طوفان الوحدة

uploads%2F1479891581584-1479886657444.png

تحت عنوان (الحق في الحلم) يجاهر غاليانو بأحلام شبه مستحيلة، فيحلم بهواء نقي من كل السموم عدا دموع الإنسان وأهوائه، بسيارات نقتادها ولا تقودنا، بكمبيوترات لا تبرمجنا، بأسواق لا تستهلكنا، ويختم أحلامه قائلًا: “ولن يكون التلفزيون أهم فرد من أفراد الأسرة وسوف يُعامَل مثله مثل المكواة وآلة الغسيل” وهذا الحلم يبدو الآن كنبوءة قديمة أكثر من كونه مجرد حلم.

في السابق كتب الخبراء والمختصون عددًا من المقالات في هجاء التلفزيون، وأدانوا العائلات التي صارت تعتبره فردًا من أفرادها يتحلقون حوله ويفقدون قدرتهم على الحوار والإنصات لأنهم لا يجتمعون إلا عليه ولا يستمعون إلا إليه حتى أصابهم الصمم.

لكنّ التلفزيون كان طيبًا وحنونًا يلملم أفراد العائلات حوله، يجمعهم ببعضهم ليسرد عليهم مايسرد. كان أطيب من شاشات الأجهزة الذكية التي ابتلعت كل الكلام الآن وقضت على فكرة المشاركة وتآمرت مع الوحدة فأفردت كل شخص بهاتفه وخلقت له عالمًا من الوحدة والسأم والصمت، فصار أبكمًا لا ينطق إلا عن طريق أصابعه.

لكنّ هذه الهواتف التي أقصت الناس عن الناس ونكّست رؤوسهم على شاشاتها، سنتذكرها في الغد القريب كما نتذكر تفاصيل ماضٍ حنون، سنحنّ إليها حين يعْصب كل فرد عينيه بنظارة الواقع الافتراضي ويصيرُ أعمى بعد أن كان أبكمًا أصم.

انسحبت الشاشات من مكانها المتسع في غُرف المعيشة واحتلت أيدي الناس، وتنسحب الشاشات الآن من بين أيديهم لتحتل وجوههم وتغطي عيونهم، وربما في المستقبل ستنسحب من وجوههم لتسكن رؤوسهم فينسحب الناس مثلها من كل مكان ويعيشون معها بعيدًا عن حيز وجودهم.

 

قصّة سعيدة جدًا

uploads%2F1463701396263-image.jpeg

 

استيقظت البنت السعيدة في الصباح دون منبه، ارتدت ثيابها دون كي، ولبست حذاءها دون توجع، خرجت دون أن تُغلق الباب خلفها، ابتسم الباب للبنت السعيدة وللأفق الممتد أمامه، سارت البنت السعيدة في طريق ممهد وسط سيارات منزوعة العوادم والأبواق، كانت إشارات المرور الخضراء تنتظر اقتراب الناس لترحب بهم وتضيء لهم الطريق، لم يحدث أي اصطدام بسبب الإشارات التي لا تعرف إلا الاخضرار إذ كان الطريق متخففًا من المسارات الجانبية… اشترت البنت السعيدة فطورًا كامل الدسم وغنيًا بالكربوهيدرات، أكلت ولم تشعر بالتخمة ولم يطاردها شبح الميزان… وقفت البنت السعيدة في ناصية الشارع تتأمل الناس الذين يسيرون بتؤدة (مرّ السحابة لا ريثٌ ولا عجلُ) وبادلتهم الابتسامات… حضر حبيبها قبل بدء وقت الانتظار، تعانقا بلا خوف، وشبكا أيديهما معًا فاحتضرت أغنية تقول: (اللي شبكنا يخلّصنا). لم تسأل البنت السعيدة حبيبها عن أحواله، السعادة الغامرة في وجهه أجابت على السؤال قبل أن يطرح نفسه، لم ينجح أي سؤال في طرح نفسه بينهما أبدًا فقد كانت الأجوبة تضمهم إلى دفء حضنها…

ذهبت البنت السعيدة إلى باقي يومها، ذهب حبيب البنت السعيدة إلى باقي يومه، لم يتوادعا، لقد مات الوداع منذ زمن بعيد ولم تتسنَ لهما معرفته.

