خَرَس

uploads1464289268569-image

لو أنّ  اللغة لم تُخلق، لما تخلّقت المشاعر في مئة صورة وصورة، الحُزن مثلًا؛ سيظلّ حبيسًا في القلب ولن يتصاعد إلى الأفكار التي تحاول إعادة خلقه من جديد في أوصاف تخلقه على هيئةِ كلمات تعيد خلقه منطوقًا ومسموعًا ومكتوبًا ومقروءًا… فيصيرُ له أكثر من وجود، وجود حقيقي محسوس في أنين القلب ووجود يزنّ  في العقل ووجود مجازي يحتل المساحة خارج نفوسنا.

لو أنّ اللغة لم تُخلق، ستنحسرُ أشياء كثيرة، ربما نصيرُ في غيابها أخف، لا وجود لكلمات تستحضر الأفكار في العقل وتعيدها في صياغات عديدة. الشك مثلا سيظلُ حبيس النفس ولن يتناسل في هيئة أسئلة واحتمالات وافتراضات لا تنتهي.

الاحتياج أيضا لن يعرف ذاته خارج الجسد، لن يتخلق في النداءات المسموعة والمخذولة، ولا في الردود الـمُقبلة والـمُعرضة.

كذلك الحُب -هذا الشعور الذي يظلل الفرد بغمامة رحمة مُنزلة عليه وحده- لن يتخلق في هيئات لا تُحصى ولا تعدّ، ولن ينجب القصائد والأغنيات، ولا سلالاته المشوهة من الوعود والخيبات والانكسارات والحسرات التي تُعيد خلقها اللغة أيضًا، تُعيدها وتُعيدها وتُعيدها بلا نهاية.

لو أن اللغة لم تُخلق، لما فكّرتُ  في قصص التخلق هذه ألف مرة ومرة، ولما استطعت تصور الأشياء في حضور مختلف، حضور لا يستنسخها ولا يُعيد تدويرها واجترارها.

لو أنّ اللغة لم تُخلق، كيف سيكون شعور الخفّة؟ سيكون أصل كل شيء، فكل شعور سواه لن يتجاوز لحظته، أمّا الخفة فستكون أم المخلوقات.

امبارح كان عُمري عشرين

uploads1463866925990-image
لوحة لتغريد البقشي

في الثلاثين لا تجف منابع الدهشة ولا ينضب الفرح، لكن الدهشة والفرح يستيقظان من هجعتهما خوفًا وليس شغفًا، تدفعهما فكرة الفقد والتشبث، لأن السأم صار ممتدًا على تراكمات العُمر تصبح فكرة اختلاقه ترفًا من ترف العشرينات، حين كان في السنوات متسع للتضجر من الوصل والناس والحُب والدهشات… في الثلاثين تسيطر فكرة الهرب من السأم وليس الهرب إليه، فيصير الفرح لصيقًا بفكرة الفقد، أشبه مايكون بالمساومة والسباق مع الفجائع، أفرح قبل أن أفقد، أفرح لأن الأشياء ليست لي وليس بوسعي امتلاكها فأهلل فرحًا لعبورها السريع…

في الثلاثين يظل في القلب مُتسع للحب، لرعشة الشوق ودفقة النشوة و وله الانتظارات، لكنه حب بلا يقين ولا طمأنينة، حب مذعور من فكرة الأبدية، ساخر من الوعود، حب بقلب مكسور اختبر فكرة أن يصير شظية ونهض من رماده، حب بعين كسيرة أطالت النظر للخراب الذي خلّفه التطاول في الأحلام… حب بيد مقبوضة جربت السقوط في الفراغ والخذلان ففقدت يقينها بالتشبث…

في الثلاثين يظل في السنين متسع للأيام الحلوة، تلك التي يمر فيها عقرب الوقت دون أن نشعر بسمّيته، وتمضي ثوانيها وكأنها تربت على أكتافنا، لكن الشعور بالسنين ليس هو الشعور الأول، الوقت يتضاءل لكثرة ما تفرّق وتمدد وتاه، بعملية حسابية السنة التي كانت تُشكل ١٠٪ من أعمارنا حين كنا في العاشرة، و ٥٪ من أعمارنا في العشرين، تصبح الآن ٣٪ من حساب العُمر… وتستمر في التقلص كلما زاد التراكم الذي تركناه في الخلف، ودفعنا إلى الأمام… إلى الهاوية.

