نبوءات مخاتلة

كتبت إيزابيل الليندي لابنتها (باولا) حين نهشها المرض كتابًا تستدعي فيه ذكرياتها وماضيها، وتسرد فيه ما يفوت ابنتها المريضة من حاضرها الذي سرقتها منه غيبوبة طويلة. في الكتاب تحكي إيزابيل عن عرّافة أرجنتينية شهيرة التقتها في عشاء عائلي، فأخبرتها العرّافة بأربع نبوءات هي: “سيكون حمّام دم في بلادك. وستكونين مُجمّدة أو مشلولة لزمن طويل. صوتك الوحيد هو الكتابة. وأحد أبنائك سيكون معروفًا في عدة بقاع من العالم” سألت والدة إيزابيل العرّافة: “أيّهم” ثمّ أطلعتها على صورهم فأشارت العرّافة إلى صورة (باولا). تحققت النبوءات، حدث الانقلاب على حكومة سلفادور الليندي فسقطت البلاد في حفرة حكم عسكري دموي، ونُفيت إيزابيل من تشيلي، وتحققت النبوءة الثالثة طبعًا، فعاش صوت إيزابيل بواسطة الكتابة. أمّا النبوءة الرابعة التي تقول: “أحد أبنائك سيكون معروفًا في عدة بقاع من العالم” فقد كانت إيزابيل تتذكرها وقت مرض ابنتها، فتراها طريقًا للأمل، فتظن أن ابنتها ستستيقظ من غيبوبتها الطويلة، لتواصل مسيرة حياتها فتحقق الكثير ليعرفها العالم. تقول إيزابيل: “أفترض أن النبوءة الرابعة ستتحقق أيضا، ما يمنحني الأمل في أن أراك حيّة يا ابنتي. لم تُكملي قدرك بعد. ما أن نخرج من هذا المشفى فإني سأتّصل بهذه المرأة لأسألها عمّا ينتظرك”

ولم تعش باولا كما ظنّت أمّها، ماتت، لكن النبوءة تحققت. لم تقل النبوءة: “ابنتك ستعيش” بل “سيعرفها العالم” وقد صارت (باولا) معروفة في عدة بقاع من العالم، معروفة بموتها لا بما حققته في حياتها. معروفة بواسطة هذا الكتاب المأساويّ الذي كتبته أمها لتعينها على تذكر حياتها حين تستيقظ، فصار تذكارًا لفقدها وشاهدًا على موتها.

كل النبوءات مخاتلة، تحتمل الأمر وضدّه، ولذا تتحقق غالبًا.

عن النبوءات أيضا، يقول ماركيز في كتابه: (قصص ضائعة): “أشهر النبوءات هي تلك النبوءة التي تلقاها الملك كريسو الشهير بثرواته الطائلة، حين أراد أن يعرف إن كان يناسبه خوض حرب ضد مملكة الفرس الذين كانت مملكتهم على الضفة الأخرى لنهر هالديس. فردّ عليه الوحي في أوراكل: أجل يا كريسو، اجتز النهر لتدمّر مملكةً عظيمة. ‫فعل كريستو ذلك واندحر وتحققت النبوءة، إذ أنّه دمّر مملكته ذاتها، وكانت أعظم الممالك في زمانه.”

صورة جماعية لشخص وحيد

ذاك العاديّ المُكرر، ذو النسخ المتعددة والمتاحة، الواحد المضاعف في ملايين، الواحد الذي يساوي لا أحد، المعروف بأسماء حركيّة كثيرة تدلّ عليه وتحشر معه كثيرين غيره؛ كالعامة، السوقة، الرعاع، الأكثرية، الرأي العام، المجتمع، المواطنين، الحشد…

الذي يخرج كل صباح يرعى قطعان همومه، ولا يعرف أنّ الذين سرّحوا همومهم واستظلوا الراحة يصنفونه ضمن القطيع.

المُدرج ضمن قصائد لا يعرفها، لأنّ القصائد لا تعرف اسمه، فتستعير صوته المنسي، وتستدل عليه بمكابداته.

ذاك الذي لا يدخل في إحصائيات مرضى الاكتئاب، لأنّه يركض طوال اليوم، ولا يملك ترف الوقوف لوصف السواد، فضلًا عن ترف الجلوس على كرسي عيادة الطب النفسي، هو الذي بالكاد يسترق من وقته وقتًا ليصطف في طابور صرف أدوية السكر والضغط في المستوصف الحكومي البغيض.

الذي يأكل بنهم حين تعدّ زوجته الطعام، ويقبض يده ويشحُّ على نفسه حين يشتري لأولاده الطعام، حتى لا يحاصصهم في اشتهاءاتهم.

الذي يقرأ الصحيفة من الخلف، لأنّه لا يعرف انتصارات غير انتصارات فريقه الرياضي، ويقرأ الصحيفة من الأمام إذا تواترت الأنباء والإشاعات عن معونة حكومية قادمة.

يُعيد تدوير النِكات التي تصل إلى هاتفه عشرات المرات في عشرات المحادثات، فالضحك مازال مجانيًا، وإن حاولوا فوترته.

الذي يُرمز إليه برقم سجل مدني، ورقم وظيفي، ورقم إحصائي، ونسبة مئوية، ولا يُكتب اسمه بحبرٍ رسمي إلا في رؤوس أوراق الفواتير.

الذي لم يتحقق بعد من المعلومة الموروثة التي تقول: (للجدران أذان) لأنّه لم يختبرها ولم يجرّب صوته أصلًا.

الذي لا يعنيه من بث الخطابات الرسمية إلا نهاياتها التي تعلن عن بدء برامجه المفضلة، ولا يعنيه من إعلان الموازنة العامة إلا الدين العام الذي يستدينه الخاصة ويسدده العوام.

الذي يُتابع نشرات الأخبار ليبني رأيه السياسي وفق ما يقوله المتحدث الرسميّ، ويتابع إحصائيات الدمار ومشاهد الحرب من خلف الشاشة، فيظنّها ستظل هناك نائية إلى الأبد ولن تصل إليه… وحين يقتطع المحاربون جزءًا من دخله لإنعاش الحرب، فتتعالى عليه الأسعار، وتتمادى الفواتير… ينظر إلى الآخرين البعيدين الذين ينزفون خلف الشاشة، فيرضى، ظنًا منه أن النزيف سيظلّ هناك ناءٍ إلى الأبد، ولن يصل إليه. دون أن ينتبه لحرب الاستنزاف التي يخوضها منذ أن وُلِد. يخوضها دون أن ينتصر، دون أن ينهزم، دون أن ينسحب… يخوضها حتى ينضب تمامًا، تمامًا…