في مساء اليوم السعيد، كانت البنت السعيدة تخطط ليومها الآتي، كانت الخطة هي ذاتها خطة اليوم وخطة الأمس… امتدت يد البنت السعيدة إلى شجرة الافتراضات المحرّمة، كان الموت قد مات منذ زمن طويل وصار أحفورة يتفرج عليها الناس دون خشية. ولذا لم تخشَ البنت من أن تقتلها الشجرة المحرّمة، لقد أرادت أن تُجرب الافتراضات فحسب ثمّ تمجّها سريعًا… لكنها حين ذاقت الشجرة تكشفت لها سوءة السأم، وضحكت الشجرة، وضحكت رؤوس الشياطين في طلع الشجرة… وهبطت البنت السعيدة من جنتها إلى قاع الحُزن.

20 مايو 2016

الدماء تدقّ النوافذ، ممدوح عدوان

في هذه القصيدة التي كتبها ممدوح عدوان المتوفى عام ٢٠٠٤ استشراف لواقع سوريا اليوم، وكأنها نبوءة عرّاف وليست مجرد قصيدة لشاعر:

يبدأ الجرحُ  في وطني بالترابِ  الجريحْ.

ثمّ تحمّرُ منه الدماء.

يبدأُ القهرُ من صرخةِ  الأقبية.

ثمّ يمتد حتى السماء.

يبدأ الوطن الـمُرتجى من طعام الصغار.

ومن الفقر حين تضايقه التسمية.

ينبع الفقر من أوجه الفقراء.

حينما استغفروا الله مسكنةً

حمدوه على اللقمةِ الـمُخزية.

ستروا فقرهم.

مثلما تُسْتَرُ المعصية.

***

هاهي امرأتي تتحركُ وسط الزحام.

تلتقي مُقلتانا

فنَطرِقُ  خوف الكلام.

بيننا السر ينمو بصمت.

نخبئه في الضجيج

وبين زحام الحفاة.

مرة قلتُ  أنظرُ في مقلتيها.

رأيتُ  غدي أفقًا من خيام.

كان شيء من الوجدِ فيها.

انطفأ هلعًا فعرفتُ  البقية.

ها أنا اتدثر:

إنّ  الدماء تدق النوافذ.

توقف زحف المشاة.

بدأ الدم من جرح كف تُجاهد للخبز.

تحني مجاعتها كل عام.

بدأ الجرح من ماء نهرٍ يفيضُ    بوجه الحسين الـمُضرّج

وتدفق في النيل,

والنيل يحملُ وجه الشفيع المدجج.

بدأ الدم من شجرٍ (بين عمّان والنهر)

كانت تقصفه الريح.

والزارعون يغصّون بالدم.

خوف الطغاة,

بردى يلعقُ  الشفتين ويركضُ  ذعرًا

فيُخلي الطريق لسيل الدماء.

من هُنا بدأ الوطن المترامي

قتيلًا  بغير كفن.

وتجمع بين الركام الذي يترسب عبر الزمن.

فنما ظلمة يتستر فيها الحواة

مرة قلتُ  أنظر في مقلتيها

فأرعبني خوفها الـمُختزن.

البنادق كانت مُخبأة,

والدماء تدقُ  النوافذ.

والأرض، من خوفها

تتقشر أُفق رمال.

الدماء تدق النوافذ،

كان الجياع يجوعون سرًا.

يخافون جهرًا

ويخفون في القلب حتى الدعاء

وأنا أرقبُ  امرأتي خلسةً بين جميع النساء.

و أرى رعبها يتجمد نبض سؤال.

والدماء تدقُ  النوافذ.

– كانت بنادقنا في المخابئ-

والغاضبون امتطوا حرقة العُمر

(كي لا يموتوا اختناقًا)

فماتوا اغتيال.

لم يزل بيننا السر ينمو

ونحييه حين أرى وجهها في الزحام.

صحتُ:

يا وطنًا جفّ   حتى تشقق

دع لي بقية.

صحتُ:

يا جَيـَشان الدموع توقف.

لدينا لأحزاننا أبجدية.

كان لي وجه حزنٍ  أليف.

تحسسته فاختفى من يدي.

