تاريخ علم اللا لسانيات

-مدخل إلى اللّغويّات غير التطبيقية-

المقدمة:

يتعقب كاتب المقالات اللغة، ويركض كاتب التحقيقات الصحفية خلف الكلمات الملائمة، يراود الشاعر الاستعارات عن نفسها، ويتوكأ القاص على التراكيب الجيدة ليهش بها على النسيان. تجول الكلمات كل ليلة في المطابع وسط الحرس القديم، فيقصقص المحرر ذيولها لتتواءم مع ضيق المساحة، ويعرّيها الرقيب وينتهك عفتها أثناء استجوابها، لا يقف سوء الخاتمة هُنا، بل يتعدى هذا إلى تحنيط هذه الكلمات المبتورة على صحف يومية متعددة الاستخدامات، إذ يُمكن استخدامها كمصدر للخبر، أو سُفرة للطعام، أو ممسحة للمرايا حيث نجد الانعكاس الوحيد المطابق لنا.

***

التمهيد:

حكت لي أمي قصة شاب فاقد للسمع والنطق، كان يعيش في قريتها، ويملك عددًا كبيرًا من الأغنام، يخرج يرعاها بعيدًا عن القرية وقريبًا من مرتفعات جبلية تقطنها قبيلة أخرى. هناك كان يلتقي امرأة اسمها (شمسية) تكسب رزقها من الحياكة والبيع، تجلس إلى جواره في فضاء الرعي لتكمل حياكتها بينما يراقب أغنامه. لا أعرف بأي لغة تواصل هذا الشاب الأخرس مع (شمسية) التي يبدو أنها مدّت ظلالها في حياته، فوصل قلبه بها، فصارت كل شيء… ولأنه لا شيء في نظر أهله لم يحاول أحد منهم أن يقنع أهل (شمسية) بالموافقة على ارتباطه بها، ومن ثمّ حجبوها عنه، وما احتجب… كان يمضي كل يوم إلى جبال قبيلتها، لا يعبأ بتخويف أهله ولا بتهديد أهلها، لم يكن يسمع كلمات التهديد أصلًا. ظلّ يسلك طريقه حيث تكون رغم وعيد أهلها بقتله، وحين تزوجت حبيبته رجلًا آخر وأيقن بيأسه داهمته الأمراض حتى مات في شبابه.

كنت أفكر وأنا أنصت للحكاية في عذوبة اسم (شمسية)، فكرتُ أيضًا في اللغة التي تواصلا بها وفي الكلام الذي وصل بين قلب الشاب وقلبها… لكن ماشغل تفكيري بشكلٍ كبير هو الكلام الذي كان يحتشد داخله ومات دون أن ينطقه، مات مسمومًا به.

***

الفصل الأول:

في كتاب رولان بارت (نقد وحقيقة) قرأت التالي: “يقول الجغرافي بارون: إن اللغة في قبائل “البابو” فقيرة، ولكل قبيلة لغتها ومفرداتها التي تميل إلى الفقر من غير توقف، لأن القوم يحذفون بعد كل وفاة بعض الكلمات دلالة على الحداد”

أدهشتني الفكرة، فكرة إنهاء حياة مفردات من اللغة تزامنًا مع نهاية حياة الأفراد، بحثت بشكل سريع لأفهم ما إذا كان موت المفردات تعبيرًا مجازيًا عن نضوب استخدامات اللغة القديمة وتطور اللغات المستمر، أم أنه تعبير حقيقي يصف الواقع. بعد بحث سريع عثرتُ على معلومة غريبة متعلقة بعادات هذه القبيلة، فمن العادات التي تُفرض على نساء البابو أن تقطع المرأة القِسم الأعلى من أصابع يديها حين وفاة الأب أو العم.

يقول كاتب المقال: “يحدث ذلك فيما يتقوقع بابو الجبال في أكواخهم الخشبية حيث يجترون وتيرة الحياة الرتيبة الخالية مما قد يهزّ موات أيامهم المتماثلة الراكدة” وأقول ما الذي يهزّ موات الأيام أكثر من الموت؟ الموت الذي لا تعامله هذه القبائل كمعطى يومي رتيب، بل كحدث جلل يستلزم موتًا موازيًا، وفقدًا محسوسًا، يتمثل في المفردات الميتة وأعالي الأصابع المبتورة. وكأنّ هذا ترميز مكثّف لفكرة التوازي بين الحياة وبين تساقطنا المستمر بالتقادم.

