الأرق، وداء النسيان


في رواية مئة عام من العزلة، يُصاب أهالي ماكوندو بداء الأرق، يفرحون في البدء “أفضل لنا ألا ننام لأن الحياة تغدو أكثر خصباً” ولكن بعد أيام من اليقظة المستمرة يفقدون ذاكرتهم تدريجيًا، الذكريات القديمة، التاريخ، المعارف، أسماء الأشياء… ثم يتفاقم الفقد فيبدأون في نسيان تفاصيل حياتهم اليومية، ذاكرتهم قصيرة المدى، يدونون أسماء الأشياء عليها: بقرة، منزل، طاولة… ويتفاقم النسيان، فتصبح هذه الاحتياطات بلا جدوى، ينظرون إلى البقرة والورقة التي تشير إلى اسمها، يدركون أنها بقرة… لكن ماذا بعد؟ يزيدون احتياطاتهم فيكتبون التفاصيل: “هذه هي البقرة، يجب حلبها كل صباح كي تعطي حليبًا، ويجب غلي الحليب من أجل مزجه بالقهوة، وصنع قهوة بالحليب” على مدخل القرية يدونون: “هذه قريتنا ماكوندو” يدونون أيضا “لا تنسَ، فالرب موجود”
هذا التيقظ المزمن الذي أفقد الأهالي ذاكرتهم، انعكاس للانغماس في حاضر مبتور، فالنسيان وإن كان ينقذ الأفراد أحيانًا من أحزانهم، إلا أنه يهلك الجماعات دائمًا… النسيان عدو الجموع، الشعوب إذا انفصلت عن ذاكرتها تتوه في حاضرها، تتخبط لتستكشف بديهياته، تحتاج إلى جهود مضاعفة لتعيش الواقع، احتياطات أهالي ماكوندو تدلّ على إن الشعوب بدون ذاكرتها تفقد كل شيء، المنفعة/البقرة.. الهوية/ماكوندو… اليقين/الرب موجود…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s