مَن سيُرجع وجهي إليّ؟

من سيعرف وجهًا

ورثتُ  الندوب به من سيوف التتار.

كان وجهًا به جرحي العربي.

كان جرحًا به دمي العربي.

قلت: يا امرأتي,

أقبلت ليلتي المفجعة.

هو ذا زمن فيه أعداؤنا ينبعون من البيت.

يسرون بين خيوط الدماء.

يسحبون الخناجر,

يأتون من سُحن الأصدقاء.

ومن سحن الأقرباء.

إنها هجمة بدأت بحصار الدماء.

قلتُ  يا امرأتي انتبهي

واحفظي ما ترين.

سقطت عنهم الأقنعة.

والأفاعي التي تطمئن.

وتُظهر أنيابها.

ثمّ تهجرُ أوكارها.

سوف نعرفها.. حيةً.. حيةً..

حنشًا.. حنشًا..

وسنرقبُ  أوكارها.

والأجنحة وسط البيوض.

ونعرف لون العظام.

فلتعج البراري بها.

سوف يتضح الأمر يوم الصِدام.

يبدأ الثأر من جوع أطفالنا.

ودموع الرجال.

سنُخزنُ  أحقادنا الـمُبدعة.

سنحلُ دماها:

أنا فارس الغد, حين نلاقي الزمان.

إنني أرجع الدهر نحو بدايته المفزعة.

وأنا امتطي صعبتي وأراقب كل المداخل.

جاءنا زمن القتل,

لم يبقَ  شهرُ حرام.

فتعالي نعلّم حجارتنا أن تُشير إليهم وتتقنُ أسماءهم.

أخذوا عُمرنا من بدايته.

ولنا سوف تبقى فصول الختام:

يلتقي الجائعون بجوعٍ جديد مقاتل.

إنه زمن القتل عبر جميع اللغات.

لن يكون به آمن.

كل من دخل الأرض يُضحي قتيلًا  وقاتل.

وحجارتُنا ستدلُّ عليهم وتعلنُ  أسماءهم.

ثمّ  لا عفو:

للفقر ذاكرة لا تخون الدماء السبية.

إنهم يحسبون الزمان مشانق.

نحنُ نحصي الزمان بما يتجمع من طلقاتٍ  لهذه البنادق.

سنفاجئهم

هذه امرأتي حبلت من دمائي النقية.

حبلت رغم كل البلايا, وقد سَلِمَتْ  من جميع المآزق

الدماء تدق النوافذ,

وامرأتي حامل وصبية.

وأنا والد الطفل.. أولدتُها بندقية.

وأنا والد الطفل.. أولدتها بندقية.

توريث

uploads1481410930690-IMG_2763

يلتبس عليها مفهوم الـ(لا) بـ(نعم) إذ لا يخضع فهمها لصيغتي الرفض والقبول إلى ماتقتضيه الخيارات والقرارات والأوامر والنواهي… بل إلى التوقعات.

في سنوات عُمرها الأولى تمرّنت ككلبٍ وديع على أن السيادة ليست لشيء سوى (نعم). في لحظات اللعب حين تُدحرج أمّها الأشياء أمامها متوقعة منها أن تحبو خلفها وتُعيدها إليها كانت تُذعن للتوقع لأن اللعبة تقتضي هذا. في لحظات اللقاء حين يفتح والدها ذراعيه كانت تُذعن للتوقع فتركض لترتمي بينهما.

حين كبرت قليلًا كانت التوقعات تقتضي مزيدًا من (نعم) في البيت والمدرسة وبين الصديقات… وحين كبرت أكثر بدأت تكتشف (لا) بشكل أعمق، وتنبهر بقدرة هذين الحرفين على الاتساع لشمول معظم الأشياء. درّبت شفتيها على الانفتاح عند نطق (لا) بدلًا من انطباقهما عند نطق (نعم). ظنّت أن بوسعها تعليق هذه الـ(لا) على شفتيها كلافتة احتجاجية، لكن (لا) التي لا تكف عن إبهارها انزلقت من شفتيها وتعلقت بساقها فصارت تتعثر بها دائمًا وتسقط في لزوجة الإذعان، كان الأمر في البدء محسوسًا مُدركًا فقد كانت الـ(لا) ثقيلة جدًا مثل سلسلة حديدية تُكبل ساقها وتُعلن عن وجودها مع كل محاولة للتقدم، ثم بدأ يتضاءل هذا الثقل بفعل التعود فصارت (لا) مثل حجلٍ قبيح يشوّه ساقها، مع تراكم الوقت وطول العشرة اعتادت التفاف (لا) حول ساقها مثل خلخال يوهمها بأنها الأجمل… عرفت أن (لا) و(نعم) ليسا نقيضين إذ طالما أجبرتها (لا) على العودة إلى بيت (نعم)

