ورقو الأصفر شهر أيلول

مرحبًا يا أنا

لم يتغير وجهك منذ أن عرفتك، ولا تغيّرت أكثر طباعك… مازلتِ تسقطين وتضحكين قبل أن يضحك عليك الآخرون، ما زلتِ تغرقين في ذاتك وتتمسكين بعنادك كلما امتدت إليك يدٌ تخاف عليك من ملاقاة حتفك غرقًا، ما زلتِ تمشين بخطواتك السريعة والمتقاربة وتصطدمين بالأبواب المواربة والحواف، وما زلتِ تخافين من الحواف فتبعدين الأكواب والصحون عن حافة الطاولة، والعطور عن حافة الرفّ، والكتب عن حافة المكتب…الخ. فالحافّة هي الطريق الممهد للسقوط.

ورغم خوفك من السقوط الذي تتحالف معه الحافة، تسأمين دائمًا، تسأمين الصمت والجمود والبقاء أمام المنظر ذاته، فتحتجين على موات الأمكنة الآمنة بالجلوس على الحواف، وهجاء السقوط…

مرحبا يا أنا

ما زالت بلادتك المشهودة في الرياضيات والعلوم كما هي، لم يتغيّر شيء، وبرغم ارتحالك دراسيًا بعيدًا عن هذه التخصصات الجامدة (البحتة) إلا أنّها ما زالت تفرض قواعدها ونتائجها على حياتك، أو ما زال ذهنك يستدعي بعض مُعطياتها التي تذكرين وترين فيها انعكاسًا لمساراتك.

نسيت اسم ذلك الخط الأفقي الذي كانت ترسمه معلمة الرياضيات على السبورة ثم تحاول إيهامنا بإن للخطوط الأفقية إتجاهين، في منتصف الخط تضع الرقم (صفر) وعلى يمينه مجموعة الأعداد الموجبة، وعلى يساره مجموعة الأعداد السالبة… هل كان اسمها مجموعة الأعداد الحقيقية أو الطبيعية أو الصحيحة أو… أو…أو… نسيت، كما أنسى الأسماء دائمًا، لكنّي أتذكر الصفر المتمركز في المنتصف، ولدي قناعة بتشابه الأماكن الوسط مع هذا الصفر الذي يتربع بين الأعداد السالبة والموجبة. وأنا أكره الأصفار ، كلنا نكره الأصفار، نشتم بعضنا قائلين: (أنت صفر على الشمال) نحكي حسراتنا واصفين: (عاد صفر اليدين) نصف مكابداتنا والصعاب متهولين: (ابتدأ من الصفر) ولذا فأنا لا أستقرّ في المنطقة الصفر مهما حاولت، أرتحلُ دائمًا عن فراغ هذه المنطقة الصفر، مرة أجد الطريق نحو الأعداد الموجبة فأصعد عليها رقمًا رقمًا، ومرّات تنزلق قدمي على خط الأعداد الأفقي فأهوي إلى السالب، تصطفيني الخسارات..

ما اسم ذاك المصطلح العلمي الذي يصف مكابدات الكائنات من أجل البقاء؟ انتخاب طبيعي، اصطفاء طبيعي، تطوّر جينات… لا يهمّ، فالأسامي كلام، وشو خصّ الكلام… أمّا ما يخصني من هذا الكلام فهو اعتقادي بأنّ بعض جيناتي غلب بعض، بفعل عوامل كثيرة، أغلبها خارجية، كالصوت العالي، والتحريض، وسعار الإدانات، وصلابة القضبان والحديد… الخ الخ.

كل هذا أدّى إلى طفرة وراثية بداخلي، مكّنت قدراتي الدفاعية من التطور والبقاء، طفرة أدّت إلى ظهور أنياب لمخاوفي، كفيلة بنهش الأمل. طفرة أدّت إلى فقد يقيني لبصره بعد أن عاش في العتمة طويلًا طويلًا حتى تآلف مع العمى. طفرة أنبتت للصمت عشرين لسانًا أعلّق بها على ما يحدث في هذا العالم، وبدّدت الصوت. لستُ حزينة على هذه التطوّرات. على العكس من ذلك تمامًا، هذه الطفرات ستمكنني من البقاء، ولذا فأنا راضية بهذه الصفات النافعة، لعلّها تُنقذني من ضياعي الحالي الذي لم أستشعر في حياتي ضياعًا مثله، مذعورة أقف على عتبة عامي الجديد، وكأن كل حلم حلمته، وكل مبدأ آمنت به، وكل كلمة أمّنتها على حمولات قلبي من الرفض والغضب، ضاعت منّي، أو انقلبت ضدّي… وكأني أفتح عيني اليوم بشكل مفاجئ على عالم جديد، بلغة جديدة، بمبادئ تخضع لصيانة دورية وتحديثات تقلبها رأسًا على عقب، بذاكرة يجري بترها كل لحظة، وبدليل استخدام مكتوب بلغة لا أجيدها، وخارطة بمسارات لا أعرفها، وعليّ رغم الضياع أن أستمر في الطريق.

