال مكانها. فيصير السجين مجرد رقم، رقم من الأرقام، ويالطول ثأري مع الأرقام.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، أتعذّب لأنّي لن أدرك ثأري منها فقد تحالفت مع المدنية والحياة المعاصرة في حرب ضدّ وجودنا الفيزيائي، فلم يعد بوسعنا إثبات هذا الوجود إلا من خلال رقم إقامة، رقم وظيفيّ، رقم ضمان اجتماعيّ، رقم جامعيّ، رقم حساب بنكيّ، رقم حفيظة نفوس، ههه الرقم يحفظ النفوس، الرقم مقدّم على النفوس.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، إذ تهزمني يوميًا، فأضطر دائمًا إلى التوسّل بها كي لا تتعطّل حياتي، حياتنا المسيّرة بالأرقام، وحين أضطر إلى إعلام طالباتي بأرقامهنّ التسلسلية وفقًا لكشف الحضور والغياب لتسهيل التعاملات، أستصعب الأمر، أستصعبه وأعتذر لهنّ دائمًا دائمًا، أعتذر فأنتنّ أكثر من مجرد رقم، أنتنّ وجوه وكيانات وأسماء، لكنّي صغيرة ومهزومة أمام الأرقام.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، لولاها لما عرفنا كم فاتنا من وقت، وكم تبقّى لنا، كم من السنين تصرّمت، وكم من المفقودين ودّعنا.
لي ثأر أزليّ مع الأرقام، فلو لم نعرف الأرقام لما عرفنا طريقة لإحصاء الخسارات.

٣٥ عام

لا أُخبئ عُمري، أنطقه بنفس البرود والحياد الذي أنطق به اسم زميلة عمل أعرفها وتعرفني، لكنها لا تشبهني ولا يدلّ اسمها علي، بل عليها وحدها.
لا أخجل من عُمري، ربما عُمري يخجل منّي، يخجل من عجزه عن أخذي إلى حيث يسير. يكره أنه يقطع المراحل وحيدًا، يتراكم فوق نفسه، يتطاول… وأنّي في مكان ما، أبتسم وأعيش ولا أركض خلفه. يخجل من عدم قدرته على العبث بوجهي كما تفعل الأعمار في وجوه أصحابها، وإن انتصر يومًا ما، ونجح في العبث وحفر أخاديده على ملامحي، لن أغضب، فهذا استحقاقه الحتمي، ثمن أتعابه.
يخجل عُمري من عجزه عن إيجاد طريق يعبر من خلاله إلى قلبي ودهشتي و لا مبالاتي. يخجل من أنه رقم فحسب. رقم أعرفه ويعرفني، لكنّه لا يختصرني ولا يدلّ عليّ.
اليوم زادت سنة في عُمري، لكني لم أكبر، لم أكبر بعد، عمري يكبر وحيدًا. تراكمت السنون في مكانٍ ما، وأحصوا في عددها عُمري. لكنّي مازلتُ أصغر من شهقة الفرح، وأقصر قامة من امتداد اليأس في الحياة، ما زلتُ ضئيلة كالأمل، غضة كالبدايات، وما زالت السنون أسرع من قُدرتي على العدّ، ومنذ تجاوز عددها عدد أصابعي أقلعتُ عن فكرة عدّها وانشغلت بمطاردة الدهشة.
وإن تحرّيت الدقّة، لا يصحّ أن أقول: اليوم زادت سنة في عمري. فالعمر يزداد يوميا، كل يوم يزيد يوم، كل لحظة أكبر لحظة، وهذا النماء التدريجي، أو النضوب التدريجي، يعلّمني أنّ لا أصنّف العُمر تصنيفات معلّبة واختزالية، لا يُمكن القول إن العشرينات عمر التوثب والإنجاز، والثلاثينات عُمر النضج والحكمة، وتلك السنوات سعيدة، وهذي السنوات تعيسة، لا… طالما أكبر في كل لحظةٍ لحظة، فلا وجود لعمر سعيد بالمطلق وعمر تعيس بالعموم، بل لحظات سعيدة، ولحظات تعيسة، مباهج تأفل، آلام تستيقظ، جراح تندمل، ومباهج أخرى تستفيق، وأحلام تنطفئ، وأخرى تنبعث من الرماد، أحباب يأفلون، وأجد بعدهم من يحمل لافتة عليها اسمي يستقبلني بها في محطات العمر ليأخذ بيدي نحو قصص حب جديدة.
لا أخجل من عُمري، ولا أخافه. حين أشعر بفوات الأشياء أستذكر يقيني القديم وأجدّده، يقيني بأنّ كلّ شيء يجيء في وقته تمامًا، وكلّ شيء يذهب في وقته أيضا… حتى إن تصورنا عكس هذا.
على سبيل المثال: الحُب المتأخر، حين يهمس عاشقان لبعضيهما: أين كُنّا عن بعضنا من قبل، وكيف تأخّر بنا اللقاء حتى الآن؟
أقول: لم يتأخر، لقد كان يهيئكما امتداد الوقت لشغفٍ مضاعف.
في الرحيل المُباغت أيضا، ذاك الذي يجتث معه جزءًا من القلب، ويتركه مُجوفًا لهبوب الحنين والفزع… لم يُبكّر، جاء في وقته ليمنع الذاكرة من تحصيل مزيد من لحظات (زمان الوصل) تكون كافية لاجتثاث العُمر القادم كله.
أثق في توقيت الدهشة، لم تتأخر، كان انتظاري لها يُنضج شعوري بالفرح.
أثق في الخيبة، لم تُباغِت، جاءت في وقتها لتعترض طريقي نحو الهلاك.
حتى أحلامي الصغيرة التي يمضي عمري مُتسارعًا وهي في الخلف، وأقسمت يومًا أن أحققها وإن بلغت التسعين… فسألتني صديقتي: ومافائدة تحقيقها في ذاك العمر؟
أجبت: ذاك وقتها تحديدُا، تأتي لتنقذني من شعور الأسى بأني ماعدتُ أنتظر شيئًا، ولا شيء ينتظرني، تأتي فتأخذ بيدي نحو الأمل، نحو ربيع يباغت خريف العُمر. إن كان لعُمري خريف.