***

الفصل الثاني:

يقول غاليانو في كتابه (كلمات متجولة): “هل هناك مكان لجميع الكلمات التي لا تريد أن تمكث؟ هل هناك مملكة كلمات ضائعة؟ تلك الكلمات التي تهرب، أين تكمن منتظرة؟”

بحثتُ عن الإجابة، فعثرتُ عليها داخلي، نحن ممالك الكلمات التي قيلت ولم تصل، ممالك الكلمات التي هربت ولم تنجُ من مطاردة الأسئلة، الكلمات التي احتشدت بفعل الرغبة وبددها الخوف، في داخلي أسمع كل الكلمات التي قيلت في لحظة أمل وتلقفها اليأس. والكلمات التي حان وقت قطافها ولم يأبه بموعده أحد.

***

وقائع مُلحقة بالفصل الأول:

في إحدى البلدان المحكومة بالقهر والترويع أذعن الناس، وأيقنت الكلمات بلا جدوى الشغب، فأذعنت بدورها، صارت الكلمة لا تدخل في سياق إلا بعد أن تُفتّش في نوايا أخواتها، كل كلمة تتوجس من جيرانها، لا تلتصق الكلمات بالضمائر إلا حين يشهد الضمير أنه لا يُضمر أكثر من ظاهره، ولا يعود إلا على ما اعتادوا عليه. أسماء الإشارة تطوي أصابعها فلا تدين أحدًا، ولا تشير إلا لما أشارت به السلطة.

لقد ظنّت الكلمات أن في الإذعان راحة، فأذعنت. لكنّ الواقع ضنّ عليها بالراحة المرجوّة، فقد صار على الكلمات أن تقف كل يوم في طابور طويل لا تجدد فيه عهود إذعانها -لا أحد يهتم بسماعها أصلًا- لكن لكي يُفتش الحرس عن ما قد يُريب في ظلالها، وما قد يختبئ وراءها.

***

وقائع مُلحقة بالفصل الثاني:

ضمن سياسات التقشف تم ترشيد الإنفاق اللغوي، إنها فترة عصيبة، وعلينا أن نعي نحن الذين لا نكف عن الكلام أن سياسات التقشف ضرورة وليست ترفًا كاللغة. ولذا نُزِعت ملكية أفعال الأمر لصالح الحكومة، فالفتنة كل الفتنة تكمن في رواج هذه الأفعال عند الجميع وسهولة استخدامها. ثمّ أنه لا ضرورة لوجودها في أيدي المواطنين في ظل وجود صيغ الرجاء والتذلل المتاحة لهم. صادروا صيغ النفي والإنكار، إذ لاجدوى لوجودها في ظل حتمية الأوامر، النفي والإنكار إسراف لغوي بلا معنى، ضجيج في وجه صيغ لغوية نافذة لن تتخلى عن مواقعها لصالح شغب لا طائل منه.

أمّا ضمائر المتكلم والمخاطب، فبعد النظر في كثرتها وشيوعها والإسراف في استخداماتها مرة للمفرد ومرة للجمع، فقد تقرر ضمّها جميعًا في كلمة واحدة تُعبر عن الجميع، إذ سيُكتفى في المرحلة الأولى من التقشف ب(أنتم) تمهيدًا لانتزاع جميع الضمائر في المرحلة الثانية والاستغناء عنها بضمائر الغيبة.

***

الخاتمة:

أخيرًا، عرفت حكومات العالم عدوّها الأزلي، فقررت مصادرة اللغة بشكل تام، إذ كان اتساعها مدعاة لضياع الرقابة وإشاعة فوضى الآراء، اُعتِقلت الضمائر، قُطّعت أصابع أسماء الإشارة، أُغلقَت المعاجم بالشمع الأحمر، مُنعَت القصائد من التظاهر والتجمع، قُيّدِت الحكايات بسلاسل حديدية، واختنقت الابتهالات بالغاز المسيل للدموع… وحين كان آخر حرف يسير مُغطى الرأس إلى ساحة الإعدام وقف السيف جامدًا حُزنًا على أسمائه التي رحلت، ولم يجد السيّاف كلمات يطلب بها المساعدة.

