جدب

كانت مواسم الحصاد قد انقضت، لم يبقَ منها في ذاكرة المرأة التي عاصرتها لعقود وعهود إلا أرض جرداء تعبرها الأعوام الحافية دون أن تدمى فقد اعتراها اليباس. كان موسم الحصاد قد انقضى؛ إذ شحّت الأمطار أولاً، ومات الغناء ثانياً، والطير الذي انشغلوا بحماية زرعهم منه عاث بالزرع أخيراً، ولم يبقََ من ذاك الزرع إلا اخضرار الأيام القديمة في الذاكرة. صوت السواقي أمْ السعال؟ أغاني الحصاد أم أدعية زيارة المريض؟ خشخشة السنابل أم وهن العظام؟ كلما توغلّتْ امرأة الحقول في سواد العُمر صار الماضي أكثر اخضراراً في عقلها وعلى لسانها. وكلما عاث فيها صخب الشيب، يسوَدّ غيم الذكريات فتزداد انهماراً.

في هذا العالم الذي ينكر وجودها ويرتهن لنقرة زر بأيدي الصغار، ويختصر نفسه في شاشة هاتف ذكي، ويبدو مذعوراً على شاشات البلازما المسطحة الكبيرة التي تنقل بشاعات العالم بشكلٍ أعلى دقة وأكثر توسعاً… في هذا العالم يبدو أنّ كل شيء يرفضها أو يستعصي عليها في أحسن الأحوال. فتنزوي خلف سنينها الطويلة وحكاياتها المكررة.

حين تكون صحتها جيّدة تحيكُ من بقايا الأقمشة أغطية لكل شيء: للمخدات، لألعاب الصغار، لهاتفها النقّال الذي لا تعرف منه إلا زر السماعة الخضراء… يبدو أن اتساع العالم وتناميه يُشعرها بالضياع، فتنهمك في حياكة الأغطية التي تمنح الأشياء حيزاً من الدفء والسكن والحميمية. ولكي تغلب الوقت الذي ركض بها حتى أوصلها إلى هذا العُمر ثمّ صار بطيئاً مُثقلاً بالكاد يمر، كانت تنقض ما حاكته أحياناً لتعيد حياكته من جديد…

أمّا حين تنتكس صحتها إذعانًا لمتطلبات الشيخوخة، كانت تنام وتستيقظ نشوى بأحلامها التي تحيكها يد الذكريات، فتخضّر في مناماتها الجبال، وأغاني الرعيان تحتلّ المدى، والمنجل يقتطع نهايات الزرع كي يستنبت البدايات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s