قابيل: نسخة محدّثة

في الحرب العالمية الثانية، في عام ١٩٤٤ تحديدًا تعرّضت بلجراد لقصف الحلفاء البريطانيين والأمريكيين يوم عيد الفصح، وفي اليوم الثاني تعرّضت إلى غارات ألقت عليها حوالي ٣٧٣ طنًّا من القنابل.
يحكي الشاعر تشارلز سيميك عن أهوال الحرب وفظائع القصف حتى أنّه لا يتذكر أي مشاهد ملوّنة من طفولته، يقول: “هل كان العالم رماديًّا وقتها؟ في ذكرياتي المبكرة كان العالم دائمًا في أواخر الخريف، الجنود رماديون وهكذا هم الناس”
والمفارقة، أن سيميك التقى في عام ١٩٧٢ بأحد الرجال الذين قصفوه في ١٩٤٤ حين قابل بالصدفة الشاعر الأمريكي ريتشارد هيوجو في أحد المطاعم وتحدثا، سأله هيوجو: أين قضيت الصيف؟ فأخبره سيميك أنه عاد للتو من بلجراد.
قال: “آي نعم بإمكاني أن أرى هذه المدينة جيّدًا” وبدأ يرسم تخطيطها العام ببقايا الخبز وبقع النبيذ على مفرش طاولة المطعم. رسم المعالم المهمة، فظنّ سيميك أن هيوجو زار بلجراد سائحًا. فسأله: كم من الوقت قضيت في بلجراد.
أجاب: لم أزرها أبدًا، أنا فقط قصفتها عدّة مرات.
اندفع سيميك مذهولًا: لقد كنتُ أنا هناك وقتها، أنا من كنت تقوم بقصفه…
يا للمفارقة!
يبرر هيوجو غارات القنابل تلك برغبة الطيارين في العودة سريعًا إلى إيطاليا وكان عليهم التخلص من حمولات القنابل بأي طريقة ممكنة ليتمكنوا من العودة، ولذا كانوا يلقونها على بلجراد…
ظلّ هيوجو يطلب الغفران من سيميك، لكنّ سيميك أكّد له أن ذلك بالضبط ما كان سيفعله هو لو كان مكانه. يقول: “بدونا كلاعبين صغيرين مرتبكين في حرب أحداث أكبر من سيطرتنا. هو على الأقل اعترف بمسؤوليته عمّا فعل، هذا ما لا نسمع به في حروب اليوم الآمنة حيث الموضة هي تحميل مسؤولية الأخطاء على التكنولوجيا… كيف تكون الأمور معقدة إلى هذه الدرجة؟”
وقد كتب هيوجو قصيدة اعتذار أهداها إلى سيميك، أعمق وأصعب ما فيها قوله:
“العالم لا يتعلّم أبدًا
التاريخ لديه طريقة لجعل الماضي مقبولًا، لجعل الموتى وهمًا…
لطيف أن أقابلك أخيرًا بعد الكراهية بدون سبب.
المرة القادمة إذا أردت أن تتأكد من نجاتك اجلس على الجسر الذي .
أحاول ضربه ولوّح لي”
*…*…*…*
في حادثة قصف بلجراد تغيب المواجهة المباشرة بين القاتل والقتيل، بفعل آلات الحرب المتطورةصارت حوادث القتل الجماعي تمرّ على الناس مرورًا إحصائيًا، قتلى بلا وجوه، أشلاء لا أجساد، أرقام لا أسماء…
وقد فرّق ممدوح عدوان في كتابه (حيونة الإنسان) بين نوعين من أنواع الإبادة الجماعية: النوع الأول الإبادة التي يرى فيها القاتل الدم الذي يسفكه ويستمتع به، أما النوع الثاني وهو الأكثر شيوعًا – لا سيما بعد التطور الهائل في الأسلحة- الإبادة عن بعد، يكون القتل فيه أكثر شمولًا بحيث إن القاتل يفكر على أساس المناطق على الخارطة أكثر مما يفكر بالأفراد… وقد اعترف أحد الضباط الأمريكيين الذي أعطى الأوامر بتقتيل لواء من جنود عراقيين منسحبين من حرب الخليج الثانية وشارك هو بنفسه في التنفيذ، بأنه شعر بأن الأمر شبيه بلعبة الgame التي يمارسها الأولاد على الكمبيوتر أو الأتاري، وفي الحالتين لا ترى الضحايا بشرًا…. لكن في النوع الأول من الإبادة يرى القاتل النتائج المباشرة لعمله، بينما في الحالة الثانية لا يرى ذلك…
*…*…*…*
عن آلة الحرب المتطورة بتسارع ووحشية لتخدم نوازع القتل والتدمير، كتب غاليانو نصًّا بعنوان (روبوتات وأجنحة) يقول فيه:
” أنباء طيبة. في مثل هذا اليوم من سنة 2011 أعلن كبار الضباط في العالم أن الطائرات التي بلا طيار يمكن أن تواصل قتل البشر.
إن هذه الطائرات التي بلا طيارين، والتي لا طاقم فيها، والتي تُسيَّر بالريموت كونترول، هي في صحة جيدة: فالفيروس التي هاجمها كان إزعاجاً عابراً فحسب.
أسقطت الطائرات التي بلا طيار مطرها من القنابل على ضحايا لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في أفغانستان والعراق وباكستان وليبيا واليمن وفلسطين، وخدماتها متوقّعة في بلدان أخرى.
إن الطائرات التي بلا طيار هي المقاتلون التامون في عصر الكمبيوتر الجبّار. فهي تقتل دون ندم، وتطيع دون ملل، ولا تكشف أبداً أسماء أسيادها.”
*…*…*…*
وعن الحروب التي يشعلها الكبار، الكبار الذين هم آخر من يكتوي بنارها، يقول العراقي سليم مطر في روايته (امرأة القارورة):
“خلال سبعة أعوام الحرب قمت بسبع محاولات هرب، انتهت ست منها بالفشل. أما السابعة فنقلتني إلى (جنيف)، لأنها لم تكن بالضبط محاولة هرب قدر ما كانت تيهاً في أنفاق المجهول. وإذا كان الحظ قد حالفني في شيء ، فذلك بأني خلال سبعة أعوام، تمكنت بأعجوبة من أن أنجو من حكم إعدام نفذ بحقّ الآلاف من الفارين مثلي . أعدموا وعُلقت جثثهم أمام منازلهم ليكونوا عبرة للآخرين، بل إن عوائلهم قد أجبرت على دفع ثمن طلقات قد أعدم بها أبناؤها. يمكنكم أن تقولوا عني إني لم أكن شجاعاً في الدفاع عن بلادي، ولكن إذا كانت الشجاعة في عرفكم تعني التضحية بالنفس ، فإني على العكس منكم تماماً، إذ تقاس شجاعتي بمدى تمكني من حفاظي على نفسي. ثم خبّروني باللّه عليكم، هل من الضروري أن تنسحق روحي وتتقطع أوصالي ، لكي يجلس القادة المحترمون في النهاية إلى طاولة المفاوضات لتقاسم بضعة كيلومترات عند حدود ملطخة بدماء ملايين بائسة، ثم هل تضمنون لي أن هؤلاء القادة، بعد الانتهاء من مفاوضات الحدود، سيتفاوضون مع الرب لارجاع حياتي التي نهشتها دباباتهم وبعثرتها قنابلهم ؟ أشد ما كان يقززني ويدفعني إلى التمرد والهرب، صورة شاذة كانت ترتسم في مخيلتي في أثناء تفاقم المحنة: ” إن قادة الدولتين يتناكحون فيما بينهم ونحن جحافل الجيوش عبارة عن حيامن معتقة يقذفونها في بعضهم البعض. ننسكب نحن شهداء ملذاتهم وهم يرتعشون شبقاً في خطبهم وشتائمهم وتهديداتهم لبعضهم البعض. بعد أن يتعبوا وينتهوا، ينبطحون على ظهورهم في سرير المفاوضـات ويمسحون جبهاتهم ومؤخراتهم من جثثنا، ثم يتعانقون بحب”! “شجاع إذا ما امكنتني فرصة فإن لم تكن لي فرصة فجبان”

