ذكريات نديّة عن جدب الأمنيات

من سيرة المغني المغربي العربي باطما، في الجزء الذي عنوَنه بـ(طي الضلوع القبيح) وحشد فيه ذكرياته المُرّة، يقول عن الفقر: “أذكر في يوم، ونحنُ بالقسم، وكان ذلك في السنة الثانية ثانوي، كان الدرس عن الطبيعيات، فقالت لنا أستاذة عراقيّة بأنّ على أيّ شخص وهو يأكل أن يلوك اللقمة في فمه ثلاثين مرة على الأقل، ليتسنى للمعدة عملها الهضمي. فرفعتُ إصعبي، وقلتُ لها: يا أستاذة إنّ عائلتي تتكوّن من عشرة أنفار وعندما تطبخ أمّي طاجين (لبطاطا واللحم) تمتد الأيادي إلى الإناء وتعمّ الفوضى، فإذا لُكتُ اللقمة ثلاثين مرة فإنّي لن أجدُ شيئًا في الإناء… وضحك الطلبة، ووافقوني على ذلك لأننا كنّا نُعاني نفس المشكل العائلي. ولم تجد الأستاذة بُدًّا من طردي سبعة أيام، وكانت تلك أول مرة أُطْرَد فيها… لقد مضى ذلك الزمن. أنظرُ إليه الآن من فوق، وأراه في وسط مستنقع الزمن كشيء ثابت لا يتحرّك. وقد أبتسم”

حين قرأت هذا المقطع من الكتاب، استدعى ذهني ذكرى أختين فقيرتين من زميلاتي في مدرسة القرية، زاملتهما قبل حوالي ستة وعشرين عامًا، تذكّرني بهما سيرة الفقر، والفقر مؤذٍ دائمًا، لكنه يصير قاتلًا حين يشذّب رغبات الأطفال. أتذكرهما الآن، فأراهما وسط مستنقع الزمن كشيء ثابت لا يتحرّك، ولا أبتسم. أتذكّر حين يصيبهما الزكام فترافقهما منشفة مربّعة كُنّا نضحك كلما أخرجتها إحداهما من الدرج لتمسح أنفها. عرفتُ في وقت متأخّر أنّ سعر المناديل الورقية كان يسبب عجزا في ميزانية الأُسرة الفقيرة العاجزة عن اللحاق بالمتطلبات الأساسية لا الكماليات. أتذكر الأختين جيّدًا، إحداهما طويلة ونحيلة، والأخرى في طولها أيضا لكنّها بدينة. في الصف الثاني الابتدائي، كانت معلمة العلوم تشرح درس النمو، تقول إننا ننمو جميعًا ونعتقد أنّ ملابسنا تضيق وتقصر علينا، والحقيقة أننا نحن من يطول ويكبر… قالت المعلمة لتقرّب فكرة النمو من أذهاننا: “مريولك وجزمتك حقة هذه السنة هل هي نفسها حقة العام؟ لا طبعًا… لأنكم كبرتوا” فاستدركتْ الأخت البدينة على كلام المعلمة بكل براءة وعفوية، قالت إنها ترتدي مريولها القديم وحذاء السنة الماضية. أتذكّر الموقف بتفاصيله الصغيرة، فقد نظرت في تلك اللحظة إلى حذائها، وكانت قدمها الكبيرة تنحشر فيه، فصار ممزقًا من الأمام تبدو مقدمته كفمٍ ضاحك يكشف أصابع قدميها…

