أحفاد الشمس. تدوينة ل: سيمون أمل

لماذا لا يأخذ الصيف حقه في كتابات الخليجيين، مع أنه حديثنا كل يوم؟!
لأننا نخشى أن يصبح الأمر جديا وحقيقة، ولأننا نعيش حالة الإنكار من يوم ولدنا ووجدنا أنفسنا على هذه البقعة الجغرافية. إننا نعتقد في قراراتنا أن شيئا ما سيتغير، وستصبح الأرض مروجا وأنهارا، وليس كذلك فقط، إن الأثر الإسلامي يقول إنها (تعود)، مما يعني أنها كانت كذلك. وما زلنا نتغنى بفردوسنا الأرضي دلمون التي كانت تمتد من سيهات إلى البصرة.
لا، وألف لا، لن نعيش طول حياتنا في هذا الطقس المناخي، لذلك لن نسمح له بالتسلل في أدبياتنا، وإن فعلنا فلأننا مضطرون لذلك، فسنفعل بخجل وحذر.
تخيل أن تكتب نصك الروائي وأنت تتحسس الرطوبة تأكلك كالبق، وتعيث في رأسك كالقمل!
حدثتني أمي أنهم في (عزّ الصيف) كان غداؤهم اللبن وخبز الصاج، لأن المعدة يصيبها الغثيان من الضحى إلى غروب الشمس. وأن الرجال كانوا يلبسون ثوب (الململ) على أجسادهم شبه العارية، ويستحيل شفافا لصيقا بفعل الرطوبة. وأنهم يفزعون منتصف الليل من كوابيس تشبه تلك التي تصيبنا بسبب التخمة. وفي الصباح تكون السماء قد غسلتهم برطوبتها.
ليتني أعرف سر كلمة (عزّ)، في استعمالاتنا، فأين العزّ في (عزّ القايلة)!
يعتقد الخليجيون أن الصيف ثمانية أشهر أو عشرة، والواقع أنها ثلاثة فقط وقد تمتد إلى أربعة. فـ (عزّ الصيف) يبدأ من شهر 6 حتى نهاية 9، وإذا امتد أخذ من شهر 5 أو 10. وبقية الأشهر هي ليست قاتلة، وشتاؤنا لطيف دائما مهما اشتدت برودته، نعرف لمسة الربيع، ولا نعرف ما هو الخريف.
صيفنا يشبه والد كافكا، يمارس العنف السلبي، ليس موجودا في كل مكان، لكنه ممتد بذاكرته في كل التفاصيل.
نحن نتحدث عن الصيف القادم والفائت طوال السنة، ونشعر أن علينا أن نفعل شيئا في العام المقبل تجاه مكيفات المنزل، ومظلة السيارة، وفاتورة الكهرب، وحرارة ماء الحمام. لكننا نتحدث ولا ننجز إلا القليل، لأن (عز الصيف) يتفوق علينا في كل سنة.
في الصيف نصبح مثل رواد الفضاء، نبقى في مركبتنا نشاهد الكون من النافذة الزجاجية، ونتناقل طرائف العالم في الخارج، ونشاهد قلي البيض على أسطح السيارات وساحات المدارس، وتلف حاجياتنا التي نسيناها في السيارة، وتفجر زجاجات العطر، ونضحك.
إذا اضطرتنا الحياة للخروج نعود لسلوك أجدادنا الثدييات، التي نجت بفعل مهارة الاختباء والتنقل السريع، حين كانت الديناصورات تتبجح بالتجول عارية أمام الوجود، فأهلكتها الموجات الجليدية. نحن الثدييات نعرف كيف ننسحب ونختبئ، وننتقل بسرعة من بيتنا إلى السيارة، ومن السيارة إلى المكتب، ونعرف كيف نؤجل كل عمل يتطلب الخروج، فنبقى في البنايات حتى ينتهي الدوام.
نراقب العالم يهلك من حولنا، النباتات الخارجية تحترق، والطيور تسقط من السماء، وحتى نباتاتنا الداخلية اللصيقة بالنوافذ تموت خوفا. ولا ينجو معنا سوى الزواحف، والقطط.
بعضنا قرر أن نأخذ ثأرنا من الديناصورات، حين افترت وعثت الفساد وسفكت دماء أجدادنا الثدييات. فإذا جاوزت الحرارة خمسا وأربعين درجة، خرجوا في عطلة نهاية الأسبوع مع طلوع الفجر، وسط صحراء الربع الخالي، يصطادون أحفادها (الضب)، يتبعونه ويجرون وراءه ويغوصون في جحوره من طلوع الشمس إلى غروبها. حتى إن الضب يستسلم من شدة الحرارة، أو من سخرية القدر به، ومن عدم قدرته على استيعاب سلوكنا. لقد رأيت أصدقاء يعودون في مساءات يوم الجمعة والسبت، جلودهم محترقة بفعل حرارة الشمس، يتحدثون عن متعة الصيد. ويعودون للفعل ذاته في الأسبوع التالي.
كثيرا ما ترى موظفا خارج حدود مقر عمله، يقف تحت الشمس في المنطقة التي يسمح له فيها بالتدخين، ممسكا بيده كاسا من الشاي الحار.
في الحقيقة هؤلاء هم أملنا الوحيد في البقاء. نحن الجبناء المختبئون لن نصمد طويلا مع اتساع ثقب الأوزون، وسنبقى نحلم بعودة الجزيرة إلى مروج وأنهار. أما أولئك فسينجبون جيلا يشرب الدخان ويقف ويحتسي الشاي تحت الشمس أثناء تعامدها على الأرض واختفاء الظل. هؤلاء وحدهم أمل أهل الجزيرة في البقاء.

