الأجنبي الأبدي

يفزعني أن يتخلّق جنين في جسد لا يرغب في حمله، ويظل يتكوّن في الجسد الرافض، يومًا بعد يوم، شهرًا بعد شهر، حتى يخرج من جسد الأم إلى الحياة كجسد دخيل على الحياة.

في (حفلة التفاهة) كتب كونديرا عن شعور (آلان) الذي أنجبته أمه غير راغبة، فكبر وهو دائم الاعتذار، وكأن وجوده غلطة عليه أن يحمل وزرها. يقول: “يجب على المرء أن لا يعتذر، لكنني أُفضّل عالمًا يعتذر فيه الناس جميعًا، بلا استثناء، وبلا داعٍ، وبإفراط، ومن أجل لا شيء، عالمٌ تتزاحم فيه الاعتذارات…”

يتخيّل (آلان) أباه مع أمه، يتخيّل اللحظة التي أنجبته على أنها لحظة كراهية مزدوجة ومتزامنة، يشرح كونديرا شعور (آلان) بالكراهية المزدوجة: “كراهية اللطافة والقوة الجسدية مقترنة مع كراهية الجرأة والضعف الجسدي. وقال في سرّه إنّ ثمرة هذه الكراهية المزدوجة لا يمكن أن يكون إلا معتذرًا: كان وديعًا ولطيفًا مثل والده؛ وسيظل دخيلًا كما رأته والدته. ومَن كان وديعًا ودخيلًا في آنٍ معًا فقد حُكِمَ عليه بمنطق صارم أن يعتذر طيلة حياته”

يذكّرني هذا بفكرة قريبة قرأتها في مذكرات الروائي العراقي (سليم مطر) الذي خُلِقَ في رحم أمه مرفوضًا، لكن رفض ولادته لم يكن وليد الرغبة والاختيار، بل كان رفضًا اضطراريًا تسبب فيه الفقر وكثرة الأفواه التي تحتاج إلى طعام، تحت عنوان (الأجنبي الأبدي) يقول (سليم مطر) في مذكراته (اعترافات رجل لا يستحي): “منذ سنوات، كنت لدى طبيب بدائلي، طرح عليَّ السؤال الغريب التالي:

ـ هل أخبرك أهلك، بأنك كنتَ طفلاً غير مرغوب به؟

لم أفهم سؤاله إلاّ بعد أن أعاده عليَّ بأسهاب وتوضيح. حسب تشخيصه، أني تكونت في رحم أمي من دون رغبتها، وقد حملت بي رغمًا عنها. مثل هؤلاء الأطفال يتملكهم إحساس بأنهم طارئون على الأهل وعلى الحياة، وأنهم يشكلون عبئًا على الآخرين. ولهذا فإنهم يُمضون حياتهم وفي دواخلهم مشاعر اعتذار لأنهم هنا في هذه الدنيا، مثل ضيف ثقيل..”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s