رصيف نمرة خمسة

في بكور العُمر، في أوائل التسعينات الميلادية، حين كُنّا صغيرات نكبر في عين أب يُسمّيه الناس (أبو البنات) كُنا مولعات بالموسيقى، بأغاني عمرو دياب (ما تخافيش أنا مش ناسيكي) بغراميات حميد الشاعري: (لولاكي لولا لولا لولا، لو لاكي ما حبيت، وبحبك ما غنيت) بطلال إذ يُعلن مكاسب الحُبّ (ما دام معايا القمر، مالي ومال النجوم) وتأثّرًا بهذه الأغنية كان خالي يُسمّي أختي المفضّلة لديه: (قمر بين النجوم) ولم يكن انحيازه لأختي يثير غيرتي، فإن لم أكن قمرًا في أغنية لطلال، يكفيني أن أكون نجمة…

كان أبي يُطارد أحلام صغيراته، ويتعقّب رغباتهن بالطاعة، يشتري لأختي الكبرى كاسيتات مطربيها المفضّلين، من عمرو دياب إلى حميد الشاعري إلى إيمان الطوخي ونادية مصطفى وخالد عبد الرحمن، ويشتري لأختي الوسطى كاسيتات مطربيها المفضلين أيضا، عبد المجيد حين كان عصفورًا للفن، يصدح: “يا مُنى عُمري أنا، أنا لي مكان، بين النجوم، فوق السحاب، أغسل بألوان الفرح كل العذاب”

فيما كنتُ أنا -الأصغر بينهما- بلا فنان مفضّل ولا كاسيتات، وأكتفي بسماع الأغاني معهما.

أتذكّر المشاوير القصيرة التي كُنا نُقضيها مع أبي، وكيف نتناوب عليه بطرح سؤال: (أغني لك؟) ويرحّب بالأمر، فنغني بأصواتنا الطفولية أغانٍ نحفظ بعض كلماتها ونقترح كلمات دخيلة لما فاتنا حفظه… ويهزّ رأسه بطرب.

في أوائل التسعينات، كُنّا نقضي الإجازة في قريتنا الجنوبية الجميلة، برفقة جدّي وجدتي، ولم يكن أبي معنا بسبب ظروف عمله التي أبقته في المدينة. زارتْ عمّتي القادمة من أقصى الشمال بيتنا في غيابنا، فأفزعتها الكاسيتات المكدّسة في أدراجنا، وقرّرت تغيير المنكر بيدها، فأتلفت كثيرًا منها، وسحبت الشريط البني الرفيع اللامع إلى خارج الكاسيتات ومزقته… وقد أغضب الأمر أبي، لكنّه حين جاء إلى القريّة ليعيدنا إلى بيتنا، اجتمع بنا وطلب منّا أن لا نغضب ونثور في وجه عمتي، ووعدنا بالعوض القريب. وبالفعل، في طريق العودة وقف أبي أمام محلات التسجيلات التي تصطف بشكل مُتفرّق على خط الساحل، وطلب منّا أن ننتقي ما نريد… كنتُ في عامي التاسع، ورأيت غلاف كاسيت مكتوب عليه: (آيسكريم في جليم) لعمرو دياب. فلفتني الاسم، واشتريته. وكان أولّ كاسيت أمتلكه في حياتي… ظللتُ أسمعه لأيام، وتعلّقت بأغنية تقول: “رصيف نمرة خمسة، والشارع زحام… وساكتْ كلامنا ما لاقي كلام” شدّتني الكلمات الغربية التي لم أفهمها، واللحن الشاعريّ الشجيّ… فصارتْ أغنيتي المفضّلة.

في تلك الأيام، كانت أغلى غلّة تتبادلها الفتيات هي الأغاني، وكان لأخواتي صديقات في أعمارهن، يتبادلن الزيارات، وفي منتصف كل زيارة يصدح المسجل بالأغاني، وفي نهاية الزيارة يتبادلن الكاسيتات… ولأني كنت الأصغر/ أي الهامش… فقد أعطت أختي الكاسيت الوحيد الذي أملكه لرفيقتها دون إذن منّي… وكم حزنتُ لفقده. وطلبت منها أن تستعيده، وهمّشتني أيضا. فأقسمت أن (أفشّلها) مع رفيقتها وأستعيده بنفسي… وبالفعل أذكر أني دخلتُ في أحد الزيارات إلى المطبخ حيث كانت رفيقة أختي تعدّ الشاي، كانت في عقدها الثاني، يفصل بيني وبينها حوالي سبع سنوات على الأقل، استجمعت شجاعتي وكل ما أملك من وقاحة وأخبرتها أنها أخذت شريطي بلا استئذان، وأن عليها أن تُعيده… لا أتذكّر ردّها، ربما وافقت ثم ماطلت، ربما تجاهلتني، رُبما قايضتني بما أخذته أختي منها من كاسيتات… لا أتذكّر، لكن الذي أتذكّره تمامًا أني ما استعدتْ شريطي الأولّ أبدًا…

بعد أكثر من عشر سنوات، حين دخل الإنترنت إلى بيوتنا وانفتحت صفحاته على آلاف الأغاني، كُنتُ أقضي ساعات على الجهاز أُفتّش خلالها عن مفقودات طفولتي من حلقات الرسوم المتحركة، وبعض المسلسلات، وبالتأكيد: الأغاني.