حدث هذا في مدرسة القرية، حيث لم نعرف الفروقات الكبيرة ولا الطبقية الجلية، كنت أعيش مع خمس أخوات في بيت من غرفة واحدة وصالة، وأتذكر أن المدرسة طلبوا مني ملء استمارة بيانات تفصيلية من ضمنها سؤال عن الحالة المادية، كان عمري سبع سنوات وأختي الأكبر مني تساعدني في ملء الاستمارة، وصلنا إلى السؤال المتعلق بالحالة المادية للأسرة، فأجابت أختي: متوسطة… وما زلت أتذكر جيدًا صدمتي حينها، نعم، صدمة. فقد كنت أظن أننا أغنياء، كنتُ أظن أنّ أسرتي المتواضعة غنيّة جدًّا ومن أعلى مستوى، لأن الغالبية إن لم يكن الجميع كانوا في مستوانا المادي أو أقل… فالقرية لا تضمّ إلا قرطاسية يتيمة، ومحل ملابس وحيد، ولذا كانت حقائبنا شِبه موحدة، وأحذيتنا متقاربة الشكل والسعر، وكل ما نملكه لا يمنحنا زهو التميّز… فماذا عن الأطفال المحرومين اليوم؟ بمَ يشعرون في هذا العالم الذي صار فاترينة لمعروضات باهضة؛ سفريات منقولة مباشرة بالصوت والصورة، تسوّق موثّق بالتفاصيل، سنابات وفيديوات مشترياتي من كذا وكذا، ممتلكات تتبع نظام الموضة، فتصعد على منصة العرض المكشوفة للجميع ثمّ تتوارى سريعًا لتصعد الموضة الجديدة، والجميع يركض خلف الجميع… الجميع يركض ولا يصل. ما حال الأطفال الفقراء اليوم الذين يدهسهم هذا الركض؟ كيف يحتمل حرمانهم فيض هذه المظاهر؟

يقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “لو كان الفقر رجلًا لقتلته” لكنّ الفقر لا يتمثل في صورة رجل، ولا عدة رجال ولا حتى في صورة جيش بربري كاسح. الفقر مأتم أزلي، مأتم المباهج والأمنيات، مأتم الطفولة ونداوتها، ولا توجد حيلة لتفادي وجع المآتم.

حين أقف على باب هذا المأتم أتذكر (لطيفة) زميلة طفولة عرفتها في مدرسة القرية أيضا، كنتُ أراها طوييييلة جدًا، وكبيرة جدًا، ولا أعلم إن كانت كذلك فعلًا؟ أم أن ذاكرتي تتبع قوانين الطفولة حين كانت الأشياء تبدو دائمًا أكبر من حقيقتها، وأهون من حقيقتها أيضا.

(لطيفة) بنت سمراء تدرس في الصف الثالث، في الوقت الذي كنتُ فيه الطالبة الأقصر قامة بين طالبات الصف الأول الابتدائي، بنية جسدي الصغير أغرتها بأن تحملني بين يديها وكأني طفلة في السنة الثانية من عُمري لتركض بي في ساحة المدرسة أمام بقية الطالبات. كانت تظن أنها تُلاعبني، فيما كنتُ أرى أنها تُهينني بهذا الفعل، تستصغرني، تحقّر وجودي. كنتُ أشتعل غضبًا، وغضبي يُعجبها، فتكرر فعلها دائمًا. ترفعني إلى الأعلى وتركض بي أمام بقية الطالبات، فأغرس أصابعي في شعرها الأكرت القصير وأشدّه بعنف حتى يخرج من (بكلتها) ويقف متيبسًا بشكلٍ بشع. حين تتعب من الركض بي، تُنزلني وتُحاول أن تُعيد ترتيب شعرها النافر. فألعنها وأشتمها بألفاظ عُنصرية تُذكّرها بسوادها وقُبحها وخشونة شعرها، وهي تضحك ولا تأخذني بجديّة أبدًا. في مرة من المرّات التي حملتني فيها وركضت بي في ساحة المدرسة، كنتُ كعادتي أغرس أصابعي في شعرها وأشدّه وأصرخ وألعنها والطالبات يركضن خلفنا ويضحكن. حتى وصل الضجيج إلى غرفة المعلمات، ففتحت إحداهن النافذة المطلّة على ساحة المدرسة، وشاهدت المنظر، فاستدعتنا، استمعت إلى تظلمي وشكواي. وخرجت من عندها، واستبقت (لطيفة) مثيرة الشغب. لا أعرف ما الذي دار بينهما، لكنّ (لطيفة) لم تحملني بعد ذلك أبدًا. أختي التي كانت تدرس في فصل (لطيفة) وتعرفها عن قرب، قالت لي وقت عودتنا في الباص الأصفر الكبير: “شفتِ الصنادق الحديد اللي جنب المدرسة؟ لطيفة فقيرة جدًا وساكنة هناك، حرام عليك تشتكينها عند الأبلات”

ظلّ كلام أختي يحرق قلبي في نيران التأنيب لفترة طويلة، ورُبما مازال دخان التأنيب منتشرًا في عتمة الذاكرة. الباص الأصفر الكبير كان يمرُّ دائمًا بجوار (الصنادق الحديد) أو بيوت الصفيح التي تقطنها (لطيفة). فأتذكر ضحكتها، وشعرها الأكرت وقد طار بشكلٍ بشع. وأشعر بغصة عميقة، وإحساس بالذنب أحاول أن أمحوه بأن أُبادلها الابتسامة كلما رأيتها، لكنها لم تعد تضحك لي، ولم تجرؤ على حملي والركض بي بعد ذلك اليوم أبدًا.

