نحو حياة ضد الحياة. مقال: سيمون أمل

توارث الإنسان التحيز نحو الحياة، أو بلغة دينية (فُطر) على ذلك، أو بلغة علمية (تطور) ليعي ذلك. إن أحداثا ما في تاريخه الطويل رسّخت في وعيه التمسك بالحياة، والرغبة بالنجاة، والخوف من الهلاك.. أيا يكن، يتفق الجميع على أن الإنسان بطبعه يتمسك بالحياة لآخر رمق فيه.
حين علق ديستويفسكي على المشنقة في إعدامه الوهمي، قال لو خيروني بين الموت، وبين أن أقف على حافة جبل، برجل واحدة، طيلة حياتي، لاخترت الوقوف.
هذا التحيز نحو الحياة تحول إلى تضامن موضوعي معلن، رغم اختلاف البشرية في كثير من الأمور الجوهرية في الإنسان. فقد يختلفون في ماهية الفطرة، والميل الجنسي، لكنهم يتفقون جميعا في التمسك بها، بل ويعدونه واجبا تجاه الغير. فحين يشعر إنسان ما بالعدمية وفقد الرغبة بها، أو يشير إلى الانتحار ولو تلميحا، يدق ناقوس الخطر، ويتضامن الجميع لمنع حدوث ذلك. لا يشك الأطباء في أن فقد الرغبة في الحياة علامة أصيلة على الاكتئاب، ويتم التدخل العلاجي مباشرة عبر الأدوية والجلسات، وهي الحالة التي يرى الطبيب فيها نفسه مكلفا بالإبلاغ عن مريضه سواء لأهله أو لمن يستطيع منعه، رغم أنه مسؤول أخلاقيا عن حفظ سر مريضه.
أعلم أن كلامي يبدو غريبا، لأن الجميع يتضامن ضد فقد الرغبة في الحياة، وليس ضد الموت. وهذه مفارقة مهمة. فلا تمانع الأديان ولا الأوطان ولا العائلات ولا أخلاقيات الشهامة والخير، أن يموت الإنسان لأجل مبادئه أو ما يسعى إليه، بل يتم حثه على ذلك، كالموت في سبيل الدين أو الوطن مثلا، وحتى إن لم يكن ذلك ضروريا، كحروب التوسع، وبناء الدول والإمبراطوريات، أو حتى التعصب لعرق أو لغة.
مفارقة أخرى، حين لا يبالي الإنسان بوجود الفقراء والمعوزين، والذين لا يحصلون على الحد الأدنى من العيش الكريم، فيكفي وجودهم على قيد الحياة. إن المبالاة التي يبديها الإنسان تجاه ما يزيد على 800 مليون جائع من أبناء جنسه، هو نشر أرقامهم، ونثر فتات حضارة المركز على الأطراف، وترك هامش من البشر يبحثون في مرحلة ما في حياتهم عن انتماء أو فعل للخير أو معنى لوجودهم، يؤدون دورا غير مؤثر لأولئك. لكن لو قرر مليار من البشر أن ينتحروا ويرحلوا عن الحياة فسيكون الخبر صادما أكثر من وجعهم اليومي لعدم القدرة على العيش الكريم.
هذه المفارقات تبدي إلى أي حد يفزع الإنسان حين يجد إنسانا آخر لا يجد جدوى من وجوده، ولنطرح هذا السؤال: لماذا لا تبالي الأديان ولا الأوطان ولا الأطباء بموت أعداد غفيرة لقضية وطنية مثلا ولو كانت موهومة، بقدر فزعها بانتشار فكرة تحث الناس على مغادرة الحياة؟!
لا أمانع إن وجد قارئ ما سؤالي هذا غير منطقي، فكما قلت أنا على يقين بأن أكثركم متحيز نحو الحياة ولا يقدر على الرؤية بغير هذا المنظار، ولذلك سيرى كل هذه المقارنات والمفارقات فذلكات سخيفة. أيا يكن، إن من يموت لأجل الوطن أو قضية ما ولو كانت موهومة، كما هو الحال في أغلب الحروب، فإنه يقبل بنظام الحياة ابتداء، ثم يقبل الموت ضمن هذا النظام. أما من يرغب بالانتحار لعدم جدوى وجوده، فإنه يرفض النظام أساسا، ويثور عليه من خلال الموت. إذن، المشكلة ليست في الموت، ففي كلتا الحالتين يمضي الإنسان نحوه، وهذا يعني أن البشرية لا تكترث كثيرا بموت الإنسان الآخر، كما أنها لا تكترث بانعدام الحد الأدنى من العيش الكريم، وبألم ووجع الإنسان، قدر اكتراثها بعدم التحيز نحو الحياة، برفض نظام الحياة، بالثورة على هذا النظام، والوقوف ضده من خلال إدارة الظهر له والرحيل عنه.
إن الأديان والأوطان وكل الأفكار والأيديولوجيات الشاملة، سواء كانت شموليتها ناعمة أم صلبة، مباشرة أم غير مباشرة، وحتى الأفكار غير الشمولية، تتغذى على قبول الحياة أولا، ومن خلال قبول النظام تطرح نفسها كأفضل حل لإدارته، وتعد بالسعادة فيه والعدل والرفاه. هذا يعني أن رفض الحياة رفضٌ لكل هذه الأفكار والأيديولوجيات، وقطع الحبل السري الذي تتغذى عليه. إنها ثورة على الحياة، وثورة على كل من يتغذى عليها، ويعد بمستقبل أفضل سواء في الحياة أو ما بعد الموت.