*سيمون أمل

فائض

حين بدأ الجوع يدقّ أبواب بيته ويسرق قوت يومه ويُقاسم أولاده طعامهم وينهب منهم بعض الضحكات وكثيرًا من الرغبة في اللعب… قرر أن يقاومه؛ بدأ أولًا في بيع بعض قطع الأثاث التي لا يحتاجها، فاتسعت المساحات في غرف بيته، وصار الجوع أقدر على التجول بإنسيابية. خاف أكثر فانتقل إلى بيت أضيق على أمل أن لا تتسع مساحات بيته الجديد لتسكع الجوع، لكنّ الجوع لم يفارقهم، بل انحشر معهم في تلك الحجرات الضيقة… اضطر رب الأسرة لبيع ثيابه لعلّه يُحرج الجوع، لكن الجوع تعرّى معه وصار يمشي في البيت مستعرضًا عريّه القبيح… فزع صاحب البيت من جرأة الجوع وظلّ يصرخ عليه ويُطالبه بالمغادرة، لكنّ الجوع لم يستجب لكل المناشدات، فأيقن الرجل بأن صوته لا يُسمع، ولن يُغيّر في الواقع شيئًا. قرر أخيرًا بيع لسانه باعتباره من الكماليات التي لا يحتاجها، وضع إعلانًا في الصحيفة اليومية وقد كلفته مساحة الإعلان راتب نصف شهر… لكن الوجيه الذي اشترى اللسان عوّضه عن هذه الخسارة بمربح جيّد. فصار البائع لا يتكلم إلا مادحًا للوجيه المشتري ولا يصرخ إلا لهجاء أعدائه… وحين بدأت الأموال تتدفق بين يديه عجز الجوع عن فهم لغته الجديدة التي بدأ يتحدثها بعد بيع لسانه. صارت حجرات البيت تتكدس بالأثاث والزينة وتضيق على الجوع، فانكفأ على نفسه مُعذّبا بالغربة، ثمّ هرب في النهاية… الجيران الذين شاهدوا الجوع يركض عاريًا خارجًا من بيت الثري الجديد، احتشدوا كلهم في اليوم التالي أمام الصحيفة الرسمية وفي أيديهم إعلانات تقول: (لسان للبيع، استخدام محدود)