فائض

حين بدأ الجوع يدقّ أبواب بيته ويسرق قوت يومه ويُقاسم أولاده طعامهم وينهب منهم بعض الضحكات وكثيرًا من الرغبة في اللعب… قرر أن يقاومه؛ بدأ أولًا في بيع بعض قطع الأثاث التي لا يحتاجها، فاتسعت المساحات في غرف بيته، وصار الجوع أقدر على التجول بإنسيابية. خاف أكثر فانتقل إلى بيت أضيق على أمل أن لا تتسع مساحات بيته الجديد لتسكع الجوع، لكنّ الجوع لم يفارقهم، بل انحشر معهم في تلك الحجرات الضيقة… اضطر رب الأسرة لبيع ثيابه لعلّه يُحرج الجوع، لكن الجوع تعرّى معه وصار يمشي في البيت مستعرضًا عريّه القبيح… فزع صاحب البيت من جرأة الجوع وظلّ يصرخ عليه ويُطالبه بالمغادرة، لكنّ الجوع لم يستجب لكل المناشدات، فأيقن الرجل بأن صوته لا يُسمع، ولن يُغيّر في الواقع شيئًا. قرر أخيرًا بيع لسانه باعتباره من الكماليات التي لا يحتاجها، وضع إعلانًا في الصحيفة اليومية وقد كلفته مساحة الإعلان راتب نصف شهر… لكن الوجيه الذي اشترى اللسان عوّضه عن هذه الخسارة بمربح جيّد. فصار البائع لا يتكلم إلا مادحًا للوجيه المشتري ولا يصرخ إلا لهجاء أعدائه… وحين بدأت الأموال تتدفق بين يديه عجز الجوع عن فهم لغته الجديدة التي بدأ يتحدثها بعد بيع لسانه. صارت حجرات البيت تتكدس بالأثاث والزينة وتضيق على الجوع، فانكفأ على نفسه مُعذّبا بالغربة، ثمّ هرب في النهاية… الجيران الذين شاهدوا الجوع يركض عاريًا خارجًا من بيت الثري الجديد، احتشدوا كلهم في اليوم التالي أمام الصحيفة الرسمية وفي أيديهم إعلانات تقول: (لسان للبيع، استخدام محدود)

One thought on “فائض

  1. وكأن الجوع حشر الرجل في الزاوية ليُظهر أسوأ ما فيه حتى باع نفسه وكرامته، وكأن الجوع مدانٌ يا منى!
    ألا يمكن أن تخيل أنّ الحاجة تبرأ من سفالة الرجل، وأن بعض الجوعى لا يخونون؟

    ألا يمكن يا صديقتي؟

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s