الأجنبي الأبدي

يفزعني أن يتخلّق جنين في جسد لا يرغب في حمله، ويظل يتكوّن في الجسد الرافض، يومًا بعد يوم، شهرًا بعد شهر، حتى يخرج من جسد الأم إلى الحياة كجسد دخيل على الحياة.

في (حفلة التفاهة) كتب كونديرا عن شعور (آلان) الذي أنجبته أمه غير راغبة، فكبر وهو دائم الاعتذار، وكأن وجوده غلطة عليه أن يحمل وزرها. يقول: “يجب على المرء أن لا يعتذر، لكنني أُفضّل عالمًا يعتذر فيه الناس جميعًا، بلا استثناء، وبلا داعٍ، وبإفراط، ومن أجل لا شيء، عالمٌ تتزاحم فيه الاعتذارات…”

يتخيّل (آلان) أباه مع أمه، يتخيّل اللحظة التي أنجبته على أنها لحظة كراهية مزدوجة ومتزامنة، يشرح كونديرا شعور (آلان) بالكراهية المزدوجة: “كراهية اللطافة والقوة الجسدية مقترنة مع كراهية الجرأة والضعف الجسدي. وقال في سرّه إنّ ثمرة هذه الكراهية المزدوجة لا يمكن أن يكون إلا معتذرًا: كان وديعًا ولطيفًا مثل والده؛ وسيظل دخيلًا كما رأته والدته. ومَن كان وديعًا ودخيلًا في آنٍ معًا فقد حُكِمَ عليه بمنطق صارم أن يعتذر طيلة حياته”

يذكّرني هذا بفكرة قريبة قرأتها في مذكرات الروائي العراقي (سليم مطر) الذي خُلِقَ في رحم أمه مرفوضًا، لكن رفض ولادته لم يكن وليد الرغبة والاختيار، بل كان رفضًا اضطراريًا تسبب فيه الفقر وكثرة الأفواه التي تحتاج إلى طعام، تحت عنوان (الأجنبي الأبدي) يقول (سليم مطر) في مذكراته (اعترافات رجل لا يستحي): “منذ سنوات، كنت لدى طبيب بدائلي، طرح عليَّ السؤال الغريب التالي:

ـ هل أخبرك أهلك، بأنك كنتَ طفلاً غير مرغوب به؟

لم أفهم سؤاله إلاّ بعد أن أعاده عليَّ بأسهاب وتوضيح. حسب تشخيصه، أني تكونت في رحم أمي من دون رغبتها، وقد حملت بي رغمًا عنها. مثل هؤلاء الأطفال يتملكهم إحساس بأنهم طارئون على الأهل وعلى الحياة، وأنهم يشكلون عبئًا على الآخرين. ولهذا فإنهم يُمضون حياتهم وفي دواخلهم مشاعر اعتذار لأنهم هنا في هذه الدنيا، مثل ضيف ثقيل..”

سقف المطالب

بعد أن تلقيت أول صفعة على خدي الأيمن، لم أُدر للصافع خدي الأيسر. بل خرجت في مظاهرة تُندد باليد التي تطاولت على وجهي وآلمتني.

تحقق مطلبي واستقالت اليد الطويلة وحلّ محلها سوط نشط، لم استسلم، كتبتُ على ظهري الملتهب عبارات تُدين السوط وخرجتُ في مسيرة تطالبه بالتنحي.

تنحى السوط عن ظهورنا، وخلفه في مكانه حذاء ضخم وثقيل، حين عجزت عن إزاحته بعيدًا عنا اعتصمت تحته أيامًا طوال، وقد كان عزمي أقوى من وطأته فاضطر للرحيل.

