جوّع كلبك

النصّ من كتاب (مع العرب في التاريخ والأسطورة) لرئيف خوري:

“نحنُ في الجاهلية مازلنا، وفي اليمن أيام الحميريين التبابعة. ومع ذلك سنتحدث عن مسألة حديثة، ونرى كم هي قديمة، ونتحدث عن مسألة قديمة، ونرى كم هي حديثة!

قال الراوي: كان أحد ملوك حميرَ – وما يعنينا من اسمه- شديد الوطأة على الرعية، غصّابًا لما في أيديها، وكان الكُهّان يفشون في الغيب فينبئونه بأن الرعية ستقتله إذا هو لم يقلع عن سيرته. واغتبط التاريخ بأن سجل خبرًا عن كُهّان مالوا من ملك إلى شعب.

إلا أنّ الملك لم يحفل بما جاءه من كهّانه، وظنّهم حقًا يفتشون الغيب، فقال: ومن أين لهم أن يعلموا الغيب؟ وما درى أنهم إنما رأوا الغيب من خلال اليوم.

ولبثت رعيته تتقلب من جوره على الجمر، وعاث فيها الفقر، وازدحم السائلون على بابه ينبئون ويشكون. فسمعتهم امرأته، وأطلّت يومًا فشهدت وجوهًا فرّ لونها، وعيونًا كاد يطفيء البؤس بصيصها.

فقالت له: نحنُ في العيش الرغد، وهؤلاء يلقون ما يلقون من الجهد، وإني لأخشى أن يصيروا عليك سباعًا، وقد كانوا ومازالوا لك أتباعًا.

فضحك منها وقال لها: شأنٌ لا علم لك به! أراكِ أصبحتِ سجّاعة، أما عرفتِ حكمة الحكماء: جوّع كلبك يتبعك. فسكتت كما تسكتُ المرأة غير مقتنعة، لتترك لرجلها مجال إعجاب بروعة كلامه.

واتفق أن وقعت هذه الجملة في سمع رجل يُدعى عامر بن جُذيمة، أو فلانًا من الناس، فوعاها. ولم يذكر لنا الراوي شيئًا عن وظيفة عامر هذا، ولكنه كان مُفكرًا على الأرجح. وخرجَ بين الناس ممتعضًا فرأى استسلامًا وخضوعًا، وكان ينتظر أن يرى فورة، وثورة تقع بعد ساعة، ففوجيء وقال في سره: لقد أصاب الملك، هذا الشعب لا يعدو أن يكون كلبًا، وجوّع كلبك يتبعك.

وانقضى الوقت الذي يُنمّي الأشياء ويُنضجها في صمت، وعامر بن جُذيمة مصر على رأي الملك الذي أصبح هو رأيه أيضا.

ثمّ فوجئ مرة أخرى، وكأن لا وظيفة للمفكر إلا أن يُفاجأ لأنه متأخر جدًا عن الواقع أو متقدم.

انفجر الشعب بالثورة. ولكن المفاجأة كانت بالطبع أشدّ وقعًا على الملك. ذلك أنها دحرجت رأسه عن كتفيه، بينما هي لم تزد على أن خطّأت عامر بن جذيمة في حسابه.

غير أن عامرًا لم يقبل، وأقام يُقلب الأمر على وجوهه ليعلم كيف بدر من (الكلب) ما بدر منه ثمّ وقع على تفسير جعل المفاجأة طبيعية، جدّ طبيعية، فقال: وأي عجب؟ ربما أخذ الكلب بمخنق سيده الظالم إن لم ينل شَبَعه.

وإلى اليوم -بعد ثورات التاريخ كلها- لا يزال الشعب كلبًا في رأي البعض، على أن الكلب لا يلبث أن يُفاجيء هؤلاء، كما فاجأ من قبل الملك الحميري وعامر بن جذيمة المفكر. أمّا الملك الحميري تدحرج رأسه فلم يعد قادرًا على أن يُعطي رأيًا. وأمّا عامر بن جذيمة المفكر العميق، فيُفاجأ أولًا، يُفاجأ عند الإبطاء وعند الإسراع، فيكوت سابقًا أو مسبوقًا. ثمّ لا يرى في آخر الأمر عجبًا في أن يأخذ الكلب بمخنق ظالمه. ولكن ما علينا، ما دامَ الأخذ بمخنق الظالم واقعًا على أي حال.”

_تعقيب_

في النصّ يحاول الكاتب استدعاء نماذج من التاريخ لإسقاطها على الواقع، ومحاكمة الواقع من خلال حركة التاريخ. وفي النص ثلاث سلطات تحكم حركة الحدث فيه تتمثل في (سُلطة السياسة=الملك) و (سُلطة المثقف= عامر بن جذيمة) و(سلطة الجموع= الشعب)

كانت السُلطة الأولى (السلطة السياسية/ الملك) فاعلة بشكل كامل في البدء حيث القمع بلا رادع، والتسلط بلا سبب، والاستهانة بنصح الناصحين متمثلًا في (الكهنة) و (الزوجة) إذ واجه الملك نصيحة الكُهّان بالتكذيب، وقابل نصيحة الزوجة بالتسفيه.

أمّا سلطة المثقف فقد كانت مجرد ظلالًا للسلطة الأولى/السياسية. حيث كان التنظير من خلال رؤية الملك (الشعب كلب) فالملك ينظر للشعب كحيوانات يُمكن التحكم فيها من خلال تجويعها، والمثقف يُنظّر لهذه الرؤية من خلال مراقبة حال الشعب الخاضع، ويحاول إثباتها.

حين تنقلب سلطة الجموع، وتخرج عن القالب الذي وُضعت فيه، تدفع السلطة السياسية الثمن/تنتهي. ويبقى المثقف كسلطة غير فاعلة وأقل من أن تدفع ثمنًا لصمتها وتأييدها… وبدلًا من أن يُغيّر المثقف رؤيته للجموع الفاعلة ويؤمن بها، يعمل على محاولة إثبات نظريته الأولى والإضافة لها… فالشعب مازال كلبًا في نظر المثقف غير أنه في البدء جاع وصمت، وفي النهاية هجم على صاحبه ونهشه.. نظرية (حيونة) الشعوب تظل صامدة عند المثقف، وتظل نظرته لها قاصرة عن رؤية دورها وفاعليتها فهي (مملوكة) وتتصرف كرد فعل لفعل مالكها (يأخذ الكلب بخناق صاحبه)

وختامًا ينتهي النص بالحديث عن سلطتي الجموع والحكم السياسي متجاهلًا المثقف، لأنه غالبًا مايكون خارج سياق حركة التاريخ.

خاتمة:

قال أعرابي يوصي ولده: “يا بني إن لكل قوم كلبًا، فلا تكن أنت كلب قومك”

حاشية على ما سيق:

  • لا يُشترط أن يكون التجويع من الطعام، قد يكون تجويعًا من الكرامة والكلمات والتفكير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s