الحكي منجاة

uploads1507052231606-IMG_6352

حكت شهرزاد لتغلب بالسرد شهوة القتل، فكانت الحكايات تمد في عمرها ليلةً بعد ليلة، وكان أبطال قصصها مثلها يلوذون بالحكاية من أجل النجاة التي كانت سمة أساسية لهذه الحكايات الألف، إلا أنها ليست غاية هذه الحكايات وحدها، بل تكاد أن تكون غاية كل الحكايات التي تستدعيها الشعوب في أوقات محنها وتلتصق بوجدانها. فحكاية سيف بن ذي يزن الجاهلية عادت وتشعبت في فترة الصراع الذي خلفته الحروب الصليبية بين أثيوبيا النصرانية والممالك المسلمة في أفريقيا، فعادت صورة البطل العربي بشكل أسطوري، ليهزم الأحباش من جديد، وكانت مهمته الأولى هي استعادة (كتاب النيل) الذي استولوا عليه فحجزوا به النيل عن مصر. فالحكاية هُنا مسخرة لنجاة الهوية من الطمس، ونجاة المد الإسلامي من الحصار. بعيدا عن السير الشعبية القابلة للزيادة والاستعادة، تظهر غاية النجاة عبر الحكاية في عدد من الروايات، ففي (كتاب الضحك والنسيان) لكونديرا كانت السلطة القمعية تعد بمستقبل أفضل لكن أبطال الرواية المنفيين كانوا يفكرون في الماضي. (تامينا) لا تفعل شيئا إلا محاولة استعادة رسائلها ومذكراتها. (ميريك) يقول: «نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان» في حرافيش نجيب محفوظ أيضا ينجو أبطاله على مدى عشرة أجيال من خلال حكاية واحدة تنتشلهم من التهميش والظلم وجبروت السلطة، وهي حكاية جدهم الأول (عاشور) المعروف بـ (الناجي).محليًا؛ في عام محنة جدة كتب محمد صادق دياب (مقام حجاز) لعل مدينته تنجو عبر حكاياتها من الفساد والغرق، فامتد نسل أبطاله (أسرة دحمان) من 1513م حتى 2011م. انتقموا من ظلم الولاة، وذادوا عن مدينتهم من الغزاة البرتغاليين، وحاولوا حماية المظلومين، واستمروا في التقاطع مع الأحداث التاريخية التي ألمت بالمدينة، حتى عام 2011م إذ عادت روح الجد (محسن) شهيد الحصار البرتغالي والتقت بأحفاده. فوجد كل شيء قد تبدل. يتساءل: أين جدة؟ ويأتي الجواب: «لو كنت تسمع لقلت لك: مواسم المطر، ومواليد برج الجدب يموتون في موسم المطر». وعودة إلى الليلة الأولى من الليالي الألف، تحكي شهرزاد عن عفريت غاضب أقسم على قتل تاجر، فظهر ثلاثة أشخاص قايضوا حياة التاجر بثلاث حكايات عجيبة، افتتن بها العفريت فمنح التاجر حياته. وكل حكاية من هذه الحكايات الثلاث تدور حول أشخاص مسحورين مسختهم قوة شريرة إلى حيوانات، وبواسطة الحكاية استعادوا إنسانيتهم وقلبوا السحر على الساحر. فكانت الحكاية عودة للحياة، وعودة للإنسانية.

نُشر في عكاظ https://www.okaz.com.sa/article/1071759

 

شجر النجاة

uploads1478908184769-IMG_1869

من قصص الطفولة التي كانت ترويها لي جدتي قصة (خاش باش) البنت الفاتنة التي لا تـشبه اسمها والتي كادت لها زوجة أبيها، وعانت من ظلم أخواتها واكتفى والدها بأن هرّبها من البيت لينصرها على زوجته التي طلبت قتلها. في رحلة (خاش باش) الطويلة نحو النجاة تأوي إلى نخلة لتهرب من الذئب وتخاطب النخلة قائلة: يانخلة أمي وأبي انزلي انزلي..
فتصير النخلة في مستوى قامتها، وترتقي عليها وتقول: يانخلة أمي وأبي اطلعي اطلعي…
فتعود النخلة لطولها الشاهق فتصير البنت في مأمنٍ من الذئب.