منذ سنين طوال لا أعرف عن لطيفة أي شيء، وددتُ لو أعرف طريقًا يؤدي إليها، لأخبرها أنّي ما زلتُ أشاهدها وسط مستنقع الزمن كشيء ثابت لا يتحرّك، ولا أبتسم ابتسامة العربي باطما حين يتذكر ماضيه، بل أحملها في صدري طوال هذه السنين، كما كانت تحملني من قبل…

نبوءات مخاتلة

كتبت إيزابيل الليندي لابنتها (باولا) حين نهشها المرض كتابًا تستدعي فيه ذكرياتها وماضيها، وتسرد فيه ما يفوت ابنتها المريضة من حاضرها الذي سرقتها منه غيبوبة طويلة. في الكتاب تحكي إيزابيل عن عرّافة أرجنتينية شهيرة التقتها في عشاء عائلي، فأخبرتها العرّافة بأربع نبوءات هي: “سيكون حمّام دم في بلادك. وستكونين مُجمّدة أو مشلولة لزمن طويل. صوتك الوحيد هو الكتابة. وأحد أبنائك سيكون معروفًا في عدة بقاع من العالم” سألت والدة إيزابيل العرّافة: “أيّهم” ثمّ أطلعتها على صورهم فأشارت العرّافة إلى صورة (باولا). تحققت النبوءات، حدث الانقلاب على حكومة سلفادور الليندي فسقطت البلاد في حفرة حكم عسكري دموي، ونُفيت إيزابيل من تشيلي، وتحققت النبوءة الثالثة طبعًا، فعاش صوت إيزابيل بواسطة الكتابة. أمّا النبوءة الرابعة التي تقول: “أحد أبنائك سيكون معروفًا في عدة بقاع من العالم” فقد كانت إيزابيل تتذكرها وقت مرض ابنتها، فتراها طريقًا للأمل، فتظن أن ابنتها ستستيقظ من غيبوبتها الطويلة، لتواصل مسيرة حياتها فتحقق الكثير ليعرفها العالم. تقول إيزابيل: “أفترض أن النبوءة الرابعة ستتحقق أيضا، ما يمنحني الأمل في أن أراك حيّة يا ابنتي. لم تُكملي قدرك بعد. ما أن نخرج من هذا المشفى فإني سأتّصل بهذه المرأة لأسألها عمّا ينتظرك”

ولم تعش باولا كما ظنّت أمّها، ماتت، لكن النبوءة تحققت. لم تقل النبوءة: “ابنتك ستعيش” بل “سيعرفها العالم” وقد صارت (باولا) معروفة في عدة بقاع من العالم، معروفة بموتها لا بما حققته في حياتها. معروفة بواسطة هذا الكتاب المأساويّ الذي كتبته أمها لتعينها على تذكر حياتها حين تستيقظ، فصار تذكارًا لفقدها وشاهدًا على موتها.

كل النبوءات مخاتلة، تحتمل الأمر وضدّه، ولذا تتحقق غالبًا.

عن النبوءات أيضا، يقول ماركيز في كتابه: (قصص ضائعة): “أشهر النبوءات هي تلك النبوءة التي تلقاها الملك كريسو الشهير بثرواته الطائلة، حين أراد أن يعرف إن كان يناسبه خوض حرب ضد مملكة الفرس الذين كانت مملكتهم على الضفة الأخرى لنهر هالديس. فردّ عليه الوحي في أوراكل: أجل يا كريسو، اجتز النهر لتدمّر مملكةً عظيمة. ‫فعل كريستو ذلك واندحر وتحققت النبوءة، إذ أنّه دمّر مملكته ذاتها، وكانت أعظم الممالك في زمانه.”