عيد الأضحى/١٤٣٦هـ

سُلْطانة الحِكَايات

uploads1463694494418-image

درستُ  في قريتين، ثم اغتربت وعُمري تسع سنوات في مدينة لا تُشبهني، كنتُ  مُغتربة مكانًا وروحًا، لا أفهم لهجة البنات اللاتي واجهنني بسخرية يومية.

لم أتآلف سريعًا فلم أكن أعرف أحدًا -على عكس مدرسة القرية- حيث لم أكلّف نفسي عناء التعرف بأحد فقد كنتُ  معروفة للطالبات والمعلمات. والجميع يعرف أمي وأخواتي وخالتي و حتى جدّي…

أتذكر أن فصلي الأول في مدارس مكة (الصف الثالث ب) كان مُزينًا بستائر وردية من الدانتيل دفعنا أضعاف مصروفنا اليومي -بأمر المعلمة- حتى نجمع ونشتريها، وعلى أرضية الصف ـ(موكيت) ثمين، كانت المعلمة تُجبرنا على خلع أحذيتنا عند دخول الصف كي لا يتسخ الموكيت، في مقابل طاولاتنا الـمُكدّسة توجد طاولة للمعلمة، وخلفها رفوف بيضاء جميلة مفروشة بمفارش بلاستيكية مزخرفة بنقوش ذهبية إكمالًا  لبهرجة الفصل، وعلى الرفوف كتب محظور علينا الاقتراب منها لأنها ليست إلا (زينة) للفصل.

غابت معلمتنا -رائدة فصلنا- في إجازة طويلة، فأحضروا لنا عددًا من المعلمات لمحاولة إكمال سير الدروس أحيانًا، وأحيانًا لكبت أصواتنا بما كانوا يسمونه (الجلسة الصحية) التي تفرضُ علينا أن نجلس معقودات اليدين على صدورنا، وأحيانًا تتفنن المعلمات بجعلنا نرفع إصبع السبابة إلى شفاهنا في هذه الوضعية إقرارًا منّا بالتزام الصمت..

لا أتذكر من المعلمات اللاتي كُلفن بكبت إزعاجنا أي اسم، لكنّي أتذكر وجهًا لا يُمكن أن يغيب عني، إنه وجه (أبلة سلطانة) التي يؤسفني حقًا أني لا أعرف عنها إلا اسمها الأول، ووجهها الـمُختبئ خلف نظارة تُطل من وراء كتاب من الكتب التي كانت (زينة) من (زينات) الفصل وتحوّلت على يديها إلى عوالم من السحر والناس والحكايات.

لم تُدرّسنا أبلة سلطانة أي شيء، كانت تأخذ كتابًا من الكتب الصغيرة الموجودة بالمكتبة وتقرأهُ علينا… كانت تقرأ، والفصل يجلس مشدوهًا إليها، نُنصت بدهشة وتركيز… لم تُحافظ (الجلسة الصحية) على هدوئنا كما حافظت عليه حكايات أبلة سلطانة (بياض الثلج وحُمرة الورد، راڤونزيل، الأميرة النائمة والأقزام السبعة…إلخ)

أثناء القراءة كانت أبلة سلطانة تُزيح الكتاب من على وجهها وترفعه أمامنا لنرى بعض صور الكتاب، صورة قصر الأميرة النائمة وسط الأشواك التي أنبتتها السنين، صورة بياض الثلج محمولة في التابوت الزجاجي على أيدي الأقزام، صورة زوجة الأب الشريرة واقفة في مقابل مرآتها الناطقة….

