منجاة

نُشرت في صحيفة الوطن:

٢٠١٨١٢٠٩_١٨٤٩٥٧3046503488938257268..jpg

في (دُكّان) القرية الصغير رأيتُ (ندى) عدة مرات، فتاة سمراء نحيلة وطويلة لم ينشأ بيني وبينها أي حوار، فلم تحتفظ ذاكرتي بملامحها، ولا أعرفها إلا من خلال صورة يكاد يطمسها غبار السنين. لكنّي أحتفظ بحكاية أمها التي لم أرَها قط، فقد ماتت قبل مولدي. (ندى) تكبرني عُمرًا لكنها لا ترتاد المدرسة، درستْ لعامين وتمّ فصلها لأنها لا تملك أوراقًا ثبوتية في هذا العصر الذي يقدّس الفيزياء ويؤلّه العلوم، لكنّه يتراجع عن تقديس الفيزياء حين يتعلق الأمر بالبشر، فلا يعترف بحضورهم الفيزيائي ولا يرى أجسادهم وأصواتهم والتعابير التي على وجوههم والحيّز المكاني الذي يشغلونه، لا يكفي كل هذا لإثبات وجودهم إن غابت الأوراق المُسماة (إثباتات) فبدونها لن تعرفهم أو تعترف بهم أي جهة رسمية أو غير رسمية.

في (دُكّان) القرية الصغير رأيتُ (ندى) عدة مرات، وفي بيتنا سمعت حكاية أمّها عِدة مرات أيضا، حكاية عن امرأة شابة عانت في زواجها القصير معاناة لا تُطاق فدخلت إلى حجرتها وأحكمت إغلاق الباب، سكبت البنزين على جسدها وكأنها تؤدي طقوس الخلاص، ثمّ أشعلت النار، فماتت، تفحّمت، ترمّدت، وانتثر رمادها في قلوب نساء القريّة التي استحالت سرادق عزاء لا يرتادها المعزّون… تركت خلفها (ندى) ابنتها من زوجها الذي دفعها لهذا المصير المروّع، ولم يكتفِ بهذا بل ترك ابنته في عراء المجهول وقسوة الرفض، تعيش دون أن يستخرج لها أوراقًا ثبوتية تعترف بها، لا شهادة ميلاد تُثبت أنها خرجت من رحم أمّها كباقي البشر، ولا ورقة تطعيمات لتأمين مستقبلها، ولا بطاقة عائلة تضم اسمها، لأنها في الأصل لم تجد عائلة تضمّها.
قد تكون هذه الحكاية أول حكاية أسمعها عن الانتحار، ولذا لم أنسها، وربما كانت ثاني حكاية، والحكاية الأولى عن امرأة لم أعاصرها ماتت غرقًا في إحدى الآبار، اختنقت فيها قبل أن يخنق أهالي القرية رغبتها في الفناء فينقذوها.
وحين انتشلوا جثها الثقيلة اكتشفوا أنها ألقت بنفسها عمدًا في البئر، إذ تقفّوا أثر خطواتها على التراب، فوجدوا أنها كانت تمشي بشكل عكسي نحو الخلف لتتلقفها البئر فجأة دون أن تُبصر هاويتها التي قد تُخيفها فتتراجع أو تتردد. سارت إلى نهايتها بخطة مرسومة، جعلت الموت خلفها لأنها تثق في رحمته وعطفه، أعطته ظهرها واثقة أنّه لن يغدر بها. وجعلت وجهها في وجه الحياة التي لم تنصفها، تُحدّق إلى الفضاء الشاسع أمامها وكأنها تريد أن تعاتبه، لأنه لم يتسع لها… ظلّت تتراجع مذعورة من امتداد الحياة أمامها، تتراجع إلى الوراء، وتتراجع… حتى سقطت في البئر وابتلعها العدم الذي جاءت منه… هذه المرأة هي الشخص الوحيد الذي وجد طريق الرجوع في هذه الحياة. وللقصة توضيحات وشروح تقول إنها فعلت ذلك بعد أن تعبت من شكوك أخيها واتهاماته، لكن هذا التفسير ليس إلا هامشًا لموتها، فالمتن قال لها: لا حياة.

http://www.alwatan.com.sa/Culture/News_Detail.aspx?ArticleID=347945&CategoryID=7

الأرق، وداء النسيان


في رواية مئة عام من العزلة، يُصاب أهالي ماكوندو بداء الأرق، يفرحون في البدء “أفضل لنا ألا ننام لأن الحياة تغدو أكثر خصباً” ولكن بعد أيام من اليقظة المستمرة يفقدون ذاكرتهم تدريجيًا، الذكريات القديمة، التاريخ، المعارف، أسماء الأشياء… ثم يتفاقم الفقد فيبدأون في نسيان تفاصيل حياتهم اليومية، ذاكرتهم قصيرة المدى، يدونون أسماء الأشياء عليها: بقرة، منزل، طاولة… ويتفاقم النسيان، فتصبح هذه الاحتياطات بلا جدوى، ينظرون إلى البقرة والورقة التي تشير إلى اسمها، يدركون أنها بقرة… لكن ماذا بعد؟ يزيدون احتياطاتهم فيكتبون التفاصيل: “هذه هي البقرة، يجب حلبها كل صباح كي تعطي حليبًا، ويجب غلي الحليب من أجل مزجه بالقهوة، وصنع قهوة بالحليب” على مدخل القرية يدونون: “هذه قريتنا ماكوندو” يدونون أيضا “لا تنسَ، فالرب موجود”
هذا التيقظ المزمن الذي أفقد الأهالي ذاكرتهم، انعكاس للانغماس في حاضر مبتور، فالنسيان وإن كان ينقذ الأفراد أحيانًا من أحزانهم، إلا أنه يهلك الجماعات دائمًا… النسيان عدو الجموع، الشعوب إذا انفصلت عن ذاكرتها تتوه في حاضرها، تتخبط لتستكشف بديهياته، تحتاج إلى جهود مضاعفة لتعيش الواقع، احتياطات أهالي ماكوندو تدلّ على إن الشعوب بدون ذاكرتها تفقد كل شيء، المنفعة/البقرة.. الهوية/ماكوندو… اليقين/الرب موجود…