دماء مجانيّة

جففت الحياة اليومية رأس الكاتب فهاجرت من عقله الحكايات، وكلما تلقى إتصالًا من الناشر يسأله عن مسار روايته الجديدة يزداد نزوح الأفكار.

كان في بداياته يلتقط الحكاية من ظلال الماضي، ومن أحاديث الناس، من طاولات المقاهي، من الأرصفة، من برامج الواقع، من تعليقات الإنترنت، من صفحة الوفيات… أمكنة لا تُحصى، ومخزون غزير. لكنّه منذُ جعل ظهره دعامة لصخرة اليأس الثقيلة التي أوشكت على الانهيار فوق كامل جسده، صار مُثقلًا عاجزًاعن الركض خلف الحكايات؛ يتجنب استعادة الماضي كي لا يُحرّض سعار الحنين، صار الاستماع إلى أحاديث الناس مشقّة لا يستطيع مكابدتها، فضّل العزلة على ضجيج المقاهي، لم يعد يخرج إلى الشوارع ليتسكع على الأرصفة حين صارت خُطى العابرين عليها تؤلمه وكأنهم يمشون على صدره بحمولاتهم الثقيلة من الهموم والأحزان، ولم يعد قادرًا على استيعاب تزييف الواقع في برامج تلفزيون الواقع فصار مهتمًا ببرامج الواقع التي لا تُسمى بهذا الاسم، اسمها المُعلَن هو (نشرات الأخبار) ويتابعها لأنها الشيء الوحيد الذي يمنحه الأمل بنهاية العالم.

حدث كل هذا حين كان الناشر لا يكف عن معاودة الإتصال به، رغم الحكايات التي اختارت الذهاب بلا عودة، والفواتير التي تتكدّس تحت باب شقته… كان يدرك أن طريقة الإنقاذ الوحيدة هي العودة إلى الوظيفة، وظيفة الكتابة غير الوظيفية، الكتابة التي لا تفعل شيئًا سوى ملاحقة الواقع بدلًا من تغييره… لا بد أن يكتب حكاية، أي حكاية، لا بد أن يُنقذ وضعه المادّي، وأن يحصد نجاحًا قد يعينه على ترميم سقف طموحاته والخلاص من الصخرة الثقيلة التي جعل ظهره دعامةً لها، ولا خلاص إلا بالعودة إلى هذه الوظيفة المترفة، وظيفة الكتابة غير الوظيفية، التي لا تُسمّى بهذا الاسم، اسمها المُعلَن هو: (كتابة إبداعية).

على طريقة أرخميدس الذي وجدها في مغطس الماء، وجدها الكاتب في مغطس الدماء. قرر أن ينقل شريط الأخبار من الشاشة إلى مسوّدة كتابه، مكث يومين أمام التلفاز يدوّن مايسمعه من أنباء، شذّب أخبارًا كثيرة، وبنى روابطًا فيما بينها ليكون لها نسيج متماسك… بعد عمل مستمر وجهد كبير أرسل أوراقه إلى الناشر اللحوح، كان يشعر بجلاء عتمة همومه ويتوهم زوال شعوره بالإفلاس الإبداعي والمادّي.

فيما كان يجدول مصروفات الشهر بحسب العائدات المتوقعة من بيع الكتاب، اتصل به الناشر، كان الإتصال الوحيد الذي لم يبعث في نفسه الرعب منذ شهور. فتلقّى المكالمة وقد هيأ نفسه للمفاوضة على حقوق النشر… لكنّ الناشر لم يمهله وقتًا لحشد حجج التفاوض، إذ صفعه بقوله: نعتذر عن نشر عمل بهذه الركاكة، فالعمل بعيد عن الواقع ومليء بالمبالغات المأساوية التي لا تحترم عقل القارئ ولا يصدّقها عاقل أو مجنون.

في المقعد الخلفي، كانت لي حكايات

ملاحظة أوليّة:

كُتِبَت هذه التدوينة في ٨ مارس ٢٠١٧، قبل السماح للنساء بقيادة السيارة.

