ماركيز والسينما

كان ماركيز شغوفًا بالسينما، مفتونًا بها منذ طفولته يتذكر في كتابه (قصص ضائعة) جيشان الفضول الطفوليّ الذي دفعه إلى أن يُطالب ككل الأطفال بالذهاب إلى ماوراء الشاشة لرؤية أحشاء هذا الاختراع المبهر، وكانت دهشته عظيمة حين لم يرَ شيئًا سوى الصورة ذاتها مقلوبة. لكنه لم يفقد شغفه وانبهاره. كبر ماركيز وسافر إلى روما ليتعلم أسرار المخرج الإيطالي (زافاتيني)، عاد بعدها إلى كولومبيا وكتب في النقد السينمائي مخالفًا رغبات دور العرض التي كانت تفرض على الصحف أن تكتب نقدًا مهادنًا وإلا ستسحب إعلاناتها، كسب ماركيز المعركة فكتب نقدًا صادقًا رفضته دور العرض في البداية ثم رضيت به وتقبلته. فيما بعد اتّجَه ماركيز نحو المكسيك يدفعه شغفه بالسينما إلى محاولة المساهمة في صناعتها، فحاول أن يكون مخرج أفلام، لكنّه اكتشف أن اختلاق العوالم في السينما أصعب من اختلاقها في الأدب، يقول: “أدركت أن هناك حدودًا في القالب السينمائي لا توجد في الأدب، وأصبحت مقتنعًا أن عمل الروائي هو أكثر عمل حُرّ على وجه الأرض فأنت هنا سيد نفسك تمامًا”
ولذا صرف النظر عن العمل كمخرج وبدأ في كتابة سيناريوهات لأفلام قال إنه لم يتعرف عليها حين شاهدها على شاشة العرض بعد ذلك. عن تلك التجربة يحكي ماركيز قائلًا: “وحتى بعد أن كتبت سيناريوهات لم أكن أتعرف عليها فيما بعد على الشاشة، بقيتُ على قناعتي بأن السينما ستكون صمّام الأمان الذي سأفلتُ منه أشباحي، وقد تأخرتُ زمنًا طويلًا للتوصل إلى القناعة بأنّ الأمر لن يكون كذلك. وفي صباح يوم من أيام تشرين الأول ١٩٦٥م وكنتُ مُرهقًا من رؤية نفسي وعدم التعرف عليها جلستُ مقابل الآلة الكاتبة، مثلما كنت أفعل كل يوم، ولكنني لم أنهض في تلك المرة إلا بعد ثمانية عشر شهرًا ومعي الأصول الناجزة ل(مئة عام من العزلة) فأدركت أثناء ذلك العبور للصحراء أنه ليس هنالك من عمل للتحرر الفردي أروع من جلوسي وراء آلة كاتبة لابتداع العالم”
بعد هذه التجارب لخّص ماركيز علاقته بالسينما قائلًا: “علاقة زواج غير موفق. بمعنى أنني غير قادر على العيش دون السينما وغير قادر على العيش معها”

في رواية (مئة عام من العزلة) التي كتبها ماركيز حين كان يحاول كتابة سيناريوهات أفلام تظلّ شبيهة بذاتها حين تخرج من حيّز الورق إلى حيّز الصورة، يحكي ماركيز حدثًا لا يُنسى يتعلق بالسينما، حين بدأت الاختراعات تتوافد على قرية (ماكوندو) وتُبهر الأهالي بسحرها حتى صاروا لا يعرفون من أين تبدأ الدهشة. كانت (السينما) إحدى هذه الاختراعات التي فتنتهم بسحرها، انبهروا بالحياة الموازية التي انعكست فيها، فدفعوا أموالًا لشراء التذاكر كي يشاطروا أبطال الأفلام معاناتهم، في أحد الأفلام شاهدوا رجلًا يموتُ ويُدفن فبكوا عليه وتأثروا بمعاناته، لكنهم شاهدوا الرجل الميت يظهر في فيلم آخر وقد عاد إلى الحياة وكأنه لم يمت وكأنهم لم يبكوه من قبل، شعروا بمرارة الخديعة التي تعرضوا لها، عبّروا عن سخطهم بتكسير المقاعد… فاضطر العمدة أن يقدّم لهم إيضاحًا شرحَ فيه أن السينما ليست حقيقية بل آلة وهم. وحيال هذا الإيضاح المخيّب للآمال قرّر الأهالي الامتناع عن الذهاب إلى السينما فلديهم مايكفي من الأحزان ولا حاجة بهم لأن يبكوا نكبات مصطنعة لكائنات وهمية. اكتفاء أهالي (ماكوندو) بحياتهم وأحزانهم الحقيقية يتقاطع مع اكتفاء ماركيز بعوالمه السردية التي يعرفها جيدًا حين يبتدعها على الورق، لكنّه يُنكرها حين تتنازعها أيدي الممثلين والمخرجين والمنتجين… تمامًا كما أنكر أهالي القرية وجه فقيدهم، الممثل الذي بدّد حزنهم بين أكثر من فيلم وأكثر من حكاية.

2 thoughts on “ماركيز والسينما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s