أَزيدَ في الليل ليلُ؟

يتفرّس الليل في وجه حزني، والحزن يحرّض كل شعور قاتم: شعور العجز، شعور الحسرات، شعور تأنيب الذات، وشعور حُرقة القلب على المظلومين الذين تتخطفهم أيدي السلطة ومناجل البطش…
يتفرّس الليل في وجه حزني، و”الحزن يولد في المساء لأنّه حزن ضرير” كما يقول صلاح عبد الصبور الذي قتله الحزن الضرير في ليلة خاض خلالها نقاشًا حادًّا مع رفيقه أمل دنقل الذي يقول عن حزنه: “أتصبب بالحزن بين قميصي وجلدي” دار ذاك النقاش بين صلاح ودنقل في بيت أحمد عبد المعطي حجازي الذي استفرد به الحزن حتى قال: “هذا الزحام لا أحد” وفي قصيدة أخرى يقول: “أنا هنا لا شيءَ، كالموتى، كرؤيا عابرة. أجرّ ساقي المجهدة”
في تلك الليلة اتّهم أمل دنقل رفيقه صلاح عبد الصبور بالخيانة، لأنه قبل منصب وزارة الثقافة في حكومة السادات القمعية الخائنة، فخوّن أمل دنقل رفيقه حتى خانته حياته، فمات ما أن عاد إلى بيته، مات ميتةً تفضح تغوّل السلطات فينا، تغوّلها بيننا وبين أصدقائنا، بيننا وبين نفوسنا أيضا، تغوّلها في سخطنا ورضانا، في فشلنا ونجاحنا، في سعادتنا وأحزاننا، وفي زهونا وعارنا…
يتفرّس الليل في وجه حزني، حزني على كل نكبات هذا العالم المنكوب بنا، المنكوب بالبشر “حزنٌ يسدّ فضاء الرئة” كما يقول محمد الثبيتي الذي رحل عن العالم ليلة رحيل بن علي من تونس. رحل الثبيتي في تلك الليلة التي سمعت فيها الشعوب صوتها لأول مرة فقالت: (الشعب يريد)، تلك الليلة التي آمنت فيها الحشود بذاتها وبنصيبها من الشمس والهواء والحرية والربيع، الربيع الذي وُلِدَ حينذاك فأوهمنا بإنّه جاء ليمحو سنين الجدب والخوف… وصدّقناه بسذاجة، فبدأ في تصفية أحلامنا بحنكة قاتل متسلسل يقتلنا بشعور العجز ويكتم أنفاسنا ويصادر الهواء، ولا يُبقي لنا إلا “حزنٌ يسدّ فضاء الرئة”

يتفرّس الليل في وجه حزني، هذا الحزن اليومي، الأزلي، الأبديّ على كل نكبات العالم المنكوب بنا، المنكوب بالبشر، المنكوبة فيه، المنكوبة معه بحزني، بحمولات حزني التي لا تُنقِص من حزن العالم أي شيء…

3 thoughts on “أَزيدَ في الليل ليلُ؟

  1. يقول تميم البرغوثي :

    أَنَا عَالِمٌ بالحُزْنِ مُنْذُ طُفُولَتي
    رفيقي فما أُخْطِيهِ حينَ أُقَابِلُهْ
    وَيَحْمِلُني كالصَّقْرِ يَحْمِلُ صَيْدَهُ
    وَيَعْلُو به فَوْقَ السَّحابِ يُطَاوِلُهْ
    فإنْ فَرَّ مِنْ مِخْلابِهِ طاحَ هَالِكاً
    وإن ظَلَّ في مِخْلابِهِ فَهْوَ آكِلُهْ

    إعجاب

  2. وإن كان الربيع الذي استبشرنا به كان وهماً!
    فإن الربيع الحق آت .. مهما تمادت الفصول
    الأخرى بفرض نفسها زوراً..

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s