تم فضّ الاعتصام بدويّ الرصاص، وبسبب سُرعة الرصاصة وقوة انطلاقتها وقُدرتها على اختيار الهدف لم يعد بوسعي معارضتها، سادت البندقية واضمحلت المظاهرات وتفرّقت المسيرات وانفضت الاعتصامات من الفزع. إلا اعتصام وحيد يُطالب فيه خدّي الأيسر بعودة اليد الطويلة إلى سدة الحكم.

يوليو 2016

مجلى الأفكار والصحون

حين صارحت أختي بالمتعة التي أجدها في غسيل الصحون، وثّقت تصريحي في مقطع فيديو لتستخدمه ضدّي إذا تراكمت الأواني على المجلى وعلى طاولة الطعام وصار المطبخ مكانًا معاديًا والبقاء فيه أشبه بقضاء محكومية مع الأشغال الشاقة وكل واحدة منّا تجاهد لقضاء نصف محكوميتها وإن حالفها الحظ تجاهد لتبرئة نفسها… مع أننا اعتدنا أن سهراتنا المرتجلة بلا تخطيط تكون في المطبخ غالبًا حين نتصادف فنتحلق حول الطاولة وتتراكم الحكايات التي نتبادلها وتتوالد كما تتوالد الصحون في المجلى أيام المناسبات.

أتذكر أنّي قرأت في موقع ساقية مقالة عن النساء والأدب وعرضوا فيها رأي فرجينيا وولف في كتابها (غرفة للمرء لوحده) حين تحدثت عن النساء اللائي قُدّر لهن أن يكنّ شاعرات وقُدّر للعالم أن لا يعرف قصائدهن التي شتتها الركض اليومي خلف الأعمال البسيطة والمتناسلة من بعضها، الركض من أجل تلبية طلبات الأُسرة وإنجاز العمل المنزلي المستمر بلا ساعات محددة وبلا مهام متفق عليها وبلا بداية واضحة أو نهاية مرتقبة وبالطبع بلا أجر مادي… الرابط بين المقال المنشور في ساقية وبين بدء حديثي هو العنوان الذي يقول: (الكتابة ضد غسيل الصحون) إذ حضر الغسيل باعتباره توصيفًا مختزلًا للعمل اليومي المنزلي اللانهائي… غسيل الصحون جزء دال على الكل…

والصحون بالصحون تُذكر، ففي يوميات جورج أورويل البائسة عن حياته بين باريس ولندن كتب عن عمله في المطاعم في وظيفة غسيل الصحون. وكان قد عمل قبل هذا أعمالًا متفرقة لكنه خصّ غسيل الصحون بقوله (يوم بؤسي) فغسيل أواني طاولة الطعام في الفندق يعني بحسب تحديده ثلاث عشرة ساعة من العمل المتصل، العمل الذي يقول عنه “عمل بلا آفاق، مرهق جدًا، وفي الوقت نفسه نراه خاليًا من أي أثر لخبرة أو مهارة أو اهتمام”

وبعيدًا عن المقال الذي يقف فيه الغسيل نقيضًا للكتابة، وعن يوميات أورويل التي ينأى فيها الغسيل عن المهارة… أقف مع شيء من حميمية تفاصيل سناء خوري التي كتبت مقالًا عن جارتها الساكنة في البيت المقابل، الجارة التي تترك شبابيكها مفتوحة للتلصص، وتقضي أيامها في الجلي والتنظيف بمهارة وانتظام، ومع هذا لا تنسى النبتة في شباكها من السقاية، لا تنسى أن ثمة حياة تتوازى مع حياتها المليئة بالمهام، تُزهر النبتة وتنظف الصحون وتلمع رفوف الخزانة وتقول سناء الواقفة تغلي قهوتها في مقابل الجارة التي تغسل صحونها: “أشعر أنّنا توأمان في الروح. نعيش في عالمَيْن مختلفَيْن، ولكنّنا نلتقي على حافّتيهما، في المربّع ذاته: امرأتان مطحونتان لمجرّد «الانوجاد» في هذه المدينة، ولمجرّد الاضطرار على تحمّل الحياة عموماً، الحياة كما هي، كما يضطر الناس جميعهم على تحمّلها حين يحارون أمام سؤال «هل كبرنا حقّاً، أم أنّنا لا نزال صغارًا”