وقد كانت أغنية (رصيف نمرة خمسة) على رأس قائمة المفقودات… وصارت في متناول سمعي، أخيرًا، غير أنّ الكلمات ظلّت بعيدة عن متناول فهمي. ومع هذا فقد أسميتُ أول مدوّنة أنشأتها على الإنترنت (رصيف نمرة خمسة)

وقد بحثتُ مرة عن معاني كلمات هذه الأغنية، فوجدتُ هذا التأويل البديع في منتدى مصري، أنقله كما هو:

فى البداية الشاعر ابتدى بكوبليه
(رصيف نمره خمسة
والشارع زحام
وساكت كلامنا
ما لاقى كلام..
تسالى ياخال؟ تدخن ياعم؟
تتوه المعانى فى لسانى لجام”
الشاعر هنا شبّه مجتمعنا اللى بيتوسط العالم كله بإنه رصيف مليان بشر أشكال وألوان وزحمة فظيعة فيه، والناس جواها كلام ومش قادرة تقوله ولا تعبر عنه… وفى وسط منتا ماشى فى الطريق بتشوف أطفال كتير مشردة بتبيع تسالي وسجاير والمعانى بتتوه وأنت فى شىء مخليك مش قادر تتكلم وعلى فمك لجام…
“كلاكس الطرلى بيسوّر ودانى
وشحتة المزين بياكل ودانى”
بعد كدا بيرجع الشاعر يتكلم عن زحمة المواصلات والطريق الواقف والكلاكسات اللى بتزعج الناس والتلوث السمعى سواء عن طريق الكلاكسات أو عن طريق النميمه وسط الناس.
“يا نادى باريس
تعالا وحاسبنى
وجدول ديونى
عشانه وعشانى”
يقصد الديون المتلتلة لدول كبيرة زى فرنسا.
“وعبدالله رشدى محامي قدير
بيرفع قضية فى باب الوزير
على عم فكرى بتاع البليلة
علشان مره زعق بصوته الكهييل”
هنا الشاعر بيتكلم عن الشعب الغلبان اللى صوته مش واصل للكبار والمسؤولين. فوصف الموضوع بإن عبد الله رشدي المحامي المحترم القدير والمشهور بيرفع قضية لصالح الوزير علشان عم فكري الغلبان زعّق بصوته الكهيل (الصوت الضعيف)
“بقالة الأمانة ونصحي السروجى
عاملين لي شركة فى مشروع بوتيك
ونادوا لعبدو الفرارجى يشاركهم
فردّ بألاطه محبش شريك”
هنا الشاعر دخل فى قصة الناس اللى بتفتح مشاريع عشان يكسبوا من وراها فلوس وخلاص بغض النظر عن إنها مش كارهم ولا شغلتهم دا حتى الفرارجى بتاع الحمام الفريك ما بيحبش شريك.
“وجت وقعة سودا فى سوق الإمام
عشان عم لمعي بتاع الحمام
ماقدرش يوصل لأى اتفاق، مع سبع أفندى فى قضية سلام”
دا بقى أقوى كوبليه فى الأغنيه كلها فى وجهة نظري عشان الشاعر هنا كان بيقصد قضية السلام بس عبر عنها بحرفية شديدة فكان بيقول إنها كانت وقعه سودا فى الأمة العربية (سوق الإمام) عشان عم لمعي بتاع الحمام اللى هو رئيس السلام (السادات) ماقدرش يوصل لأى اتفاق مع سبع أفندى (أمريكا واسرائيل) فى قضية السلام في المنطقة العربية.
“وأطفال عجايز فى مهد الطفولة
وأفلام قديمة، وإعلان كاكولا”
يقصد الأطفال اللى كبروا قبل الأوان واتشردوا وضاعوا والتليفزيون يهمشهم ومابيعرضش غير الأفلام القديمة والإعلانات.
“تبزنس تعيش لآخر حياتك
ولو باعوا فرخة هتاخد عمولة”
طبعا واضحة ومفهومة
“ولا البحر باين لآخره مراسي
ولا حد راسي، فين الفرج؟ آه فين الفرج”
الشاعر هنا أنهى الأغنية بحكمة جميلة جدًا بيقول مش دايمًا نهاية التسابق على الفوز فى الدنيا… ومحدش راسي أو عارف فين الفرج والراحة
وبيسأل الشاعر فى الآخر فين الفرج؟
آه… فين الفرج؟