من المشاهد التي لا تغيب عني أن أبلة سلطانة في يوم ما شعرت بمرور المديرة على الفصول فخبأت القصة داخل كتاب العلوم كي لا تكتشف المديرة أمر الحكايات… لا أعلم هل كانت أبلة سلطانة موكلة بتدريسنا العلوم وتركت واجبها وقصّت علينا الحكايات، أم أن المديرة كانت ستؤنبها على إضاعة وقتنا بلا فائدة؟ لا أعرف، ولكنّي متيقنة أنها لو كانت تقرأ فعلًا  من كتاب العلوم لما تذكرتها كما أتذكرها الآن، فقد نسيتُ دروس تلك السنة ولم أنسَ حكاياتها..

لم أشعر أن فصلنا بستائره الوردية والسجاد الأنيق والمفارش المزخرفة بالنقوش الذهبية مكانًا أليفًا أبدًا إلا في تلك الأيام الثلاثة التي دخلت فيها (أبلة سلطانة) إلينا وأدخلتنا إلى عوالم الحكايات.. كنتُ  قبل ذلك أجلس في مكاني (الصف الأول بجوار الباب) وأظل طيلة الحصص أدعو الله أن ينفجر مكيف الفصل ويشتعل الفصل نارًا… وكنتُ لشدة إلحاحي في الدعاء أتأمل الباب وأرسم لي طريقًا للهرب فقد كنت على يقين بأن المكيف سينفجر في أي لحظة…

كانت سنة للضجر والغربة والصمت… لم يكن فيها شيء أجمل من إطلالة وجه (أبلة سلطانة) خلف الكُتب الصغيرة ذات الأغلفة الملونة…

قبل سنوات وجدتُ نفس الكُتب في خزانة ابنة عمي الصغيرة، الكتب ذات الأغلفة السميكة الملونة (سلسلة ليدي بيرد) فتصفحتها، ربما كان الفارق بين لقائي بها في يد (أبلة سلطانة) ولقائي الثاني بها (بين يدي) يُقارب العشرين عام، ومع هذا كنتُ أحكي لابنة عمي عن الصور قبل أن أصل إلى الصفحة… تفاجأت أن ذاكرتي لم تختزن تلك الحكايات فحسب، بل اختزنت الصور بتفاصيلها الصغيرة يرافقها صوت (أبلة سلطانة) وهي تقرأ وتُحيل الفصل البغيض إلى عالمٍ  فاتن..

يومها وددتُ  لو أني أعرفُ طريقًا يوصلني لأبلة سلطانة، لأحكي لها عن حكايتها معي، ولأُقبّل يديها بلا تردد.

طوفان الوحدة

uploads%2F1479891581584-1479886657444.png

تحت عنوان (الحق في الحلم) يجاهر غاليانو بأحلام شبه مستحيلة، فيحلم بهواء نقي من كل السموم عدا دموع الإنسان وأهوائه، بسيارات نقتادها ولا تقودنا، بكمبيوترات لا تبرمجنا، بأسواق لا تستهلكنا، ويختم أحلامه قائلًا: “ولن يكون التلفزيون أهم فرد من أفراد الأسرة وسوف يُعامَل مثله مثل المكواة وآلة الغسيل” وهذا الحلم يبدو الآن كنبوءة قديمة أكثر من كونه مجرد حلم.

في السابق كتب الخبراء والمختصون عددًا من المقالات في هجاء التلفزيون، وأدانوا العائلات التي صارت تعتبره فردًا من أفرادها يتحلقون حوله ويفقدون قدرتهم على الحوار والإنصات لأنهم لا يجتمعون إلا عليه ولا يستمعون إلا إليه حتى أصابهم الصمم.

لكنّ التلفزيون كان طيبًا وحنونًا يلملم أفراد العائلات حوله، يجمعهم ببعضهم ليسرد عليهم مايسرد. كان أطيب من شاشات الأجهزة الذكية التي ابتلعت كل الكلام الآن وقضت على فكرة المشاركة وتآمرت مع الوحدة فأفردت كل شخص بهاتفه وخلقت له عالمًا من الوحدة والسأم والصمت، فصار أبكمًا لا ينطق إلا عن طريق أصابعه.