أخيرًا… عودًا للبدء، لتصريحي الموثق في هاتف أختي درءًا للإنكار ومحاولات التراجع، أقول بلا ندم ولا تردد: نعم أستمتع بغسل الصحون، وأحب الوقوف أمام المجلى الذي عادةً ما يكون ملاصقًا للنافذة ومقابلًا للباب، وحين أقف أمامه فإني أُدير ظهري للباب ولكل البيت الساكن خلفي وأستمتع بالسكنى داخل نفسي في مواجهة الماء المنساب والنافذة المعتمة وروحي التي تتفتح شبابيكها شباكًا شباكًا وتُضيء دهاليزها شيئًا فشيئًا كلما ازددت انهماكًا فيما بين يدّي، أستغرق في ملمس الصابون الناعم وفي الضغط على هشاشة الاسفنج، أُدير كفي بانتظام داخل الصحون وحول أطرافها… بقدر ما تتوالد الصحون بعناد أمام فزع ربّات البيوت بقدر ما تتوالد الأفكار في رأسي فلا أكون ربّة بيت فحسب، بل ربّة نفسي وربّة عقلي وربّة السكون الذي يتناص مع انهمار الماء فيتشكل من خلالهما سيلًا من الأفكار التي عادةً ماتكون هي عناوين كتاباتي بما فيها هذه الكتابة…

أغسطس 2016

ذاكِرَة

 

كانت امرأة عادية، بأحزان عادية، بهموم يومية، بتصورات بسيطة عن الحياة، وذكريات يسيرة عن الطفولة، وقدرة ارتجالية على النسيان، حيث تنسى أسماء الرفيقات أحيانًا، وتترك النار مشتعلة طويلًا على قدر العشاء حتى يحترق.

اجتاح المرأة العادية حزن غير عادي، تتذكر سببه لكنها تمتنع عن ذكره، لم يكن حزنها هو الحدث الذي يستحق أن يُروى، كان مجرد طريق انحرف بحياتها عن المسار، ربض على قلبها بكل أثقاله يسحقها في محلها في حين كانت الأيام تتقدم دون أن تلتفت لصراعها، شلّ قدرتها على الحركة وظل يجرّ قدمها في متاهاته حتى هوى بها ذات يوم في ثقب الذاكرة، فابتلعها الثقب، لم يكن أحد قبلها قد وطأ هذا المكان، فالذكريات تتسرب من هذا الثقب نحو الناس، لكنها سقطت حيث تقطن الذكريات، فلم يعد لها ذاكرة مشوشة كذاكرتها القديمة، صارت تعيش في الذاكرة، تتذكر كل شيء، كل شيء، تتذكر كل مايخصها وما يخص الناس، كل الناس… سقطت حيث تتراكم ذكريات البشر منذ الأزل، هالها الحزن الذي كدسوه في هذا المكان، خنقتها الرطوبة العالية في ذكريات الأطفال، أفزعها العفن المنبعث من ذاكرة المسنين، علق في ثيابها الشوك الذي يتطاول من ذكريات المكتئبين، تلطخت يداها بالدم الذي ينضح من ذكريات المجرمين، تذكرت كيف كانت فكرة جميلة في رأس أمها، وكيف صارت طفلة مذعورة في يدي أبيها، تذكرت المهاد الأول الذي ضمها بألوانه الزاهية، والأحاديث التي تبادلتها زائرات أمها بعد أن أنجبتها، تذكرت الأسماء التي اقترحوها لها، تذكرت كل الأصوات التي سمعتها في أحلامها القديمة، وتذكرت كل الذعر الذي اصطخب في قلوب الأمهات الشابات حين انخرط المواليد في نوبات بكاء صاخبة وغير مفهومة، تذكرت أين فقدت علبة الألوان الأولى التي امتلكتها، وتذكرت الخطط الشريرة التي دبرتها لها رفيقة الصف، تذكرت كل ما مر بها وما مرَّ بغيرها. في البدء حاولت استثمار هذه الملكة المرعبة، فكانت تفتح بيتها للجارات لتتذكر بدلًا عنهن في أي درج خبأن كيس البهارات، وتحت أي أريكة يخبئن مبلغًا من المال، وأين فقدت الصبية خاتمها، وعند أي رفيق ترك الشاب مفتاح سيارته… لكن الأمر لم يستمر طويلًا، كانت ثقيلة بذكريات هؤلاء الذين يفتشون عن مفقودات يومية بسيطة، غافلين أو متغافلين عن كم من الأحزان والخيبات التي تتذكرها كلها… كانت تختنق أمام طوفان الأحزان المحبوسة في الذاكرة، وفي الوقت ذاته تتذكر أن ثمة ألف طبخة في ألف بيت ينبغي إطفاء النار المشتعلة تحتها، كانت منكفئة أمام المد الطاغي لذكريات الخطائين، وتتذكر في الوقت ذاته أن على مليون منهم في مليون مكان أن يتذكروا أوان وقت الصلاة. كانت مذعورة من كم الشر المتصاعد من ذكريات القتلة وتتذكر في الوقت نفسه التفاصيل الدقيقة التي فاتهم أن يتذكروها ساعة تمثيل الجريمة. وكانت تتذكر الملامح المندثرة في وجوه الموتى الذين ابتلعهم التراب والنسيان، وتتذكر في الوقت ذاته الصورة التي يتذكرهم بها ذووهم… وكانت مع كل هذا تتذكر كيف كانت قادرة من قبل على النسيان، تتذكر جيدًا الطريقة المباغتة التي كان يصفع بها النسيان الباب في وجه الذاكرة، وكانت تحرضه على صفع الباب دائمًا، كانت تصفع الباب أحيانًا، لكنها ظلّت دائمًا تتذكر ماوراء الباب، ظلت كذلك حتى صفع الوقت في وجهها الباب، وتركها وراءه لا يتذكرها أحد…