54199d8f621a75937b9e41cb_01456807124547453954.jpg

مشاوير الأجرة أحد مخاوفي الكثيرة التي تُحكِم قبضتها على أيامي، فقد كنت ومازلت فتاة خائفة، أخاف من الوقوف طويلًا على الأرصفة، أخاف أن أُقْذَف بزجاجة، أخاف أن أُقْذَف بكلمة جارحة -وقد حصل- أخاف من التوغل في مكان مزدحم، أخشى أن أتعرض لتجربة تحرش أضطر لكتمانها وأعجز عن نسيانها، وأخاف كذلك من الأماكن الفارغة تمامًا والصامتة، الأماكن التي يُمكن للمرء في هدوئها المريب أن يسمع حتى صوت أفكاره، وأن يتخيل فحيح أفكار الآخر.

أنا البنت الخائفة دائمًا، لكنّ خوفي لم يعلمني الحذر. لا أعرف كيف أختلق لنفسي هوية جديدة، هذه واحدة من مشكلاتي الكثيرة، كلما اخترعتُ لنفسي اسمًا مستعارًا و وجهًا مستعارًا، لا يدوم الأمر طويلًا حتى أُخبر الجميع من أنا، مالم يكتشفوا الأمر قبل مصارحتهم به من الأساس. ولذا كنتُ أكره تبادل الكلام مع سائقي الأجرة، لأنّه حين يسألني عن عملي سأخبره، وحين يسألني عن حيي السكني لن يسعفني الوقت لأبتكر اسمًا جديدًا، وحين يسألني عن تخصصي ستغيب كل التخصصات عن ذهني ويبقى تخصصي فحسب، وبذا أكون قد نزلت من سيارته بعد تقديم سيرتي الذاتية.

فيما بعد اكتشفتُ أنّي لا أكره الكلام ذاته، لكنّي أكره الأسئلة لأنها تُجبرني على تقديم نفسي، وأنا لا أريد هذا… أريد أن أظل كتلة من السواد مطموسة الهوية تجلس في المقعد الخلفي وتنزل بلا هوية ولا اسم ولا وجه ولا عمل ولا اهتمامات… ولكنّي أحب السماع من هؤلاء العابرين، السائق العابر بالنسبة لي، وأنا العابرة بالنسبة له.

أتذكر دائمًا أول تجربة ركوب وحدي مع سائق، كنتُ مضطرة دائمًا لتبرير نفسي، ومازلت، أحتشدُ بالتوجس فأُخبر السائق العابر مثلًا أنّي سأذهب لأبراج البيت لألتقي صديقة تعمل هناك، حتى لا يظن أنّي أرتاد الفنادق لغاية رخيصة تغريه بي. أحزن دائمًا على نفسي حين أُبرر نفسي، لكنّي أُبرر نفسي دائمًا، لأن الخائف لا يملك خيارات عديدة.

مشواري الأول وحدي لم يكن للأبراج، كان للصيدلية، أوقفت سيارة أُجرة في الشارع وركبت، شاب صغير في السن، سعودي، محترم جدًا. سألني إن كنتُ أريد صيدلية بعينها، قلت: أي صيدلية. فبدأ يُفصّل لي في فروقات السعر بين (النهدي) و(غاية) والمثال الذي استخدمه (الحفّاظات والحليب) وفارق الستة ريالات، فعرفتُ أنه أب لطفل رضيع، يعتاش من المشاوير، رقّ قلبي له، لكل الذين يجوبون الشوارع بحثًا عن ثمن اللقمة المغموسة في التعب وضعف الاحتمالات. قبل نزولي سجلت رقمه، لم أكن حينها أُحب تعداد السائقين، فإذا ما ارتحت لأحدهم لجأت له في كل مرة، لكنّ الوضع الآن تغيّر. صرتُ أحب تجربة الركوب في كل مرة مع سائق جديد، في سيّارة أخرى، ولو كنتُ أعرف مدينتي بشكل جيد لسلكتُ طرقات جديدة، لكنّي أجهل هذه الشوارع التي اعتادت أن تلفظني.

مرة خرجتُ مع (ماهر) سائق أوبر الذي اعتذر عن إتمام مشاويري المتعددة، وأبدى استعداده لوجهتي الأولى فقط، حين هممتُ بالنزول قال إنه سيتحرك من مكانه، يخاف من مخالفة الوقوف الخاطئ، وقصّ علي قصة المخالفات المرورية التي أكلت من أجرته الكثير، وبلغت ضعف مكسبه في بعض الأوقات، واندلق الكلام بيننا، عن زبائنه السيئين، وعن تجاربي السيئة مع السائقين. ماهر شاب صغير رُبما كان بيننا عشر سنوات، لكنّه ظلّ ينصحني بحماسة ويُخبرني أنّ المثالية لا وجود لها، والاحترافية قد تنعدم عند الكثيرين، وينبغي عليّ تهيئة نفسي لهذا، وانتزاع نظرتي الوردية من المشهد، والحذر من الاستغلال… حين تبادلنا الحكايات، أبدى ماهر استعداده لمشاوير تلك الظهيرة كلها، من محل الجوالات إلى الصيدلية إلى مكتب زين إلى موقع شركة تسليم الشحنات إلى محلات الكمبيوتر… وكلما اعتذرت عن إرهاقه بكل هذا وعن تأخري في بعض المحلات، يقول: لا لا عادي خذي راحتك… رغم تشنجه في بدء المشوار.