اتذكر أيام الثانوية ربما، نشرت صحيفة الحياة ملفًا خاصًا عن القصص الشعبية في البلاد العربية، وصادفت مشهدًا قريبًا من هذا المشهد في قصة أردنية، بنت تهرب إلى شجرة وتخاطبها بجملة مشابهة: انزلي… فتنزل… واصعدي فتصعد.

والآن أقرأ في أولى أساطير عبدالكريم الجهيمان الشعبية، في الأسطورة تهرب (جوزاء) بأمر أخيها (خضير) من حصانه الذي يعشقها، لا يقتل الأخ حصانه ليحمي أخته لأنه حصان أصيل معروف بالسبق، وكل ما يبذله لحماية أخته هو منحها ثلاثة أيام تهرب فيها وتبتعد بأقصى ما يمكنها قبل أن يطلق حصانه المهتاج الذي عجز عن تهدئته. يلاحق الحصان جوزاء ويقترب منها فتأوي مع جاريتها إلى شجرة. تخاطب الشجرة قائلة: ياشجيرة البر تقيصري تقيصري وأمك القصيرة… فصارت الشجرة تهبط إلى الأرض قليلًا قليلًا حتى لامست أغضانها التراب فقذفت جوزاء بحوائجها على ظهر الشجرة وجلست مع جاريتها أعلاها وقالت: ياشجيرة البر تطيولي تطيولي وأمك الطويلة.
فصارت الشجرة ترتفع وترتفع حتى جعلتهما في مأمنٍ من الخطر.

بغض النظر عن سُبل النجاة الأخرى في هذه القصص، اللجوء للسلطة أو الاحتماء بسطوة الجمال والفتنة أو الهرب مع العبيد وارتداء جلودهم لستر الجمال الذي كان منذ البدء سببًا في الأزمة كما قد يكون في الختام بابًا للنجاة… من بين كل هذه الطرق يظل هذا التفصيل الهامشي، الحميمي، والمكرر مع الشجر تفصيل آسر ويغري بتتبعه في القص الشعبي… فالشجرة التي كانت سببًا في الهبوط من الجنة تصير في الأرض مطواعةً للنساء وحاميةً لهن تنزل بفعل كلمة وتصعد بفعل الكلمة أيضا.

عن صِيَغ الجمع والاعتياد الأعمى

ترعبني صيغ الجمع في مقابل الواحد، الحالات في مقابل الطبيب، الطلاب في مقابل الأستاذ، العملاء والمراجعون في مقابل الموظف، الشعب في مقابل الحاكم… الخ

وسم الجموع بصفتها في مقابل وسم الفرد بوظيفته يلغي الإنسان الفرد في مقابل تغليب الإنسان النمط أو الإنسان القالب، فينسى الطبيب أنه يتعامل مع إنسان يتألم ويتذكر أنه يتعامل مع حالة، ينسى المعلم أنه يتعامل مع طالب يفكر بشكل منفرد، يشعر، يُكسر، يخاف… يتذكر فقط أنه يتعامل مع مجموع رؤوس تجلس على كراسي… الفكرة ذاتها تتكرر مع باقي الأدوار، فكرة إلغاء الشخص بكل الاتساع فيه لتغليب صفته الاعتبارية المؤقتة التي نتعامل معه من خلالها.

من هذا التكرار والتغليب يولد الاعتياد المخيف، الروتين الذي يُفقدنا الحس الخاص في التعامل مع الأمور. الاعتياد الذي يعني مرورك بالشيء ألف مرة و مروره عليك مرات لا تُحصى حتى تفقد ملكة الانتباه إليه وإدراك تفاصيله.