 

نُشِرَتْ في مجلة اليمامة

http://sites.alriyadh.com/alyamamah/article/1153899

خَرَس

uploads1464289268569-image

لو أنّ  اللغة لم تُخلق، لما تخلّقت المشاعر في مئة صورة وصورة، الحُزن مثلًا؛ سيظلّ حبيسًا في القلب ولن يتصاعد إلى الأفكار التي تحاول إعادة خلقه من جديد في أوصاف تخلقه على هيئةِ كلمات تعيد خلقه منطوقًا ومسموعًا ومكتوبًا ومقروءًا… فيصيرُ له أكثر من وجود، وجود حقيقي محسوس في أنين القلب ووجود يزنّ  في العقل ووجود مجازي يحتل المساحة خارج نفوسنا.

لو أنّ اللغة لم تُخلق، ستنحسرُ أشياء كثيرة، ربما نصيرُ في غيابها أخف، لا وجود لكلمات تستحضر الأفكار في العقل وتعيدها في صياغات عديدة. الشك مثلا سيظلُ حبيس النفس ولن يتناسل في هيئة أسئلة واحتمالات وافتراضات لا تنتهي.

الاحتياج أيضا لن يعرف ذاته خارج الجسد، لن يتخلق في النداءات المسموعة والمخذولة، ولا في الردود الـمُقبلة والـمُعرضة.

كذلك الحُب -هذا الشعور الذي يظلل الفرد بغمامة رحمة مُنزلة عليه وحده- لن يتخلق في هيئات لا تُحصى ولا تعدّ، ولن ينجب القصائد والأغنيات، ولا سلالاته المشوهة من الوعود والخيبات والانكسارات والحسرات التي تُعيد خلقها اللغة أيضًا، تُعيدها وتُعيدها وتُعيدها بلا نهاية.

لو أن اللغة لم تُخلق، لما فكّرتُ  في قصص التخلق هذه ألف مرة ومرة، ولما استطعت تصور الأشياء في حضور مختلف، حضور لا يستنسخها ولا يُعيد تدويرها واجترارها.

لو أنّ اللغة لم تُخلق، كيف سيكون شعور الخفّة؟ سيكون أصل كل شيء، فكل شعور سواه لن يتجاوز لحظته، أمّا الخفة فستكون أم المخلوقات.