لكنّ هذه الهواتف التي أقصت الناس عن الناس ونكّست رؤوسهم على شاشاتها، سنتذكرها في الغد القريب كما نتذكر تفاصيل ماضٍ حنون، سنحنّ إليها حين يعْصب كل فرد عينيه بنظارة الواقع الافتراضي ويصيرُ أعمى بعد أن كان أبكمًا أصم.

انسحبت الشاشات من مكانها المتسع في غُرف المعيشة واحتلت أيدي الناس، وتنسحب الشاشات الآن من بين أيديهم لتحتل وجوههم وتغطي عيونهم، وربما في المستقبل ستنسحب من وجوههم لتسكن رؤوسهم فينسحب الناس مثلها من كل مكان ويعيشون معها بعيدًا عن حيز وجودهم.

 

قصّة سعيدة جدًا

uploads%2F1463701396263-image.jpeg

 

استيقظت البنت السعيدة في الصباح دون منبه، ارتدت ثيابها دون كي، ولبست حذاءها دون توجع، خرجت دون أن تُغلق الباب خلفها، ابتسم الباب للبنت السعيدة وللأفق الممتد أمامه، سارت البنت السعيدة في طريق ممهد وسط سيارات منزوعة العوادم والأبواق، كانت إشارات المرور الخضراء تنتظر اقتراب الناس لترحب بهم وتضيء لهم الطريق، لم يحدث أي اصطدام بسبب الإشارات التي لا تعرف إلا الاخضرار إذ كان الطريق متخففًا من المسارات الجانبية… اشترت البنت السعيدة فطورًا كامل الدسم وغنيًا بالكربوهيدرات، أكلت ولم تشعر بالتخمة ولم يطاردها شبح الميزان… وقفت البنت السعيدة في ناصية الشارع تتأمل الناس الذين يسيرون بتؤدة (مرّ السحابة لا ريثٌ ولا عجلُ) وبادلتهم الابتسامات… حضر حبيبها قبل بدء وقت الانتظار، تعانقا بلا خوف، وشبكا أيديهما معًا فاحتضرت أغنية تقول: (اللي شبكنا يخلّصنا). لم تسأل البنت السعيدة حبيبها عن أحواله، السعادة الغامرة في وجهه أجابت على السؤال قبل أن يطرح نفسه، لم ينجح أي سؤال في طرح نفسه بينهما أبدًا فقد كانت الأجوبة تضمهم إلى دفء حضنها…

ذهبت البنت السعيدة إلى باقي يومها، ذهب حبيب البنت السعيدة إلى باقي يومه، لم يتوادعا، لقد مات الوداع منذ زمن بعيد ولم تتسنَ لهما معرفته.

في مساء اليوم السعيد، كانت البنت السعيدة تخطط ليومها الآتي، كانت الخطة هي ذاتها خطة اليوم وخطة الأمس… امتدت يد البنت السعيدة إلى شجرة الافتراضات المحرّمة، كان الموت قد مات منذ زمن طويل وصار أحفورة يتفرج عليها الناس دون خشية. ولذا لم تخشَ البنت من أن تقتلها الشجرة المحرّمة، لقد أرادت أن تُجرب الافتراضات فحسب ثمّ تمجّها سريعًا… لكنها حين ذاقت الشجرة تكشفت لها سوءة السأم، وضحكت الشجرة، وضحكت رؤوس الشياطين في طلع الشجرة… وهبطت البنت السعيدة من جنتها إلى قاع الحُزن.

20 مايو 2016

الدماء تدقّ النوافذ، ممدوح عدوان

في هذه القصيدة التي كتبها ممدوح عدوان المتوفى عام ٢٠٠٤ استشراف لواقع سوريا اليوم، وكأنها نبوءة عرّاف وليست مجرد قصيدة لشاعر:

يبدأ الجرحُ  في وطني بالترابِ  الجريحْ.

ثمّ تحمّرُ منه الدماء.

يبدأُ القهرُ من صرخةِ  الأقبية.

ثمّ يمتد حتى السماء.

يبدأ الوطن الـمُرتجى من طعام الصغار.

ومن الفقر حين تضايقه التسمية.