كان في ماهر سمات كثيرة مما في إخوتي الذكور، يصغرونني إلى حدّ إدراك ذاكرتي للحظة ولادتهم وتسميتهم… ومع هذا يشعرون دائمًا بأنهم أدركوا كلّ شيء في المحيط الخارجي، فينصحوني بثقة ماهر وحماسته…

محمد السعودي أيضا، صاحب الكامري الذي خشيتُ من صورته وسيارته وفكرت في إلغاء الرحلة، بلا سبب… فقط لعقدة من سعودي آخر ألغى الرحلة يومًا ما بعد انتظاري له مدة ٩ دقائق في المطر، بحجة أنّي رفعت صوتي عليه في الهاتف، وأنه ليس أصغر عيالي… المهم أن محمد الذي ارتبتُ منه، كان كريمًا ووقورًا وخدومًا، لدرجة أنّي طلبت منه الوقوف في شارع مُقابل للمحل الذي أريد، فخشي عليّ من قطع الشارع وعرض أن ينزل هو بنفسه ليشتري لي أغراضي…

محمد المصري الذي أسمعني موسيقا كلاسيكية تشغل مساحة الصمت، شعرت برغبتي في بدء حديث معه، حين بدأت موسيقا (حلوة يا بلدي) سألته عن عدد السنوات التي قضاها هُنا، فأخبرني أنها ١٥ سنة، عمل خلالها أعمالًا عديدة، بائعًا في قزّاز، سائق أجرة، ثمّ سائق أوبر… سألته: تحنّ لمصر؟ قال: أوووه دائمًا.

تكلمنا عن الفرق بين العمل سائقًا لأجرة والعمل في أوبر، قال إن أوبر عمل أفضل من كل عمل جرّبه من قبل، في الأجرة هو من يبحث عن زبائنه، في أوبر الزبون يفتش عنه، في الأجرة المرور يتعقب ويحاسب، في أوبر تمضي الأمور سلامات، تأمين الأجرة لا يُطاق، وتأمين سيارته الخاصة أهون… أخبرته أن أبي الذي يمتلك سيارة أجرة سيحوّلها إلى سيارة خصوصية بسبب تكاليف التأمين العالية، وضعف قدرته على العمل الآن… سألني عن عمر أبي، وسنوات عمله. وحين أخبرته، صارحني بمخاوفه في هيئة سؤال: هل أثّرت القيادة الطويلة على ظهر أبيك وعظامه؟

انتقلنا للحديث عن المعيشة، عن التقشف وغلاء الأسعار، فحكى لي عن أوجاع المقيمين، وعن تجديد الإقامة… وأغلق الموسيقا الكلاسيكية واستبدل بها أغنية تقول: ملعون أبوك يافقر…

وحين اقتربت من وجهتي الأخيرة قال: أحب اسم مُنى، بنتي اسمها مُنى…

وابنته في مصر، وأنا في المقعد الخلفي، وأبي في الحديث الذي بيننا…

لربما كان هذا كلّه مما لا يستحق الحكاية عند الآخرين، أمّا عندي -أنا التي أتحرك دائمًا في مساحة ضيقة جدًا- فهو يستحق التذكر والحكاية… لأني أحب مطاردة الحكايات والقبض عليها، ولأنّ هذه تجاربي الأولى في اكتشاف مدينتي، في عبور الشوارع وحدي والتعرف عليها، في الإنصات لحكايات الغُرباء، وفي الاحتكاك بما هو خارج الحَلَقات المستحكمة حولي…

