في المقعد الخلفي، كانت لي حكايات

ملاحظة أوليّة:

كُتِبَت هذه التدوينة في ٨ مارس ٢٠١٧، قبل السماح للنساء بقيادة السيارة.

54199d8f621a75937b9e41cb_01456807124547453954.jpg

مشاوير الأجرة أحد مخاوفي الكثيرة التي تُحكِم قبضتها على أيامي، فقد كنت ومازلت فتاة خائفة، أخاف من الوقوف طويلًا على الأرصفة، أخاف أن أُقْذَف بزجاجة، أخاف أن أُقْذَف بكلمة جارحة -وقد حصل- أخاف من التوغل في مكان مزدحم، أخشى أن أتعرض لتجربة تحرش أضطر لكتمانها وأعجز عن نسيانها، وأخاف كذلك من الأماكن الفارغة تمامًا والصامتة، الأماكن التي يُمكن للمرء في هدوئها المريب أن يسمع حتى صوت أفكاره، وأن يتخيل فحيح أفكار الآخر.

أنا البنت الخائفة دائمًا، لكنّ خوفي لم يعلمني الحذر. لا أعرف كيف أختلق لنفسي هوية جديدة، هذه واحدة من مشكلاتي الكثيرة، كلما اخترعتُ لنفسي اسمًا مستعارًا و وجهًا مستعارًا، لا يدوم الأمر طويلًا حتى أُخبر الجميع من أنا، مالم يكتشفوا الأمر قبل مصارحتهم به من الأساس. ولذا كنتُ أكره تبادل الكلام مع سائقي الأجرة، لأنّه حين يسألني عن عملي سأخبره، وحين يسألني عن حيي السكني لن يسعفني الوقت لأبتكر اسمًا جديدًا، وحين يسألني عن تخصصي ستغيب كل التخصصات عن ذهني ويبقى تخصصي فحسب، وبذا أكون قد نزلت من سيارته بعد تقديم سيرتي الذاتية.

فيما بعد اكتشفتُ أنّي لا أكره الكلام ذاته، لكنّي أكره الأسئلة لأنها تُجبرني على تقديم نفسي، وأنا لا أريد هذا… أريد أن أظل كتلة من السواد مطموسة الهوية تجلس في المقعد الخلفي وتنزل بلا هوية ولا اسم ولا وجه ولا عمل ولا اهتمامات… ولكنّي أحب السماع من هؤلاء العابرين، السائق العابر بالنسبة لي، وأنا العابرة بالنسبة له.

أتذكر دائمًا أول تجربة ركوب وحدي مع سائق، كنتُ مضطرة دائمًا لتبرير نفسي، ومازلت، أحتشدُ بالتوجس فأُخبر السائق العابر مثلًا أنّي سأذهب لأبراج البيت لألتقي صديقة تعمل هناك، حتى لا يظن أنّي أرتاد الفنادق لغاية رخيصة تغريه بي. أحزن دائمًا على نفسي حين أُبرر نفسي، لكنّي أُبرر نفسي دائمًا، لأن الخائف لا يملك خيارات عديدة.

مشواري الأول وحدي لم يكن للأبراج، كان للصيدلية، أوقفت سيارة أُجرة في الشارع وركبت، شاب صغير في السن، سعودي، محترم جدًا. سألني إن كنتُ أريد صيدلية بعينها، قلت: أي صيدلية. فبدأ يُفصّل لي في فروقات السعر بين (النهدي) و(غاية) والمثال الذي استخدمه (الحفّاظات والحليب) وفارق الستة ريالات، فعرفتُ أنه أب لطفل رضيع، يعتاش من المشاوير، رقّ قلبي له، لكل الذين يجوبون الشوارع بحثًا عن ثمن اللقمة المغموسة في التعب وضعف الاحتمالات. قبل نزولي سجلت رقمه، لم أكن حينها أُحب تعداد السائقين، فإذا ما ارتحت لأحدهم لجأت له في كل مرة، لكنّ الوضع الآن تغيّر. صرتُ أحب تجربة الركوب في كل مرة مع سائق جديد، في سيّارة أخرى، ولو كنتُ أعرف مدينتي بشكل جيد لسلكتُ طرقات جديدة، لكنّي أجهل هذه الشوارع التي اعتادت أن تلفظني.