ينبع الفقر من أوجه الفقراء.

حينما استغفروا الله مسكنةً

حمدوه على اللقمةِ الـمُخزية.

ستروا فقرهم.

مثلما تُسْتَرُ المعصية.

***

هاهي امرأتي تتحركُ وسط الزحام.

تلتقي مُقلتانا

فنَطرِقُ  خوف الكلام.

بيننا السر ينمو بصمت.

نخبئه في الضجيج

وبين زحام الحفاة.

مرة قلتُ  أنظرُ في مقلتيها.

رأيتُ  غدي أفقًا من خيام.

كان شيء من الوجدِ فيها.

انطفأ هلعًا فعرفتُ  البقية.

ها أنا اتدثر:

إنّ  الدماء تدق النوافذ.

توقف زحف المشاة.

بدأ الدم من جرح كف تُجاهد للخبز.

تحني مجاعتها كل عام.

بدأ الجرح من ماء نهرٍ يفيضُ    بوجه الحسين الـمُضرّج

وتدفق في النيل,

والنيل يحملُ وجه الشفيع المدجج.

بدأ الدم من شجرٍ (بين عمّان والنهر)

كانت تقصفه الريح.

والزارعون يغصّون بالدم.

خوف الطغاة,

بردى يلعقُ  الشفتين ويركضُ  ذعرًا

فيُخلي الطريق لسيل الدماء.

من هُنا بدأ الوطن المترامي

قتيلًا  بغير كفن.

وتجمع بين الركام الذي يترسب عبر الزمن.

فنما ظلمة يتستر فيها الحواة

مرة قلتُ  أنظر في مقلتيها

فأرعبني خوفها الـمُختزن.

البنادق كانت مُخبأة,

والدماء تدقُ  النوافذ.

والأرض، من خوفها

تتقشر أُفق رمال.

الدماء تدق النوافذ،

كان الجياع يجوعون سرًا.

يخافون جهرًا

ويخفون في القلب حتى الدعاء

وأنا أرقبُ  امرأتي خلسةً بين جميع النساء.

و أرى رعبها يتجمد نبض سؤال.

والدماء تدقُ  النوافذ.

– كانت بنادقنا في المخابئ-

والغاضبون امتطوا حرقة العُمر

(كي لا يموتوا اختناقًا)

فماتوا اغتيال.

لم يزل بيننا السر ينمو

ونحييه حين أرى وجهها في الزحام.

صحتُ:

يا وطنًا جفّ   حتى تشقق

دع لي بقية.

صحتُ:

يا جَيـَشان الدموع توقف.

لدينا لأحزاننا أبجدية.

كان لي وجه حزنٍ  أليف.

تحسسته فاختفى من يدي.

مَن سيُرجع وجهي إليّ؟

من سيعرف وجهًا

ورثتُ  الندوب به من سيوف التتار.

كان وجهًا به جرحي العربي.

كان جرحًا به دمي العربي.

قلت: يا امرأتي,

أقبلت ليلتي المفجعة.

هو ذا زمن فيه أعداؤنا ينبعون من البيت.

يسرون بين خيوط الدماء.

يسحبون الخناجر,

يأتون من سُحن الأصدقاء.

ومن سحن الأقرباء.

إنها هجمة بدأت بحصار الدماء.

قلتُ  يا امرأتي انتبهي

واحفظي ما ترين.

سقطت عنهم الأقنعة.

والأفاعي التي تطمئن.

وتُظهر أنيابها.

ثمّ تهجرُ أوكارها.

سوف نعرفها.. حيةً.. حيةً..

حنشًا.. حنشًا..

وسنرقبُ  أوكارها.

والأجنحة وسط البيوض.

ونعرف لون العظام.

فلتعج البراري بها.

سوف يتضح الأمر يوم الصِدام.

يبدأ الثأر من جوع أطفالنا.

ودموع الرجال.

سنُخزنُ  أحقادنا الـمُبدعة.

سنحلُ دماها:

أنا فارس الغد, حين نلاقي الزمان.

إنني أرجع الدهر نحو بدايته المفزعة.