رصيف نمرة خمسة

في بكور العُمر، في أوائل التسعينات الميلادية، حين كُنّا صغيرات نكبر في عين أب يُسمّيه الناس (أبو البنات) كُنا مولعات بالموسيقى، بأغاني عمرو دياب (ما تخافيش أنا مش ناسيكي) بغراميات حميد الشاعري: (لولاكي لولا لولا لولا، لو لاكي ما حبيت، وبحبك ما غنيت) بطلال إذ يُعلن مكاسب الحُبّ (ما دام معايا القمر، مالي ومال النجوم) وتأثّرًا بهذه الأغنية كان خالي يُسمّي أختي المفضّلة لديه: (قمر بين النجوم) ولم يكن انحيازه لأختي يثير غيرتي، فإن لم أكن قمرًا في أغنية لطلال، يكفيني أن أكون نجمة…

كان أبي يُطارد أحلام صغيراته، ويتعقّب رغباتهن بالطاعة، يشتري لأختي الكبرى كاسيتات مطربيها المفضّلين، من عمرو دياب إلى حميد الشاعري إلى إيمان الطوخي ونادية مصطفى وخالد عبد الرحمن، ويشتري لأختي الوسطى كاسيتات مطربيها المفضلين أيضا، عبد المجيد حين كان عصفورًا للفن، يصدح: “يا مُنى عُمري أنا، أنا لي مكان، بين النجوم، فوق السحاب، أغسل بألوان الفرح كل العذاب”

فيما كنتُ أنا -الأصغر بينهما- بلا فنان مفضّل ولا كاسيتات، وأكتفي بسماع الأغاني معهما.

أتذكّر المشاوير القصيرة التي كُنا نُقضيها مع أبي، وكيف نتناوب عليه بطرح سؤال: (أغني لك؟) ويرحّب بالأمر، فنغني بأصواتنا الطفولية أغانٍ نحفظ بعض كلماتها ونقترح كلمات دخيلة لما فاتنا حفظه… ويهزّ رأسه بطرب.

في أوائل التسعينات، كُنّا نقضي الإجازة في قريتنا الجنوبية الجميلة، برفقة جدّي وجدتي، ولم يكن أبي معنا بسبب ظروف عمله التي أبقته في المدينة. زارتْ عمّتي القادمة من أقصى الشمال بيتنا في غيابنا، فأفزعتها الكاسيتات المكدّسة في أدراجنا، وقرّرت تغيير المنكر بيدها، فأتلفت كثيرًا منها، وسحبت الشريط البني الرفيع اللامع إلى خارج الكاسيتات ومزقته… وقد أغضب الأمر أبي، لكنّه حين جاء إلى القريّة ليعيدنا إلى بيتنا، اجتمع بنا وطلب منّا أن لا نغضب ونثور في وجه عمتي، ووعدنا بالعوض القريب. وبالفعل، في طريق العودة وقف أبي أمام محلات التسجيلات التي تصطف بشكل مُتفرّق على خط الساحل، وطلب منّا أن ننتقي ما نريد… كنتُ في عامي التاسع، ورأيت غلاف كاسيت مكتوب عليه: (آيسكريم في جليم) لعمرو دياب. فلفتني الاسم، واشتريته. وكان أولّ كاسيت أمتلكه في حياتي… ظللتُ أسمعه لأيام، وتعلّقت بأغنية تقول: “رصيف نمرة خمسة، والشارع زحام… وساكتْ كلامنا ما لاقي كلام” شدّتني الكلمات الغربية التي لم أفهمها، واللحن الشاعريّ الشجيّ… فصارتْ أغنيتي المفضّلة.

في تلك الأيام، كانت أغلى غلّة تتبادلها الفتيات هي الأغاني، وكان لأخواتي صديقات في أعمارهن، يتبادلن الزيارات، وفي منتصف كل زيارة يصدح المسجل بالأغاني، وفي نهاية الزيارة يتبادلن الكاسيتات… ولأني كنت الأصغر/ أي الهامش… فقد أعطت أختي الكاسيت الوحيد الذي أملكه لرفيقتها دون إذن منّي… وكم حزنتُ لفقده. وطلبت منها أن تستعيده، وهمّشتني أيضا. فأقسمت أن (أفشّلها) مع رفيقتها وأستعيده بنفسي… وبالفعل أذكر أني دخلتُ في أحد الزيارات إلى المطبخ حيث كانت رفيقة أختي تعدّ الشاي، كانت في عقدها الثاني، يفصل بيني وبينها حوالي سبع سنوات على الأقل، استجمعت شجاعتي وكل ما أملك من وقاحة وأخبرتها أنها أخذت شريطي بلا استئذان، وأن عليها أن تُعيده… لا أتذكّر ردّها، ربما وافقت ثم ماطلت، ربما تجاهلتني، رُبما قايضتني بما أخذته أختي منها من كاسيتات… لا أتذكّر، لكن الذي أتذكّره تمامًا أني ما استعدتْ شريطي الأولّ أبدًا…

