توريث

uploads1481410930690-IMG_2763

يلتبس عليها مفهوم الـ(لا) بـ(نعم) إذ لا يخضع فهمها لصيغتي الرفض والقبول إلى ماتقتضيه الخيارات والقرارات والأوامر والنواهي… بل إلى التوقعات.

في سنوات عُمرها الأولى تمرّنت ككلبٍ وديع على أن السيادة ليست لشيء سوى (نعم). في لحظات اللعب حين تُدحرج أمّها الأشياء أمامها متوقعة منها أن تحبو خلفها وتُعيدها إليها كانت تُذعن للتوقع لأن اللعبة تقتضي هذا. في لحظات اللقاء حين يفتح والدها ذراعيه كانت تُذعن للتوقع فتركض لترتمي بينهما.

حين كبرت قليلًا كانت التوقعات تقتضي مزيدًا من (نعم) في البيت والمدرسة وبين الصديقات… وحين كبرت أكثر بدأت تكتشف (لا) بشكل أعمق، وتنبهر بقدرة هذين الحرفين على الاتساع لشمول معظم الأشياء. درّبت شفتيها على الانفتاح عند نطق (لا) بدلًا من انطباقهما عند نطق (نعم). ظنّت أن بوسعها تعليق هذه الـ(لا) على شفتيها كلافتة احتجاجية، لكن (لا) التي لا تكف عن إبهارها انزلقت من شفتيها وتعلقت بساقها فصارت تتعثر بها دائمًا وتسقط في لزوجة الإذعان، كان الأمر في البدء محسوسًا مُدركًا فقد كانت الـ(لا) ثقيلة جدًا مثل سلسلة حديدية تُكبل ساقها وتُعلن عن وجودها مع كل محاولة للتقدم، ثم بدأ يتضاءل هذا الثقل بفعل التعود فصارت (لا) مثل حجلٍ قبيح يشوّه ساقها، مع تراكم الوقت وطول العشرة اعتادت التفاف (لا) حول ساقها مثل خلخال يوهمها بأنها الأجمل… عرفت أن (لا) و(نعم) ليسا نقيضين إذ طالما أجبرتها (لا) على العودة إلى بيت (نعم)

في منتصف عُمرها أنجبت بنتًا كانت تُدحرج لها الأشياء في لحظات اللعب لتُعيدها إليها ككلبٍ وديع يتمرن على التعايش مع (نعم)، حين كبرت بنتها أكثر كانت (لا) قد تسلّقت ساق الأم أخيرًا واستقرت على شفتيها حيث كانت تريد منها أن تستقر، لكن (لا) خرجت عن سيناريو الحلم فلم تكن مثل لافتة احتجاجية بل مثل سلسلة تتدلى من هناك وتلتف حول ساق ابنتها.

24 يونيو 2016

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s