***
فيكتور فرانكل صاحب نظرية العلاج بالمعنى والطور الثالث من أطوار التحليل النفسي الفرويدي، بعد تجربته القاسية في معتقلات النازية، والتي مارس دوره المهني فيها والأخلاقي، بالتحيز نحو الحياة مهما كان الألم، كانت نظريته (العلاج بالمعنى) من أجل البقاء، هكذا بكل وضوح. كان فرانكل يعتقد أن لكل إنسان معنى يعيش لأجله، وحين يتم استفزاز هذا المعنى فإنه يجد سببا للبقاء، وغالبا ما يكون هذا المعنى خارجا عن الذات، كحب الآخر، أو الشغف بشيء ما. لكن فرانكل لا يهمه أن يكون هذا المعنى حقيقيا، فكل معنى يدفعك للصمود عليك التمسك به، وعلى المحيطين بنا أن يستفزوه بداخلنا. إنه صريح جدا بأن هدفه من (المعنى) هو العلاج، و (العلاج) يعني التخلص من العدمية، والمضي في الحياة. لنتذكر أن فرانكل كان في معتقلات النازية، وأن احتمالات النجاة، والعيش دون ألم قد لا تكون كبيرة بالنسبة للجميع، لكنه مع كل هذه المعطيات، يتحيز أيضا نحو الحياة.
لنتذكر هنا أيضا كل الجدل القائم حول (الموت الرحيم)، حين يكون مرضك مستعصيا، مؤلما، قاتلا، فإن البشرية لا زالت تجد حرجا كبيرا في تقبل فكرة مغادرة الحياة. وأن تكون ميتا دماغيا، أو تعتاش على أدوية (مخدرة) لتسكين الألم اليومي، أريح لضمير البشرية من إعلانك الرغبة في المغادرة.
إن حجة الأطباء نحو التدخل السريع لرغبة المريض في الانتحار، هي أنه مصاب بالاكتئاب، أي أنه تحت تصنيف المرض، وأن رؤيته ضبابية غير متزنة، وبالتالي هذا مسوغ أخلاقي للتدخل ولو بالقوة لمنعه. هذا التكتيك أيديولوجي بحت، وهو تعليل للتنمر على رغبات الإنسان. يقول الأطباء إن الإنسان بعد تجاوز أزمته النفسية سيعي أن رؤيته كانت ضبابية، وأنه سيحمد الله على تدخل الآخرين لمنعه، وهذا دليل كاف بأن رؤيته في تلك المرحلة السابقة لم تكن متزنة. لكن ماذا لو كانت هذه المعادلة مفبركة، وأنك حين تكون في كرب ما، وترى أن الحياة لا تستحق البقاء فيها، ثم تعبر الكرب ذاك، فإن السؤال الحقيقي هو: لو خيرناك بين مغادرة الحياة الآن أو استئناف كرب جديد مشابه أو متفوق على الكرب السابق، بعد كل ما اختبرت من الألم والمعاناة، فماذا سيكون اختيارك!