وأنا امتطي صعبتي وأراقب كل المداخل.

جاءنا زمن القتل,

لم يبقَ  شهرُ حرام.

فتعالي نعلّم حجارتنا أن تُشير إليهم وتتقنُ أسماءهم.

أخذوا عُمرنا من بدايته.

ولنا سوف تبقى فصول الختام:

يلتقي الجائعون بجوعٍ جديد مقاتل.

إنه زمن القتل عبر جميع اللغات.

لن يكون به آمن.

كل من دخل الأرض يُضحي قتيلًا  وقاتل.

وحجارتُنا ستدلُّ عليهم وتعلنُ  أسماءهم.

ثمّ  لا عفو:

للفقر ذاكرة لا تخون الدماء السبية.

إنهم يحسبون الزمان مشانق.

نحنُ نحصي الزمان بما يتجمع من طلقاتٍ  لهذه البنادق.

سنفاجئهم

هذه امرأتي حبلت من دمائي النقية.

حبلت رغم كل البلايا, وقد سَلِمَتْ  من جميع المآزق

الدماء تدق النوافذ,

وامرأتي حامل وصبية.

وأنا والد الطفل.. أولدتُها بندقية.

وأنا والد الطفل.. أولدتها بندقية.

توريث

uploads1481410930690-IMG_2763

يلتبس عليها مفهوم الـ(لا) بـ(نعم) إذ لا يخضع فهمها لصيغتي الرفض والقبول إلى ماتقتضيه الخيارات والقرارات والأوامر والنواهي… بل إلى التوقعات.

في سنوات عُمرها الأولى تمرّنت ككلبٍ وديع على أن السيادة ليست لشيء سوى (نعم). في لحظات اللعب حين تُدحرج أمّها الأشياء أمامها متوقعة منها أن تحبو خلفها وتُعيدها إليها كانت تُذعن للتوقع لأن اللعبة تقتضي هذا. في لحظات اللقاء حين يفتح والدها ذراعيه كانت تُذعن للتوقع فتركض لترتمي بينهما.

حين كبرت قليلًا كانت التوقعات تقتضي مزيدًا من (نعم) في البيت والمدرسة وبين الصديقات… وحين كبرت أكثر بدأت تكتشف (لا) بشكل أعمق، وتنبهر بقدرة هذين الحرفين على الاتساع لشمول معظم الأشياء. درّبت شفتيها على الانفتاح عند نطق (لا) بدلًا من انطباقهما عند نطق (نعم). ظنّت أن بوسعها تعليق هذه الـ(لا) على شفتيها كلافتة احتجاجية، لكن (لا) التي لا تكف عن إبهارها انزلقت من شفتيها وتعلقت بساقها فصارت تتعثر بها دائمًا وتسقط في لزوجة الإذعان، كان الأمر في البدء محسوسًا مُدركًا فقد كانت الـ(لا) ثقيلة جدًا مثل سلسلة حديدية تُكبل ساقها وتُعلن عن وجودها مع كل محاولة للتقدم، ثم بدأ يتضاءل هذا الثقل بفعل التعود فصارت (لا) مثل حجلٍ قبيح يشوّه ساقها، مع تراكم الوقت وطول العشرة اعتادت التفاف (لا) حول ساقها مثل خلخال يوهمها بأنها الأجمل… عرفت أن (لا) و(نعم) ليسا نقيضين إذ طالما أجبرتها (لا) على العودة إلى بيت (نعم)

في منتصف عُمرها أنجبت بنتًا كانت تُدحرج لها الأشياء في لحظات اللعب لتُعيدها إليها ككلبٍ وديع يتمرن على التعايش مع (نعم)، حين كبرت بنتها أكثر كانت (لا) قد تسلّقت ساق الأم أخيرًا واستقرت على شفتيها حيث كانت تريد منها أن تستقر، لكن (لا) خرجت عن سيناريو الحلم فلم تكن مثل لافتة احتجاجية بل مثل سلسلة تتدلى من هناك وتلتف حول ساق ابنتها.

24 يونيو 2016