المُستَدرك على قصة برج بابل

تقول أسطورة برج بابل التي تحاول تقديم تفسيرًا لتعدّد اللغات، إن البشر كانوا جميعًا على لسان واحد رغم ارتحالهم شرقًا وغربا فقد كانت تجمعم لغة واحدة مكّنتهم من جمع أمرهم في أرض شنعار من أجل بناء برج طويل يصل إلى السماء. فرأى الرب ما كان من تطاولهم على عليائه فبلبل ألسنتهم كي لا يسمع بعضهم بعضا، فتعذّر التواصل بينهم وتوقف البنيان وتفرّقوا في الأرض، ومن هذه البلبلة نشأت اللغات.
في ذهني طبعة مزيدة عن هذه الأسطورة، تتضممن فصلا إلحاقيا أتخيّل فيه حال الشعراء قبل أن يُبلبل الربّ ألسنة القوم الذين اعتلوا البرج وأطالوا بنيانه. لا بد أنّ الشعراء كانوا حينها في الأسفل يلوذون بظل البنيان ولا ينظرون إليه، كانوا يفكرون في استعارات لوصف السماء لحظة ارتماء البرج في أحضانها. حين تبلبلت ألسن البنّائين الموجودين في الأعلى، انهمرت الكلمات على الشعراء الذين في الأسفل، أصابتهم بعض الكلمات الثقيلة بالكسور، وكلمات أخرى رفّت فوق رؤوسهم بخفة الملائكة، اختبأت في أيديهم بعض الكلمات، وكلمات أخرى علقت في ثيابهم… حازوا أكبر عددٍ ممكن من الكلمات التي نتجت عن تلك البلبلة العظيمة، كلمات كثيرة تكفي لوصف كل شيء، لبناء أي شيء، ولوصف الهدام.
حين تبدد القوم في الأرض وكفّوا عن البنيان، ظلّ بعض الشعراء يحدّقون في السماء ويصفونها باستعارات لا نهائية، استعارات لو رصفوها فوق بعضها لوصلت إلى السماء قبل برج بابل. أما باقي الشعراء الذين ساروا خلف قومهم وتبدّدوا في الأرض وصاروا يعمرونها بكلماتهم في وصف الخراب، ليمدّوا بالاستعارات التي تصف خيبة الأمل جسورًا بين أقوام لا تشترك في اللغات، لكنها منذ الأزل تشترك في التيه والشتات.