بعيدًا عن الأغاني، قريبًا من ذكر الآباء الذين يتعقبون أمانينا ليحيلوها إلى واقع. أتذكّر حدثًا قديمًا، قديمًا جدًّا… أقدم من حكاية رصيف عمرو دياب، حدث حين كنتُ دون سنّ الدراسة، رُبما في الخامسة أو السادسة من العُمر، أتذكّر الحدث الآن كحلم غائم، وتحكي لي أمي تفاصيله أحيانًا… كان التلفزيون أيامها يعرض إعلانًا لجبن كاسات، ويصوّر كأس الجبنة بيدين وساقين، يتحرك ويتكلم… كنتُ مبهورة بالجبنة الناطقة… ومرّة ذهبتُ برفقة أبي إلى أكبر بقالة في الحيّ، وشاهدتُ الجبنة العجيبة أمامي، لم تكن جبنة ناطقة بطبيعة الحال، كانت إعلانًا ترويجيًا عبارة عن ورق مقوى مرسوم عليه الجبنة ذات اليدين والساقين، معلّق في سقف البقالة، تتدلى قَدَما الجبنة فوق رؤوس المتسوقين… يا لانبهاري حينها، يا لسعادتي، طلبتُ من أبي أن لا يشتري الجبنة من رفّ الأجبان، أردتُ شراء الجبنة ذات الساقين، ولم تكن للبيع… رفعني أبي لألمس ساقيها وأقتنع، لكنّي لم أقتنع باللمس، أريد أن آخذها معي، لا أصدّق أنّي أخيرًا رأيتها خارج الشاشة، فكيف أٌفرّط فيها وأتركها خارج البيت؟ طلبها أبي من البائع الذي رفض، فبكيت، ظلّ أبي يساوم البائع حينها، عرض عليه أن يشتريها، ظلّ يرجوه ويُساومه بمقابل ماديّ… ولا أتذكّر ما الذي حدث فيما بعد… هل نجحت مساومات أبي أم لم تنجح. أُعيد مونتاج الحدث في ذاكرتي وأتركه بنهاية مفتوحة لأنّ لحظة التنوير عندي لا تتعلّق بحصولي على الجبنة، بل بحصولي على أب يتعقّب أمنياتي، ولا يستصغر رغباتي الصغيرة… بل يُذعن لها.

وعودًا على بدء:

مُناسبة كتابة هذه التدوينة أنّي دخلتُ اليوم إلى محلّ تسجيلات يبيع أشرطة كاسيت، فطلبتُ كاسيتات عمرو دياب كلّها، وفتّشت فيها عن أغنيتي (رصيف نمرة خمسة) كي أمتلك من جديد أول كاسيت امتلكته في حياتي، لكنّي لم أجد الكاسيت… وهذا لا يهمّ. المهمّ هو السبب الذي أدخلني إلى المحل. فقد دخلت برفقة صديقة سيسافر أبوها برًّا بالسيارة في طريق كويل، وبَحثَ عن محل يبيع كاسيتات محمد عبده ليأنس بصوته على طول الطريق، فلم يجد إلا سيديات لا تتوافق مع مسجل سيارته… فالكاسيتات احتضرت منذ زمن، وبالكاد عثرنا على هذا المحل الذي وجدَتْ فيه صديقتي ضالتها، فاشترت لأبيها ما يبحث عنه…

كبرنا، وصار علينا نحن أن نتعقّب رغبات الآباء.❤

3 thoughts on “رصيف نمرة خمسة

  1. اغنيات الطفولة تبقى في الذكرة وتحيي ذكريات جميلة ، كان والدي ملتزماً فلم اكن اعرف شيئاً لكن اتذكر وانا ابن السابعة كلما نزلنا من الرياض الى جدة و اجتمع كل أبناء وبنات العمومة يأخذنا جدي الى البحر وأغنية الطريق اتبع قلبي لرويشد وأنا ما فيي لنجوى وبتونس بيك لوردة وغيرها حتى اليوم اسمعها اذا جيت جدة

    Liked by 1 person

  2. نص بديع كله حنين .. رأيت في أبيك أبي ، وفي عمتك محيطي كاملاً . يبدو أننا ننتمي لنفس الحقبة الزمنية لأني أعرف كل من ذكرتي حاضرهم وغائبهم .. بس نسيتي ايهاب توفيق وعلاء عبدالخالق وهشام عباس ومنى عبدالغني وحنان (:

    الآباء للبنات كالجذع للنبات ، إن استقام استقامو وإن ضربته عاصفة هوت بهم جميعاً . الله يحفظ كل الآباء ويرحم الراحلين.

    تحية للكاتبة

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s