بعد أكثر من عشر سنوات، حين دخل الإنترنت إلى بيوتنا وانفتحت صفحاته على آلاف الأغاني، كُنتُ أقضي ساعات على الجهاز أُفتّش خلالها عن مفقودات طفولتي من حلقات الرسوم المتحركة، وبعض المسلسلات، وبالتأكيد: الأغاني.

وقد كانت أغنية (رصيف نمرة خمسة) على رأس قائمة المفقودات… وصارت في متناول سمعي، أخيرًا، غير أنّ الكلمات ظلّت بعيدة عن متناول فهمي. ومع هذا فقد أسميتُ أول مدوّنة أنشأتها على الإنترنت (رصيف نمرة خمسة)

وقد بحثتُ مرة عن معاني كلمات هذه الأغنية، فوجدتُ هذا التأويل البديع في منتدى مصري، أنقله كما هو:

فى البداية الشاعر ابتدى بكوبليه
(رصيف نمره خمسة
والشارع زحام
وساكت كلامنا
ما لاقى كلام..
تسالى ياخال؟ تدخن ياعم؟
تتوه المعانى فى لسانى لجام”
الشاعر هنا شبّه مجتمعنا اللى بيتوسط العالم كله بإنه رصيف مليان بشر أشكال وألوان وزحمة فظيعة فيه، والناس جواها كلام ومش قادرة تقوله ولا تعبر عنه… وفى وسط منتا ماشى فى الطريق بتشوف أطفال كتير مشردة بتبيع تسالي وسجاير والمعانى بتتوه وأنت فى شىء مخليك مش قادر تتكلم وعلى فمك لجام…
“كلاكس الطرلى بيسوّر ودانى
وشحتة المزين بياكل ودانى”
بعد كدا بيرجع الشاعر يتكلم عن زحمة المواصلات والطريق الواقف والكلاكسات اللى بتزعج الناس والتلوث السمعى سواء عن طريق الكلاكسات أو عن طريق النميمه وسط الناس.
“يا نادى باريس
تعالا وحاسبنى
وجدول ديونى
عشانه وعشانى”
يقصد الديون المتلتلة لدول كبيرة زى فرنسا.
“وعبدالله رشدى محامي قدير
بيرفع قضية فى باب الوزير
على عم فكرى بتاع البليلة
علشان مره زعق بصوته الكهييل”
هنا الشاعر بيتكلم عن الشعب الغلبان اللى صوته مش واصل للكبار والمسؤولين. فوصف الموضوع بإن عبد الله رشدي المحامي المحترم القدير والمشهور بيرفع قضية لصالح الوزير علشان عم فكري الغلبان زعّق بصوته الكهيل (الصوت الضعيف)
“بقالة الأمانة ونصحي السروجى
عاملين لي شركة فى مشروع بوتيك
ونادوا لعبدو الفرارجى يشاركهم
فردّ بألاطه محبش شريك”
هنا الشاعر دخل فى قصة الناس اللى بتفتح مشاريع عشان يكسبوا من وراها فلوس وخلاص بغض النظر عن إنها مش كارهم ولا شغلتهم دا حتى الفرارجى بتاع الحمام الفريك ما بيحبش شريك.
“وجت وقعة سودا فى سوق الإمام
عشان عم لمعي بتاع الحمام
ماقدرش يوصل لأى اتفاق، مع سبع أفندى فى قضية سلام”
دا بقى أقوى كوبليه فى الأغنيه كلها فى وجهة نظري عشان الشاعر هنا كان بيقصد قضية السلام بس عبر عنها بحرفية شديدة فكان بيقول إنها كانت وقعه سودا فى الأمة العربية (سوق الإمام) عشان عم لمعي بتاع الحمام اللى هو رئيس السلام (السادات) ماقدرش يوصل لأى اتفاق مع سبع أفندى (أمريكا واسرائيل) فى قضية السلام في المنطقة العربية.
“وأطفال عجايز فى مهد الطفولة
وأفلام قديمة، وإعلان كاكولا”
يقصد الأطفال اللى كبروا قبل الأوان واتشردوا وضاعوا والتليفزيون يهمشهم ومابيعرضش غير الأفلام القديمة والإعلانات.
“تبزنس تعيش لآخر حياتك
ولو باعوا فرخة هتاخد عمولة”
طبعا واضحة ومفهومة
“ولا البحر باين لآخره مراسي
ولا حد راسي، فين الفرج؟ آه فين الفرج”
الشاعر هنا أنهى الأغنية بحكمة جميلة جدًا بيقول مش دايمًا نهاية التسابق على الفوز فى الدنيا… ومحدش راسي أو عارف فين الفرج والراحة
وبيسأل الشاعر فى الآخر فين الفرج؟
آه… فين الفرج؟