في منتصف عُمرها أنجبت بنتًا كانت تُدحرج لها الأشياء في لحظات اللعب لتُعيدها إليها ككلبٍ وديع يتمرن على التعايش مع (نعم)، حين كبرت بنتها أكثر كانت (لا) قد تسلّقت ساق الأم أخيرًا واستقرت على شفتيها حيث كانت تريد منها أن تستقر، لكن (لا) خرجت عن سيناريو الحلم فلم تكن مثل لافتة احتجاجية بل مثل سلسلة تتدلى من هناك وتلتف حول ساق ابنتها.

24 يونيو 2016

جزيرة النساء

“جزيرة النساء: وهي جزيرة عظيمة وليس بها رجل أصلاً. ذكروا أنهن يلقحن ويحملن من الريح ويلدن نساء مثلهن. وقيل إن بأرض تلك الجزيرة نوعاً من الشجر فيأكلن منه فيحملن وإن الذهب في أرضها عروق كعروق الخيزران، وترابها كله ذهب ولا التفات للنساء إلى ذلك. وذكر بعضهم أن رجلاً ساقه الله إلى تلك الجزيرة فأردن قتله فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة وسيبته في البحر فلعبت به الأمواج فرمته في بعض بلاد الصين فأخبر ملك تلك الجزيرة بما رأى من النساء وكثرة الذهب، فوجه مراكب ورجالاً معه فأقاموا زمناً طويلاً في البحر يطوفون على تلك الجزيرة فلم يقعوا لها على أثر.”

جاء ذكر هذه الجزيرة العجائبية في كتب الرحالة: عند القزويني وعند ابن الوردي، وقراءتي لهذه الأسطورة سترتكز على كونها تفتقت عن مخيلة ذكورية، فكشفت عن حلم الإنسان بالعيش في عالمٍ متكامل إلى درجة أنّ الثمين فيه مبذول ومبتذل، والمرغوب مكتفٍ بذاته بعيد عن النوال.

فالجزيرة مكان مثالي للاكتفاء، تضم عددًا لا ينضب من النساء القادرات على الإنجاب باستغناء تام عن الرجل، وهذا لا يضمن الاستغناء فحسب بل يضمن الاستمرارية والشباب أيضا… وتراب الجزيرة من ذهب، فيجتمع هنا المال والنساء، ولكن المال مبذول ومبتذل لوفرته، والنساء رغم وفرتهن قصيات نائيات عن النوال مكتفيات بالطبيعة ويتكاثرن على أرض جزيرتهن البكر دون حاجة إلى أحد.

عالم طاهر ومثالي تعيش فيه النساء بلا دنس وبلا أطماع، وحين يدخل رجل إلى هذه الجزيرة وينتهك عالم النساء يكون دخوله مدعاة لقتله، لكن الحنان الأنثوي ينقذه، ويلقيه بعيدًا عن هذا العالم الغرائبي، ولا يصمت الرجل بعد نجاته بل يكشف عن ما لاقاه في هذه الجزيرة، ولا يحاول على الأقل حماية المرأة التي حمته بل يفضح أمرها وأمر باقي النساء ويبوح بسرّ هذه الجزيرة إلى السلطة، لكن السلطة والفضول الذكوري يفشلان في العثور عليهن.

هناك أربع دوال أساسية يمكن من خلالها قراءة صورة هذه الجزيرة النائية والنساء العذراوات القادرات على التكاثر المكتفيات عن الذكور القاطنات على أرض أرخص مافيها (التراب) هو أغلى ماعندنا في الواقع (الذهب).

