الهويّة

يرقدُ كل يوم في بيته، وهو يظنّ أنّ بطاقة هويته راقدة في جيب ثوبه المعلّق بعيدًا عن جسده. يُطفئ الأضواء والتلفاز ويُغلق إشعارات هاتفه، وينام.

حين يغرق في هدأة النوم تستيقظ بطاقة هويته، تُثقل جيوبه بحمولات العار، تُبلل ذيول ثوبه بدماء الأبرياء، تتحالف مع الظلام لابتكار مبررات للبغي والعدوان، تعيثُ فسادًا في أرض براءته، وفي أراضي الأبرياء البعيدين خلف الحدود…

يستيقظ، ولا ينتبه لكلّ هذا، لا يعرف أن بطاقة هويته قضت وقتها مستيقظة، يظنّ أنها استيقظت للتوّ لتعينه على يومه وتسعفه حين يخرج إلى شوارع يطارده فيها عساكر يمدّون أيديهم قائلين: إثباتك. أو تعينه على نفسه وتسنده حين يسجّل رقمها في استمارات طلب الوظائف، وملفات المشافي، وبطاقات البنوك… يركضُ طوال اليوم مستجيرًا بهويته لإثبات الوجود، للفرار من العدم. وفي ختام يومه يعود ليرقد في بيته، وهو يظنّ أنّ بطاقة هويته راقدة في جيب ثوبه المعلّق بعيدًا عن جسده. يُطفئ الأضواء والتلفاز ويُغلق إشعارات هاتفه، وينام. فتستيقظ بطاقة هويته، تُثقل جيوبه بحمولات العار، تُبلل ذيول ثوبه بدماء الأبرياء، تتحالف مع الظلام لابتكار مبررات للبغي والعدوان، تعيثُ فسادًا في أرض براءته، وفي أراضي الأبرياء البعيدين خلف الحدود…

يستيقظ، ولا ينتبه، لا ينتبه إلى أي حدّ جعلته هويته مكروهًا مذمومًا متوحشًا مسعورًا في عين الآخر. لا لشيء، إلا لأنه أحسن الظن ببطاقة هويته، فظنّ أنها ترقد في جيب ثوبه المعلّق بعيدًا عن جسده، لكنّها في ذاك الوقت وفي كل وقت تدكّ أجساد الآخرين…

3 thoughts on “الهويّة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s