2 thoughts on “قابيل: نسخة محدّثة

  1. الموضوع رائع ياصبح الرائعة؛ لقد عشت احداث الحرب العراقية الايرانية في طفولتي ثم حرب الخليج لقد قضت على الطفولة والشباب ،أذكر في طفولتي بكاء ونحيب الامهات حين تستقبل ولدها ملفوفا بالعلم يحمله رفاقه وقد ودعته بقبلات وهو شامخا يشد على قلبها ويقول انتظريني لتزفيني الى عروسي، وحكايا كثيرة من قصص الحب التي انهتها الحرب نهاية مأساوية ثم حرب الخليج عشنا فيها على البطاطا المسلوقة والطماطم فقط حيث لاتصل الى مدننا اي مواد غذائية بسبب قصف الطائرات الأمريكية ثم الحصار الذي فرض على العراق كعقوبة لاغذاء ولادواء ،وماذا أحكي بعد …… الحرب آفة تأكل كل أخضر ويانع تذل البشر وتنهكهم .
    أعجز عن التعبير ولدي من الكلام الكثير ….ولكن اذكر كلاما للاستاذ الكاتب أيمن العتوم سأذكره في التعليق على التغريدة . دمت متألقة🌹

    Liked by 1 person

    1. يا الله يا زينب.. يا للعراق الجريح. أفكّر دائما في قول السيّاب: “ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع” وأتمّه “ما مرّ عام والعراق بلا حزن ولا موت ولا صراعات” 💔💔💔 يا للوعة.. يا الله

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s