مرة خرجتُ مع (ماهر) سائق أوبر الذي اعتذر عن إتمام مشاويري المتعددة، وأبدى استعداده لوجهتي الأولى فقط، حين هممتُ بالنزول قال إنه سيتحرك من مكانه، يخاف من مخالفة الوقوف الخاطئ، وقصّ علي قصة المخالفات المرورية التي أكلت من أجرته الكثير، وبلغت ضعف مكسبه في بعض الأوقات، واندلق الكلام بيننا، عن زبائنه السيئين، وعن تجاربي السيئة مع السائقين. ماهر شاب صغير رُبما كان بيننا عشر سنوات، لكنّه ظلّ ينصحني بحماسة ويُخبرني أنّ المثالية لا وجود لها، والاحترافية قد تنعدم عند الكثيرين، وينبغي عليّ تهيئة نفسي لهذا، وانتزاع نظرتي الوردية من المشهد، والحذر من الاستغلال… حين تبادلنا الحكايات، أبدى ماهر استعداده لمشاوير تلك الظهيرة كلها، من محل الجوالات إلى الصيدلية إلى مكتب زين إلى موقع شركة تسليم الشحنات إلى محلات الكمبيوتر… وكلما اعتذرت عن إرهاقه بكل هذا وعن تأخري في بعض المحلات، يقول: لا لا عادي خذي راحتك… رغم تشنجه في بدء المشوار.

كان في ماهر سمات كثيرة مما في إخوتي الذكور، يصغرونني إلى حدّ إدراك ذاكرتي للحظة ولادتهم وتسميتهم… ومع هذا يشعرون دائمًا بأنهم أدركوا كلّ شيء في المحيط الخارجي، فينصحوني بثقة ماهر وحماسته…

محمد السعودي أيضا، صاحب الكامري الذي خشيتُ من صورته وسيارته وفكرت في إلغاء الرحلة، بلا سبب… فقط لعقدة من سعودي آخر ألغى الرحلة يومًا ما بعد انتظاري له مدة ٩ دقائق في المطر، بحجة أنّي رفعت صوتي عليه في الهاتف، وأنه ليس أصغر عيالي… المهم أن محمد الذي ارتبتُ منه، كان كريمًا ووقورًا وخدومًا، لدرجة أنّي طلبت منه الوقوف في شارع مُقابل للمحل الذي أريد، فخشي عليّ من قطع الشارع وعرض أن ينزل هو بنفسه ليشتري لي أغراضي…

محمد المصري الذي أسمعني موسيقا كلاسيكية تشغل مساحة الصمت، شعرت برغبتي في بدء حديث معه، حين بدأت موسيقا (حلوة يا بلدي) سألته عن عدد السنوات التي قضاها هُنا، فأخبرني أنها ١٥ سنة، عمل خلالها أعمالًا عديدة، بائعًا في قزّاز، سائق أجرة، ثمّ سائق أوبر… سألته: تحنّ لمصر؟ قال: أوووه دائمًا.

تكلمنا عن الفرق بين العمل سائقًا لأجرة والعمل في أوبر، قال إن أوبر عمل أفضل من كل عمل جرّبه من قبل، في الأجرة هو من يبحث عن زبائنه، في أوبر الزبون يفتش عنه، في الأجرة المرور يتعقب ويحاسب، في أوبر تمضي الأمور سلامات، تأمين الأجرة لا يُطاق، وتأمين سيارته الخاصة أهون… أخبرته أن أبي الذي يمتلك سيارة أجرة سيحوّلها إلى سيارة خصوصية بسبب تكاليف التأمين العالية، وضعف قدرته على العمل الآن… سألني عن عمر أبي، وسنوات عمله. وحين أخبرته، صارحني بمخاوفه في هيئة سؤال: هل أثّرت القيادة الطويلة على ظهر أبيك وعظامه؟

انتقلنا للحديث عن المعيشة، عن التقشف وغلاء الأسعار، فحكى لي عن أوجاع المقيمين، وعن تجديد الإقامة… وأغلق الموسيقا الكلاسيكية واستبدل بها أغنية تقول: ملعون أبوك يافقر…

وحين اقتربت من وجهتي الأخيرة قال: أحب اسم مُنى، بنتي اسمها مُنى…

وابنته في مصر، وأنا في المقعد الخلفي، وأبي في الحديث الذي بيننا…

لربما كان هذا كلّه مما لا يستحق الحكاية عند الآخرين، أمّا عندي -أنا التي أتحرك دائمًا في مساحة ضيقة جدًا- فهو يستحق التذكر والحكاية… لأني أحب مطاردة الحكايات والقبض عليها، ولأنّ هذه تجاربي الأولى في اكتشاف مدينتي، في عبور الشوارع وحدي والتعرف عليها، في الإنصات لحكايات الغُرباء، وفي الاحتكاك بما هو خارج الحَلَقات المستحكمة حولي…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s