كتب ماركيز في كتابه (قصص ضائعة) مقالًا بعنوان (أبهة الموت) تتقاطع تفاصيله مع مخاوفي هذه. كتب عن جمود الروتين، ومأساة البيروقراطية في وكالة لدفن الموتى. بفعل الاعتياد والتعامل اليومي مع الموت يفقد الموت هيبته ويُعامل الموظفين الموتى وذويهم معاملة آلية باهتة.

يذهب ماركيز ليشهد مراسم حرق جثة صديقه، فيجد التوابيت المشتراة من عائلات الموتى لتضم جثامين أحبتهم قد صارت بلا جدوى بعد انتهاء مراسم الدفن، فتعمد الوكالة إلى بيعها من جديد لعائلات موتى آخرين. يصطدم ماركيز ومرافقوه بطابور الانتظار الطويل للجثث التي ستُحرق، وبعد طول الانتظار يقترح السائق: لماذا لا ترجعون غدًا وتحاولون أن تكونوا أول من يصل؟”

الموظف الوحيد في هذه الوكالة يُفسّر الأمر بتفسير خبّاز: “الفرن مشغول، والفرّان في الداخل لن ينتهي من التفرين قبل ثلاث ساعات”

يختم ماركيز مقاله بقصة بشعة عن امرأة أمريكية باعت كل ماتملك ليحظى زوجها بجنازة أكثر أبهة من إمكاناتها الطبيعية. كل ترتيبات الجنازة كانت تبدو مُحكَمة ومثالية، إلى أن يتصل بها أحد موظفي وكالة دفن الموتى ليخبرها أن الجثة أطول مما هو مدوّن في العقد، وهذا يعني دفع مبلغ إضافي لإتمام مراسم الدفن. وحين تُخبره الزوجة أنها انفقت كل شيء يُقدّم لها الموظف حلًا بصوته الهادئ: أرجو منكِ  أن تمنحينا تفويضًا لنشر قدمي الجثة.

وبالطبع لن تقبل الزوجة بهذا الخيار المروّع و وجدت المال بطريقتها ليُدفن زوجها كاملًا

والسؤال الذي تركته قصة هذه الأرملة في ذهني هو: هل مازالت إنسانيتنا نحن الأحياء  مكتملة في مواجهة الروتين والاعتياد والبروقراطية؟ أم أنّ أجزاءً  منها تم نشرها واستئصالها لنتواءم مع الصيغ الأولية لعقود وجودنا؟ ولنلائم المقاسات المطلوبة. فيسهل دفننا في الحياة قبل الموت.

نُمُو

a40

في البدء كانت الورقة، بيضاء من غير سوء، متمددة أمام غواية الألوان وتخيلات الطفولة، يتلهف بياضها للخضرة والحمرة والزرقة والصفرة، شمس تشع في الزاوية، وطيور تصل إلى حدود الشمس، سماء حادة الزرقة عليها سحب بيضاء كحلوى المارشملو، تتعانق خضرة الأرض مع زرقة السماء، لا فاصل فيما بينهما، أشجار بجذوع ضخمة، وثمارها ناضجة ومحمرة، وعليها أعشاش عصافير لا تنهرها فزاعة ولا يطالها الجوع.

بفعل التقادم فرّت ألوان كثيرة من اللوحة، اضمحلّت السُحب أولًا، صارت دخانًا متكاثفًا يسيل الدموع، تواطأ الدخان مع نيران صديقة، فانسحبت الطيور من السماء ومات بعضها في مكانه، بفعل هذا الفزع الطارئ انطفأت عين الشمس المشرقة في زاوية الصفحة، صارت رمادًا… فشحبت زرقة السماء حزنًا عليها، وتوارى الأخضر من الأرض خجلًا من اقتحامه للمشهد الحزين… وبفعل هذه الانسحابات المتتالية، انمّحت الألوان كلها، عادت هذه المساحة إلى لون البدء، إلى البياض… لكنها لم تعد ورقة كسابق عهدها، صارت ضمادة، ضمادة في طريقها للنمو حتى تصير كفنًا…