بعيدًا عن الأغاني، قريبًا من ذكر الآباء الذين يتعقبون أمانينا ليحيلوها إلى واقع. أتذكّر حدثًا قديمًا، قديمًا جدًّا… أقدم من حكاية رصيف عمرو دياب، حدث حين كنتُ دون سنّ الدراسة، رُبما في الخامسة أو السادسة من العُمر، أتذكّر الحدث الآن كحلم غائم، وتحكي لي أمي تفاصيله أحيانًا… كان التلفزيون أيامها يعرض إعلانًا لجبن كاسات، ويصوّر كأس الجبنة بيدين وساقين، يتحرك ويتكلم… كنتُ مبهورة بالجبنة الناطقة… ومرّة ذهبتُ برفقة أبي إلى أكبر بقالة في الحيّ، وشاهدتُ الجبنة العجيبة أمامي، لم تكن جبنة ناطقة بطبيعة الحال، كانت إعلانًا ترويجيًا عبارة عن ورق مقوى مرسوم عليه الجبنة ذات اليدين والساقين، معلّق في سقف البقالة، تتدلى قَدَما الجبنة فوق رؤوس المتسوقين… يا لانبهاري حينها، يا لسعادتي، طلبتُ من أبي أن لا يشتري الجبنة من رفّ الأجبان، أردتُ شراء الجبنة ذات الساقين، ولم تكن للبيع… رفعني أبي لألمس ساقيها وأقتنع، لكنّي لم أقتنع باللمس، أريد أن آخذها معي، لا أصدّق أنّي أخيرًا رأيتها خارج الشاشة، فكيف أٌفرّط فيها وأتركها خارج البيت؟ طلبها أبي من البائع الذي رفض، فبكيت، ظلّ أبي يساوم البائع حينها، عرض عليه أن يشتريها، ظلّ يرجوه ويُساومه بمقابل ماديّ… ولا أتذكّر ما الذي حدث فيما بعد… هل نجحت مساومات أبي أم لم تنجح. أُعيد مونتاج الحدث في ذاكرتي وأتركه بنهاية مفتوحة لأنّ لحظة التنوير عندي لا تتعلّق بحصولي على الجبنة، بل بحصولي على أب يتعقّب أمنياتي، ولا يستصغر رغباتي الصغيرة… بل يُذعن لها.

وعودًا على بدء:

مُناسبة كتابة هذه التدوينة أنّي دخلتُ اليوم إلى محلّ تسجيلات يبيع أشرطة كاسيت، فطلبتُ كاسيتات عمرو دياب كلّها، وفتّشت فيها عن أغنيتي (رصيف نمرة خمسة) كي أمتلك من جديد أول كاسيت امتلكته في حياتي، لكنّي لم أجد الكاسيت… وهذا لا يهمّ. المهمّ هو السبب الذي أدخلني إلى المحل. فقد دخلت برفقة صديقة سيسافر أبوها برًّا بالسيارة في طريق كويل، وبَحثَ عن محل يبيع كاسيتات محمد عبده ليأنس بصوته على طول الطريق، فلم يجد إلا سيديات لا تتوافق مع مسجل سيارته… فالكاسيتات احتضرت منذ زمن، وبالكاد عثرنا على هذا المحل الذي وجدَتْ فيه صديقتي ضالتها، فاشترت لأبيها ما يبحث عنه…

كبرنا، وصار علينا نحن أن نتعقّب رغبات الآباء.❤

توالد الحكايات

hqdefault.jpg

 