امبارح كان عُمري عشرين

uploads1463866925990-image
لوحة لتغريد البقشي

في الثلاثين لا تجف منابع الدهشة ولا ينضب الفرح، لكن الدهشة والفرح يستيقظان من هجعتهما خوفًا وليس شغفًا، تدفعهما فكرة الفقد والتشبث، لأن السأم صار ممتدًا على تراكمات العُمر تصبح فكرة اختلاقه ترفًا من ترف العشرينات، حين كان في السنوات متسع للتضجر من الوصل والناس والحُب والدهشات… في الثلاثين تسيطر فكرة الهرب من السأم وليس الهرب إليه، فيصير الفرح لصيقًا بفكرة الفقد، أشبه مايكون بالمساومة والسباق مع الفجائع، أفرح قبل أن أفقد، أفرح لأن الأشياء ليست لي وليس بوسعي امتلاكها فأهلل فرحًا لعبورها السريع…

في الثلاثين يظل في القلب مُتسع للحب، لرعشة الشوق ودفقة النشوة و وله الانتظارات، لكنه حب بلا يقين ولا طمأنينة، حب مذعور من فكرة الأبدية، ساخر من الوعود، حب بقلب مكسور اختبر فكرة أن يصير شظية ونهض من رماده، حب بعين كسيرة أطالت النظر للخراب الذي خلّفه التطاول في الأحلام… حب بيد مقبوضة جربت السقوط في الفراغ والخذلان ففقدت يقينها بالتشبث…

في الثلاثين يظل في السنين متسع للأيام الحلوة، تلك التي يمر فيها عقرب الوقت دون أن نشعر بسمّيته، وتمضي ثوانيها وكأنها تربت على أكتافنا، لكن الشعور بالسنين ليس هو الشعور الأول، الوقت يتضاءل لكثرة ما تفرّق وتمدد وتاه، بعملية حسابية السنة التي كانت تُشكل ١٠٪ من أعمارنا حين كنا في العاشرة، و ٥٪ من أعمارنا في العشرين، تصبح الآن ٣٪ من حساب العُمر… وتستمر في التقلص كلما زاد التراكم الذي تركناه في الخلف، ودفعنا إلى الأمام… إلى الهاوية.

عيد الأضحى/١٤٣٦هـ

سُلْطانة الحِكَايات

uploads1463694494418-image

درستُ  في قريتين، ثم اغتربت وعُمري تسع سنوات في مدينة لا تُشبهني، كنتُ  مُغتربة مكانًا وروحًا، لا أفهم لهجة البنات اللاتي واجهنني بسخرية يومية.

لم أتآلف سريعًا فلم أكن أعرف أحدًا -على عكس مدرسة القرية- حيث لم أكلّف نفسي عناء التعرف بأحد فقد كنتُ  معروفة للطالبات والمعلمات. والجميع يعرف أمي وأخواتي وخالتي و حتى جدّي…

أتذكر أن فصلي الأول في مدارس مكة (الصف الثالث ب) كان مُزينًا بستائر وردية من الدانتيل دفعنا أضعاف مصروفنا اليومي -بأمر المعلمة- حتى نجمع ونشتريها، وعلى أرضية الصف ـ(موكيت) ثمين، كانت المعلمة تُجبرنا على خلع أحذيتنا عند دخول الصف كي لا يتسخ الموكيت، في مقابل طاولاتنا الـمُكدّسة توجد طاولة للمعلمة، وخلفها رفوف بيضاء جميلة مفروشة بمفارش بلاستيكية مزخرفة بنقوش ذهبية إكمالًا  لبهرجة الفصل، وعلى الرفوف كتب محظور علينا الاقتراب منها لأنها ليست إلا (زينة) للفصل.

غابت معلمتنا -رائدة فصلنا- في إجازة طويلة، فأحضروا لنا عددًا من المعلمات لمحاولة إكمال سير الدروس أحيانًا، وأحيانًا لكبت أصواتنا بما كانوا يسمونه (الجلسة الصحية) التي تفرضُ علينا أن نجلس معقودات اليدين على صدورنا، وأحيانًا تتفنن المعلمات بجعلنا نرفع إصبع السبابة إلى شفاهنا في هذه الوضعية إقرارًا منّا بالتزام الصمت..

