تأملات في البدء والمنتهى، وما بينهما

ef6158ff89524dd3f7e543c39a69df442100282828395949875.jpg(١)

‏لو كانت الأرواح في بدء الخلق مجتمعة ثمّ تفرّقت فهذا لا يعني أن كل روح تهفو إلى الروح التي كانت متّحدة معها من قبل فحسب، بل يعني أيضا أن التشظّي هو أول فعل ارتكبناه، التشظي هو قَدَرنا، هذا التشظي يُرهق أرواحنا ويذكّرنا بأن كل روح منّا لا تملك شيئًا تفعله لإنقاذ الأرواح التي كانت متحدة معها. فيا لقسوة الحزن الذي يأتي رديفا لحزن الأحبة لا مُعينًا عليه.

(٢)

أتصور أحيانًا أن خطيئة الشيطان الأولى لا تتمثل في رفض السجود لآدم، بل تتمثل في العودة إلى الوراء لنبش الماضي، واستدعاء الأصول، النار والطين.

وأتصور أنّ خطيئة آدم الأولى لا تتمثّل في أكل الشجرة المُحرّمة، بل في الفضول، في إغراء السؤال عن القادم، وشغف البحث عن إجابات: ماذا سيحدث إن فعلت؟

أمّا الذين تراجعوا عن سؤالهم المتعلق بالآتي: “أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء” واستجابوا لمعطيات الحاضر “فسجدوا جميعًا” فقد ظلّوا ملائكة إلى الأبد.

(٣)

‏نظنّ أننا اجتزنا الماضي، لكنّه يتشبث بنا فنحمله على أكتافنا ونسير في الطريق، نتقدّم، فنبعده عن مكانه حتى يفقد خطوط الرجعة ويبقى معنا إلى الأبد.

ف‏الذكريات كالموتى السائرين، لا سبيل للخلاص منها، إذ لا يمكن قتل الموتى، وتكفيهم ميتةٌ واحدة لتعينهم على إماتتنا ألف مرة.

لذا أتصوّر أن آدم حين أكل من الشجرة المحرّمة، لم يعاقبه الله بالخروج من الجنة فحسب، فالخروج ليس عقوبةً في حد ذاته. العقوبة هي خروجه مُثقلًا بالذاكرة، بذاكرته عن الجنّة ونعيم منزله الأول.

فالذاكرة هي لعنة البشر، هي جزاء خطيئة آدم، وجزاء خطايا ذريّته من بعده. تُعذّبنا بكل شيء، تُعذّبنا بالندم، بتفتيق حِسّنا على غوايات الماضي، تعذّبنا دائمًا بالحنين. ولهذا جعل الله مكافأة عباده المتقين تتمثل في العودة إلى مكان أبيهم الأول، أول مكان عرفته الذاكرة البشريّة: الجنّة.

(٤)

الفكرة الموضوعية المقابلة لفكرة أن الموت لا يستثني أحدًا، هي أن الموت لا يموت. ماذا يفعل بعد أن يقبض آخر روح على الأرض؟ يبقى وحيدًا هائمًا، عاطلًا عن العمل فلم تبقَ أرواح يختطفها، عاطلًا عن الأمل لا يجد ما ينتظره ويذهب إليه، تُخيّم عليه الوحشة التي طالما زرعها في مجالس العزاء وفناجين القهوة المُرة وأماكن الراحلين، مذمومًا لا يجد سوادًا يرمز إليه، ولا قنوات إخبارية تلهث خلف إحصائيات إنجازه، ولا أدعية أعداء تستدعيه، ولا أدعية أحباب تتقيه، ولا مراثي تقتات على حضوره.

إنني أنتقم بهذه الفكرة المستحيلة والمتجاوزة من فكرة خوفي منه، من أن يجعلني وحيدة دون أحبتي، أو أن يأخذني منهم. أتصور محترف النهايات وقد صار عاجزًا يرتجي نهاية.

(٥)

تقوم علامات الساعة وأهوال القيامة على فكرة النقض ومفارقة المألوف وقلب الأمور رأسًا على عقب. فتشرق الشمس من مغربها، وتنبعث الحياة من القبور، تفقد الجبال صلابتها وشموخها فتصير بهشاشة القطن، والأخلّاء بعضهم لبعض عدو… إلى آخر هذه الانقلابات التي سيُحدثها الله حين تقوم الساعة.

يومًا بعد يوم نخلق نحن على الأرض أهوالنا المبتكرة، ونمتهن النقض ومفارقة المألوف ونقلب الأمور رأسًا على عقب، فيصير الكذّاب نزيهًا، والنزيه مُدانًا، والنابح مرغوب الصوت، والصامت مزعجًا بصمته، والخائن فخورًا بذاته، والوفي مذعورًا من عواقب وفائه، والقاتل داعية سلام، والمسالم مشكوكًا في نواياه، والبرّ يُغرِق البشر في طوفان دمائهم، فيهرعون إلى البحر لينقذهم من الغرق عبر قوارب اللجوء المصنوعة على أعين سماسرة الحياة للهلاك لا للنجاة…

وبهذا نكون قد أنجزنا كل الانقلابات التي بوسعنا إنجازها، وابتكرنا قيامتنا واستدعينا جحيمنا قبل الأوان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s