يقتل الكُتّاب أبطالهم في سطر أو سطرين، لا يستغرق الأمر سوى عدة كلمات تُجهز على الشخصية التي عاشت مئات الصفحات من قبل، فيموت الأبطال وتعيش الحكاية. يكتبُ الرواة أحيانًا عن أبطال مثلهم، رواة آخرون داخل النص، فتلد الحكاية حكايات متداخلة، يعيشُ أبطالها ويموتون مسلوبي الإرادة. في رواية (رجل في الظلام) يكتب (بول أوستر) عن راوٍ يقاوم الأرق بكتابة قصة عن أمريكا التي تتمزق في حرب أهلية، في داخل الحكاية يستيقظ رجل بعيدًا عن مدينته وزوجته وبيته، فيجد نفسه في معمعة حرب لا يعلم كيف دخل إليها، ولصالح مَن يُقاتل؟ ثمة قوة أعلى تتحكم في مصيره، قوة الراوي الذي ابتكره. فهو مجرد شخصية تعيش في رأس شخصية أخرى تحبسه في كل هذا الدمار. لا يقف الاستلاب هُنا، إذ تنبثق في النص جماعة تأمر البطل بقتل الراوي لتنتهي الحرب، لا يستجيب فيصير مُطاردًا ومُهددًا بالقتل من قِبَل هذه الجماعة، حين يسأل لمَ هو تحديدًا من يتوجب عليه قتل الراوي؟ يكون الجواب: لأنك بطل القصة ولا يُمكن لغيرك أن يقوم بهذه المهمة.

تكشف الرواية عن أزمة الفرد الذي يخوض حروبًا لم يفتعلها، ويسير وفق مصير عبثي لم يقرره لذاته. فالذين يفتعلون الحروب هم آخر من يكتوي بنارها. وحين يتمرد البطل على دوره يموت فجأة في مهمته الأخيرة إذ تسقط عليه قذيفة لم تستغرق من الكاتب إلا سطرًا على ورق.

في (الغيمة الرصاصية) لعلي الدميني تلد الحكاية حكايات أخرى. لكن بشكل مغاير، أبطال النصّ هم من يتحكم في مصير الراوي (سهل الجبلي) الذي يُفاجأ في أحد الصباحات بـ(مسعود الهمذاني) بطل روايته يزوره في مقر عمله بالبنك ليطلب قرضًا ضخمًا يمكنه من سداد الديّات وإنهاء الحرب التي افتعلها الرواي. يقول (سهل) متنصلًا من مسؤوليته: “كيف تتأكد من قدرتك على السداد، ومن يضمنك في هذا؟” ففواتير الحروب تُدفع دائمًا من معيشة ضحاياها، لكن أبطال الدميني يستغلون فراغات النص، ويؤولونه بطريقتهم، فيختطفون الكاتب، ويسجنونه في مغارة. يتناص السجن في رواية (سهل) مع السجن في واقعه، يتذكر أحلامه الماضية، والتنظيم الذي عمل لصالحه فانتهى سجينًا تختنق أحلامه في غرف التحقيق، يُفكّر في الرواية التي كتبها فصار أسيرًا لأبطالها. يتساءل عن آماله وأبطاله وعمله وحياته: “ما الذي يتبقى لي الآن؟ دفعتُ الثمن من عمري في الزنزانة الانفرادية، وحين قررتُ أن أكتب قصة عزّة لأصوغ شخصياتها وأحداثها حسب إرادتي اختطفني أبطال النص وأودعوني المغارات، وها هو مسعود يسرق قطيع الغنم لتكتمل إدانة البنك لي بتهمة تبديد أمواله أو تهمة الاختلاس” فقد دخل الراوي إلى عالم من ابتكاره لكنه عجز عن الخروج منه، أراد أن يُعبّر عن ذاته فأضاع ذاته في دهاليز الفكرة وتداعياتها، فأبطاله ينتفعون من غموض النصّ ويؤولونه لصالحهم، الغموض الذي خلّف فراغات اضطرارية لأن التعبير الصريح لا يُحرّر أحدًا في عوالم القمع، بل يحبس الناس في تداعياته. فيضيع (سهل) كشخص دخل  إلى عوالم أحلامه على سبيل الحقيقة لا المجاز، فصار حبيسًا في مدافنها.