لا أتذكر من المعلمات اللاتي كُلفن بكبت إزعاجنا أي اسم، لكنّي أتذكر وجهًا لا يُمكن أن يغيب عني، إنه وجه (أبلة سلطانة) التي يؤسفني حقًا أني لا أعرف عنها إلا اسمها الأول، ووجهها الـمُختبئ خلف نظارة تُطل من وراء كتاب من الكتب التي كانت (زينة) من (زينات) الفصل وتحوّلت على يديها إلى عوالم من السحر والناس والحكايات.

لم تُدرّسنا أبلة سلطانة أي شيء، كانت تأخذ كتابًا من الكتب الصغيرة الموجودة بالمكتبة وتقرأهُ علينا… كانت تقرأ، والفصل يجلس مشدوهًا إليها، نُنصت بدهشة وتركيز… لم تُحافظ (الجلسة الصحية) على هدوئنا كما حافظت عليه حكايات أبلة سلطانة (بياض الثلج وحُمرة الورد، راڤونزيل، الأميرة النائمة والأقزام السبعة…إلخ)

أثناء القراءة كانت أبلة سلطانة تُزيح الكتاب من على وجهها وترفعه أمامنا لنرى بعض صور الكتاب، صورة قصر الأميرة النائمة وسط الأشواك التي أنبتتها السنين، صورة بياض الثلج محمولة في التابوت الزجاجي على أيدي الأقزام، صورة زوجة الأب الشريرة واقفة في مقابل مرآتها الناطقة….

من المشاهد التي لا تغيب عني أن أبلة سلطانة في يوم ما شعرت بمرور المديرة على الفصول فخبأت القصة داخل كتاب العلوم كي لا تكتشف المديرة أمر الحكايات… لا أعلم هل كانت أبلة سلطانة موكلة بتدريسنا العلوم وتركت واجبها وقصّت علينا الحكايات، أم أن المديرة كانت ستؤنبها على إضاعة وقتنا بلا فائدة؟ لا أعرف، ولكنّي متيقنة أنها لو كانت تقرأ فعلًا  من كتاب العلوم لما تذكرتها كما أتذكرها الآن، فقد نسيتُ دروس تلك السنة ولم أنسَ حكاياتها..

لم أشعر أن فصلنا بستائره الوردية والسجاد الأنيق والمفارش المزخرفة بالنقوش الذهبية مكانًا أليفًا أبدًا إلا في تلك الأيام الثلاثة التي دخلت فيها (أبلة سلطانة) إلينا وأدخلتنا إلى عوالم الحكايات.. كنتُ  قبل ذلك أجلس في مكاني (الصف الأول بجوار الباب) وأظل طيلة الحصص أدعو الله أن ينفجر مكيف الفصل ويشتعل الفصل نارًا… وكنتُ لشدة إلحاحي في الدعاء أتأمل الباب وأرسم لي طريقًا للهرب فقد كنت على يقين بأن المكيف سينفجر في أي لحظة…

كانت سنة للضجر والغربة والصمت… لم يكن فيها شيء أجمل من إطلالة وجه (أبلة سلطانة) خلف الكُتب الصغيرة ذات الأغلفة الملونة…

قبل سنوات وجدتُ نفس الكُتب في خزانة ابنة عمي الصغيرة، الكتب ذات الأغلفة السميكة الملونة (سلسلة ليدي بيرد) فتصفحتها، ربما كان الفارق بين لقائي بها في يد (أبلة سلطانة) ولقائي الثاني بها (بين يدي) يُقارب العشرين عام، ومع هذا كنتُ أحكي لابنة عمي عن الصور قبل أن أصل إلى الصفحة… تفاجأت أن ذاكرتي لم تختزن تلك الحكايات فحسب، بل اختزنت الصور بتفاصيلها الصغيرة يرافقها صوت (أبلة سلطانة) وهي تقرأ وتُحيل الفصل البغيض إلى عالمٍ  فاتن..

يومها وددتُ  لو أني أعرفُ طريقًا يوصلني لأبلة سلطانة، لأحكي لها عن حكايتها معي، ولأُقبّل يديها بلا تردد.