هذه الدوال الرئيسية (النأي، الطبيعة، النساء، المال) تتفق كلها وتتعاضد لتنتج معنى (الاستغناء) النسائي، في مقابل (النهم) الذكوري.

الدالة الأولى (النأي) فالجزيرة نائية ولم يسبق أن دخلها أحد، وهذا النأي يجسّد صورة المكان/الحلم، وعالم المثال.

أمّا الدالة الثانية (الطبيعة) تتمثل في الريح التي تلقح النساء والشجر الذي يأكلن من ثماره ويحملن، وهذا الشجر يستدعي في الذهن قصة الوجود الأول في الجنة والمكوّن من ثنائية ذكر وأنثى أغواهما الشيطان بأكل الثمرة المحرمة فطُرِدا من النعيم. ويضع شجرة الجنة المحرمة في مقابل أشجار النساء التي لا تتسبب في طردهن بل في تكاثرهن بعيدًا تمامًا عن الرجل، أي بعيدًا عن احتمال الغواية والطرد. أمّا الريح فتستدعي في الذهن دلالات الخفة والانطلاق والتحرر من التجسد المادي والأهم من هذا كله تتسم بالهبوب العابر، وهذا قد يكون ترميزًا لعلاقات لا تستمر ولا تمتلك أحدًا، على عكس مايكون في العالم الطبيعي. فاستبدال الشجر والريح بدور الرجل في الإنجاب حالة اكتفاء وإقصاء تتبع الدالة الأولى (النأي).

الدالة الأساسية هي (النساء) ولا تُذكر أدوارهن الاجتماعية، هن نساء فحسب، ليس بينهن زوجة لكن بلا شك بينهن الأم والأخت والخالة والجدة، لكن الأدوار المرتبطة بحضور الرجل كالزوجة والعمة ليس لها حضور، وهذا إقصاء آخر ودالّة تدعم دالة (النأي)

أمّا (المال) فيحضر بصورة مبتذلة تمامًا، فتراب الجزيرة من الذهب تطأه النساء بأقدامهن ولا يلتفتن إليه، وهذه الصورة تعزز فكرة غياب رغبة التملك على الجزيرة، فكما تغيب في هذه الأسطورة صورة الرجل المتملك تغيب أيضا صورة المرأة التي تسعى للامتلاك. فالجزيرة عالم مثالي يستغني بذاته عن كل شيء، فينأى عن الطمع والنزاع..

والمشترك بين هذه الدوال الأربعة هو (الاستغناء) فمكان الحزيرة النائي يدل على استغنائها عن الجوار، وعملية التكاثر تتم باستغناء تام عن الرجل، والطبيعة تستغني عن يد الإنسان في تطويعها فهي قادرة على الانتاج دون تدخل منه، والنساء يستغنين عن الذهب ولا يلتفتن إليه.

وكأن هذا المكان النائي والمُنتِج والبكر في طبيعته والثري بتراب أرضه والمحتشد بالنساء صورة عن جنة أرضية، اقتحمها رجل وحيد وكاد يُقتل، ولأن القتل يتنافى مع عالم الجزيرة المثالي فقد طُرِد الرجل من الجزيرة، كما طُرِد في بدء الخلق من الجنة.

وكل معطيات الاستغناء والمثالية حاضرة في الجزيرة لكنها مستحيلة الحضور في الواقع، وكأنها انعكاس لأحلام الذكور التي يرفضون في سبيلها معطيات واقعهم ليركضوا خلف الخطر والضياع، ونهاية القصة تُشير إلى النهم الذكوري فلم يقتنع الرجل بأنه كسب حياته ونجا من القتل، أراد أن يكسب أكثر، فتآزر مع السلطة بحثًا عن جزيرة النساء، ولم يجدوها، فهل كانت الجزيرة حلمًا ليس له وجود؟ هل استطاعت النساء إخفاء جزيرتهن والنأي بها أكثر؟ أم كانت موجودة ولكن الذكور العميان لم يروها لأنهم لا يمكن أن يروا مكانًا يستغني عنهم…

أخيرًا بقي التنويه بأن موضوع (الجزيرة المفقودة) والارتحال إليها يعدّ من الموضوعات التي تعيش في أساطير أخرى منذ القدم…