***
من الذي يمتلك فكرة أكثر منطقية و طبيعية، من يتحيز نحو الحياة، أو من يتحيز ضدها؟! طرح هذا السؤال مرفوض ابتداء عند الجنس البشري لأنه ضد (الدين)، وضد (الطبيعة البشرية)، ويهدد (البقاء). لكن هذا لا يمنع من الإصرار على طرحه، ما المنطق في التحيز نحو الحياة، لماذا، من أجل أي شيء. إن كل ما يقال عن الطبيعة البشرية والدين والبقاء هو نزعة يمكن وصفها بالأيديولوجية، ونستطيع تسميتها مثلا بأيديولوجية (الجنس البشري)، أيا يكن، وبإمكاننا الادعاء أن الطرف الآخر يملك منطقا مكافئا وربما متفوقا في بعض الجوانب دون الأخرى، لذلك لا أستطيع تفهم التحيز نحو الحياة سوى بوصفها (تحيزا)، دون الحاجة إلى منطقتها.
***
إذا أردنا مَنطَقَة الفكرة، فعلينا أن نجيب أولا على سؤالين مهمين، الأول: ما جوهر الحياة. الثاني: ما جوهر الإنسان. وعلى ضوء هذين الجوابين ستتضح العلاقة بين الإنسان والوجود، وعليه أيضا سنستطيع أن نقرر، أو أن يقرر كل فرد منا إن كان يقبل بهذا النظام أو يرفضه ابتداء. ومن الواضح أن الدخول في هذين الأمرين (الوجود، الإنسان) الذي هو جوهر الموضوع، هو في حد ذاته خروج عن الموضوع، ومتاهة جديدة لا يمكن الاتفاق عليها، وهذا ما يجعل الأمر محض فلسفة ذاتية مبنية على تجربة خاصة، وفق تطور خاص داخل الإطار العام للبشرية، تتجادل فيها الذاتية والموضوعية.
***
إلى الذين يرفضون منطق الوجود والحياة والإنسان، سنطرح السؤال التالي: هل البقاء هو نوع من العبث والعدمية، أو هو نوع من تقبل واقع مفروض علينا.
علينا ألا نتجاهل أنه سواء قبلنا بمنطق الحياة أو رفضناها، فإن هذا لن يؤثر على كون غريزة البقاء موجودة فينا، وأن الفزع من الفناء والبحث عن الخلود أيضا لا صلة له برأينا، وأن القلق والخوف من المجهول الذي هو طبيعة الموت وما بعده، أمر يجعلنا نتمسك بما نحن عليه الآن، وأن نهرب من انتظار الموت. هذا يجعل رفض الحياة ليس مساويا بشكل دائم لمغادرتها، فبإمكاننا أن نتخيل شكلا من أشكال البقاء مع الرفض. ذلك أن الإنسان لم يعي هذا الرفض إلا بعد وجوده، أعني الوجود بكل ما يعنيه ذلك. فليس سهلا عليه أن يقرر المغادرة بعد كل ما رسخ فيه من وعي وخبرة بشرية وحصار اجتماعي عالمي يرفض ذلك. فهل بالإمكان ان نعثر على حياة ضد الحياة؟! أعود إلى القول إن هذا جوهر الموضوع أيضا، الذي هو في حد ذاته خروج عن الموضوع، وانتقال إلى مبحث آخر.

One thought on “نحو حياة ضد الحياة. مقال: سيمون أمل

  1. قال لو خيروني بين الموت، وبين أن أقف على حافة جبل، برجل واحدة، طيلة حياتي، لاخترت الوقوف.

    كنت سأقف ايضا بتحيزي واندفاعي بطبيعة العادة البشرية بالفلسفة العميقة التي من الممكن الا ادركها او ان أحتملها ,كنت سأقف للاسف .

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s