مرحبا يا أنا.

مازلتِ كما عرفتك. عثرتك أكبر من الطريق، طريقك منسوخ من خارطة الضياع، تسأمين المتاهة فتستريحين في العتمة. أحيانًا تختارين بكل إدراكك الجمرة على التمرة ثمّ تُصدمين إذا اكتوى لسانك، مازلتِ مُبصرة تتعامى، حذاؤك في يدك وقدمك لنتوءات الطريق، تركتِ حقائبك ليجلس عليها المسافرون الذين فاضوا عن سعة القطار، واختصرتِ أمتعتك في عراء كراسي الانتظار المركونة في المحطات… حتى سكنتك المحطة لا وجهة الوصول.

مرحبا يا أنا.

أعرف أنّك كما عرفتك دائمًا، تعيشين بالكلام وفي الكلام، قد تنقذك كلمة، وكلمة أخرى قد تهوي بك في قاع الخوف بلا قرار. فلا تفزعنّك كلماتي هذه. فما زال عندك خنادق تتمترسين خلفها، ومخارج طوارئ كثيرة. ما زال في القلب أصدقاء يكنسون العتمة ويفتحون النوافذ للهواء والشمس والحريّة. ما زال في المحيط أحبّة لا يرون منكِ إلا أجمل ما فيك، فاحتالي بضياء رؤاهم على عتمة رؤاك. ما زال لقلبك أولياء تتعبّدين بواسطتهم للحياة أن تدوم ما داموا معك، كي تغلبي بكثرتهم فيك وكثرتك بهم شجاعة الوقت وجرأته على ارتكاب الفظاعات، ما زال عندك عمل ينتزعك من فراشك كل صباح، ويهمس في أذنك: ليس بوسعك إنقاذ هذا العالم المنكوب، لذا ابحثي عن خلاصك وحدك، جاهدي كي لا تتحولي إلى صورة عن ما تكرهين، تحسسي قلبك كل يوم كي تتأكّدي أنّه لم يتحجر، فيصير جدارًا. وأن لسانك لم يزدد حدّة، فيصير نصلًا. وأن عينيك لم تتآلف مع عتمة العالم فتعمى عن الحزانى والمتعبين والمظلومين، تأكّدي أن أذنيك لم يعطلهما الضجيج وما زال بوسعمها تمييز الأنين…

لكن كيف تتأكدين من صدق حاستك التي تتحسسين بها نفسك؟ فالسيئون والطغاة لا يدركون ماهم عليه. وقد تكونين منهم… لكن على أي حال تذكري أنّ هذه حربك الأبدية فلا تنطفئي تحت رمادها.

في العُمر عمر يكفي لأن تعيشي أعمارًا قادمة في نفوس الطالبات، وفي المكان مكان يكفي لأن تبددي خوفك وضياعك وأحزانك بإتّباع هدى قلب أمّك، وبرفع قامتك كي تلمسي سقف توقعات أبيك، وبإطلاق حواسّك لاصطياد أماني شقيقاتك.

٣٤ سنة

نعم ٣٤ سنة.

لن أُطفئ الشموع، لكنّي سأطفئ خوف قلبي من العُمر بقراءة المقاطع التي أحبّها من كتاب (البداية والنهاية) في وصف بدء الخلق، عرش الله أولًا، ثمّ اللوح المحفوظ…

“أينَ كانَ ربّنا قبل أن يخلق السمٰوات والأرض؟ كان في عَمَاء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثمّ خلق عرشه على الماء”

كان العَمَاء قبلي إذن، كان العَماء قبل ملايين الملايين ممن عاشوا قبلي أيضا، وسأعود وسنعود جميعًا بعد هذا التحديق الطويل المريع الذي نسميه (حياة) جزءًا من ذاك العماء الأزلي والتليد.

أمّا اللوح المحفوظ، فهو “لوح من درّة بيضاء، طوله مابين السماء والأرض، وعرضه مابين المشرق والمغرب…مساحته مسيرة خمسمائة عام”

فما السطر الذي يخصني على هذا الاتساع؟ سطر؟ لا أظن، ربما لي جملة واحدة لا تبلغ سطرًا، وقد أكون أقل من أن أحظى بجملة، ربما ليس لي إلا كلمة تائهة بين عدد لا نهائي من الكلمات. أو حرف، حرف بلا معنى في ذاته، صوت نُطِق مرة واحدة وضاع في المدى الكوني الهائل… كلما تصورت اللوح المحفوظ أدرك أني لا شيء في هذا الشيء الذي يبدو بلا بداية ولانهاية، والأهم أن هذا العالم عندي لا شيء قبل بدايتي ونهايتي، ومع هذا فأنا أكابد في هذا العالم كما لو أنني ملء اتساعه، كما لو أنني سأكون فيه ويكون معي بشكل لا نهائي.

فليكن عُمري إذن بوهج ابتسامة خاطفة وقِصر زمنها، المهم أني عشت، أو أردتُ أن أعيش… وما زلتُ أعيش.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s