كلمات وحكايات

فيما يتعلق بالكلمات، أعتقدُ أنّي أملك ذاكرة جيّدة تُمكنني من نقل أحاديث الآخرين بنفس الكلمات التي ينطقونها، لا أكتفي بمعناها العام أو خُلاصة مضمونها.
أحتفظ بذكريات قديمة جدًا عن اللحظات التي سمعت فيها بعض العبارات التي أعجبتني ثمّ صارت ضمن مفضلاتي. على سبيل المثال حين كان عُمري تسع سنوات أخذني عمّي إلى السوبرماركت ليشتري لي هدية العيد فاخترتُ كتابًا صغيرًا عدد صفحاته لا يتجاوز ٦٠ صفحة، وعلى غلافه السميك رسم جميل لوجه طفلة فقيرة، عنوانه (كوزيت).
لم أكن أعرف حينها أن الكتاب نسخة مخصصة للأطفال مُستقاه من كتابٍ ضخم اسمه (البؤساء)
مازلت أتذكر أنّ الكلمات الأولى في الكتاب تقول إن هذه القصة تحكي عن (جان فالجان) الرجل الذي ما زال اسمه محفورًا على طاولة خشبية في مدرسة قديمة. ومن ذلك اليوم إلى اليوم يستدعي ذهني صورة هذه الطاولة كلما مرّ بي اسم رواية (البؤساء) أو (جان فالجان) أو (فكتور هوجو) أرى الطاولة في ذهني وكأني رأيتها بعيني من قبل مع أنّي لم أرَها إلا في خيالي.
في كتاب (كوزيت) كانت زوجة العم الشريرة لا تتوقف عن الصراخ في وجه كوزيت المسكينة، يقول الكتاب إن العمة الشريرة حين تبدأ بالصراخ يبدو فمها مثل فوهة فرن حار تشتعل فيه النيران وينفتحُ بابه في وجه كوزيت فيلفحها بحرارته. أعجبني هذا التشبيه وعَلِق في ذهني، فصرتُ أُعلّق بصري على وجوه الناس الغاضبين حين يصرخون وأتصور أفواههم أفرانًا مفتوحة تلفح الآخرين بلهيبها.
من العبارات الأخرى التي أتذكر دائمًا لحظة لقائي بها أول مرة وإعجابي بقوة معناها، عبارة قرأتها في صفحة المشاكل والحلول في مجلة سيدتي، كنتُ في سن العاشرة، كلما عثرت على مجلة أظلّ أقرأها وأُتأمل صفحاتها لأسابيع، العبارة التي لم تُفارقني كتبتها فتاة راسلت المجلة لتشتكي من حجم قدمها الكبير، كتبت تطلب حلًا لمشكلتها وقالت: “أريد أن أجد علاجًا لمشكلتي ولو كان سمّ أفعى”… فأعجبني هذا التعبير وصرت أستخدمه لسنوات حين أُلحّ في طلب شيء بعيد، فأقول: سأحصل عليه ولو كان ثمن حيازته شرب سمّ أفعى.
من الكلمات الأخرى التي لم أنسَ لحظة سماعها لأول مرة، جملة تقول: (لا تخلّي اللي يسوى واللي ما يسوى يتكلم علينا) سمعتها في مسلسل سعودي لعائلة محمد حمزة كان يُبث بعد نشرة أخبار الثالثة فجرًا وكنت أيامها في عامي الثالث عشر… أعجبتني العبارة وشعرتُ بحاجة ملحّة لاستخدامها، وبالفعل في اليوم التالي أمرت المعلمة زميلتي بتغيير مكان جلوسها، لتبعدها عنّي حتى نكف عن التهامس في وقت الدرس، رفضت زميلتي الانتقال من مكانها، فاغتنمت الفرصة وقلت لها: قومي يا فلانة، قومي لا تخلين اللي يسوى واللي ما يسوى يتكلم علينا.. 😂😂😂 طبعًا دفعت الثمن مضاعفًا، وقضيتُ أيامًا في الإدارة أتلقى فيها التأنيب والتهديد من الوكيلة التي تصرخ عليّ فأشعر أنّ فمها فرن ينفتح في وجهي ويلفحني بلهيبه، طلبت المديرة حضور والدتي لكنّي لم أبلغها باستدعاء المدرسة، ولم يكن لدى الإدارة وسيلة للتواصل معها لأني كنت أعطي المدرسة دائمًا أرقامًا هاتفية وهمية🌚 وفي كل يوم أحضر فيه دون والدتي كانت المديرة تسجنني في مكتبها فأقف باستسلام أمام صراخها وصراخ الوكيلة، أمام الفرن الذي يلفح وجهي بلهيبه.😂