عذابات الذاكرة، أم إعادة تدوير الأخطاء

قبل شهور كنت أعيد ترتيب جميع أغراضي ومقتنياتي، انهمكت في العمل لأيام، ببطءٍ شديد، ووقوف متكرر. أوراق محتشدة بذكريات عُمر مضى أتوقف أمامها طويلًا فأختنق، صور لأشخاص كبروا ومازالوا معي لكنّي فقدتهم إلى الأبد، وهم أيضا فقدوا كل ما كانوا عليه… رسائل صديقات تخطفتهم الحياة، أو تخطفهم الموت… عشتُ أكثر من عشرة أيام وسط الماضي الذي أرتّبه وأعاني أثناء ترتيبه من نوبات اختناق متتابعة، عملية جرد للذاكرة، وجلد للذات. أسأل نفسي ما جدوى الاحتفاظ بكل هذا ما دمتُ عاجزة عن إيجاد صيغة للتعايش السلمي معه، فقد أيقنت منذ سنوات قليلة أنّ أفضل طريقة للتعايش مع نفسي هي المُباعدة بيني وبيني، بحيث لا أدوّن شيئًا يُذكرني بما أنا عليه الآن، ولا أوثّق أي شيء قد يعترض طريق النسيان.
في (الأشجار واغتيال مرزوق) يقول عبد الرحمن منيف: “لولا النسيان لمات الإنسان لكثرة مايعرف، لمات من تخمة الهموم والعذاب والأفكار التي تجول في رأسه” فالنسيان هو الخلاص الفردي الدنيوي، في دنيا لا تعدنا بشيء، ولذا لطالما تمنيت أن أفقد ذاكرتي فجأة، أو أن أملك القدرة على ترتيبها على الأقل، فأواري الشوك خلف الهشيم، وأفتش عن الاخضرار في أيامي الحالية فأترك له الواجهة، كرصيف تزيّنه أشجار مُرائية غُرِسَت بين يومٍ وليلة كي تتهيأ الشوارع لاستقبال ضيوف من مستوى خاص.
أتمنى أيضا أن تكون لديّ صلاحية المحو والكتابة في ذاكرة الآخرين، فأقتص منها المشاهد التي يُعذّبني مرورهم بها، ويعذبّهم بلا شك. وأنتقي لهم ألوان الواجهة وأكتب اللافتات التي تدلّهم على النسيان، وتدلّ أفراح الأمس على الطُرق التي تستدرج خطواتهم اليوم.
في قصة (أشيائي المنسية) لماريو بينديتي تستيقظ فتاة على كرسي حديقة وهي لا تعرف أي شيء، لا تعرف اسمها، ولا عمرها، لا تعرف في أي يوم تعيش، ولا تتعرف على المكان الذي استيقظت فيه، ولا تتعرف على وجه الرجل الذي يحدّق فيها وتشعر أنه تعرّف عليها ويرغب في بدء الحديث معها، فتتوجس منه “تخشى أن يُدخلها ذلك الشخص في ماضيها، فقد كانت تشعر بسعادة عارمة في نسيانها للماضي” يسألها: هل أصابك شيء؟ فتقول: إنها استيقظت للتو في هذه الحديقة بذاكرة بكر، لا تعرف شيئًا، حتى اسمها لا تعرفه… يأخذ الرجل بذراعها، وتنقاد إليه بشعور سائحة تستكشف، تذهب معه إلى شقته، يقدم لها الويسكي والثلج، يسألها من جديد عن اسمها، تقول إنها لا تعرف، فيضحك ويقول بتهكم (ملكة جمال النسيان) وكلما تقدم الوقت ونمت اللحظات بينهما يصير الرجل الذي سلّمته ذراعها وسارت معه بكل ثقة أقل جاذبية وأكثر ابتذالًا، وكأن تراكم الذكريات يُطفئ الأشياء ويجعلها باهتة وبالية. يتكشّف سعار الرجل، يحاول انتهاك جسدها، تقاومه، تضرب رأسه بزجاجة الويسكي وما أن يتراجع حتى تستغل الفرصة للهرب، تخرج من الباب وتركض على السلالم بفزع وهي تقول: “عليّ أن أنسى هذا، عليّ أن أنسى هذا” وتصل إلى الحديقة التي استيقظت فيها من قبل، تجلس على المقعد ذاته، تُلقي برأسها إلى الخلف وكأنها في حالة إغماء. بعد وقت تستيقظ الفتاة من جديد على كرسي الحديقة وهي لا تعرف أي شيء، لا تعرف اسمها، ولا عمرها، لا تعرف في أي يوم تعيش، ولا تتعرف على المكان الذي استيقظت فيه، ولا تتعرف على وجه الرجل الذي يحدّق فيها وتشعر أنه تعرّف عليها ويرغب في بدء الحديث معها، فتتوجس منه “تخشى أن يُدخلها ذلك الشخص في ماضيها، فقد كانت تشعر بسعادة عارمة في نسيانها للماضي” يسألها: هل أصابك شيء؟ فتقول: إنها استيقظت للتو في هذه الحديقة بذاكرة بكر، لا تعرف شيئًا، حتى اسمها لا تعرفه… يأخذ الرجل بذراعها، وتنقاد إليه بشعور سائحة تستكشف…
أفزعتني هذه القصة في قراءتي الأولى لها، النسيان الذي طالما رأيته كحبل إنقاذ هو المصيدة هُنا، هو الحبل الذي يلتف على ساق الفتاة ويجرّها إلى تكرار الخطأ ذاته، وإلى الانقياد إلى الرجل السيئ في كل مرة دون أن تعرف أنها كانت قبل قليل هاربة منه وهي تقول: “عليّ أن أنسى هذا، عليّ أن أنسى هذا”
في قراءة ثانية للقصة حاولت أن أتصوّرها بالسيناريو المُعتاد، تصوّرت لو أن الفتاة تستيقظ بعد مأساتها وهي تعرف كل شيء، تعرف اسمها وعمرها واليوم الذي تعيشه وتتعرف على الحديقة التي لاذت بها فرارًا من الرجل المريع الذي يُحدّق فيها وتخشى أن يعتدي عليها من جديد، وبدلًا من أن تُسلمه ذراعها بشعور سائحة تستكشف، ستطوي ذراعها في حضنها وتمنع يديها من الامتداد ليده وستفكّر ألف مرة قبل أن تضع يدها في يد غيره أيضا، وستغدو كل الدروب متوحدة مع السلالم التي ركضت فيها وهي تقول: “علي أن أنسى هذا” بإلحاح أجفل النسيان.
فإن كان النسيان يعذّبنا في كل مرة بتكرار الأخطاء، فإنّ الذاكرة تعذّبنا باحتمالات الوقوع في الأخطاء قبل حدوثها.

2 thoughts on “عذابات الذاكرة، أم إعادة تدوير الأخطاء

  1. على الماضي أن يبقى بفوضويّته.. مبعثرًا دون الحاجة لترتيبه. لأن ترتيبه يجعل الوصول إليه سهلا، ويتيح حيّزًا لذكرى سابقة كان من الأولى أن تُنسى كأن لم تكن.

    Liked by 1 person

  2. رغم الذكريات السيئه وتراكمها في الحواشي الا أنها صنعتك الان جعلتك ما أنتي عليه , هل تتخيلي منى فارغة ليست التي عليه الان ,هل حق هذا سيجلب لك الراحه ..؟!

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s