حول محور

hrw_omanreport_illustrations-clock2

ملاحظة أولى:

لهذه القصة متنٌ وهامش، ويصح أن يتم التبديل بينهما.

المتن:

كانت يداها ترتجف بعصبية حين تقوم بأعمال المنزل، لطالما جرحت يدها بسكين الطعام، أحرقت رسغها بغطاء القدر، زلقت قدمها في لزوجة المنظفات، وأحدثت ضجيجًا لا يُحتمل وهي تغسل الأواني في حوض المجلى.

كانت صامتة على الدوام، المرأة الوحيدة الصامتة في المنزل، رغم أنّها كانت تفهم لغتهم، وكان لها لغة هجينة مكسّرة يمكنهم فهمها، لكنها كانت تترك الضجيج الذي يُثيره ارتباكها يتحدث نيابةً عنها. رأسها مُغطى بحجاب يمنع أفكارها من التسرب، وجسدها مشغول بالدوران في حجرات المنزل، تحتمي بصمتها الـمُبالغ فيه فلا تثير ريبة أحد.

 

الهامش:

لطالما سألتْ نفسها ماذا لو أن حديث النفس يُسمع؟ ماذا لو فاض حديث نفسها فبدأ بالتسرب وفقدتْ سيطرتها عليه؟

حين يتبقى من فتات وقتها فضلة تسمح لها بمشاهدة التلفاز يفزعها منظر بطلات المسلسلات وهنّ يحدثن أنفسهن بصوتٍ يسمعه المشاهدون وإن كان لا يسمعه بقية أبطال المسلسل. تتصور أن يحدث لها أمرٌ مشابه، أن تكون شفتاها مُطبقتين وصوت أفكارها مسموع من الآخرين دون علمها. لكنها تفكر بلغتها التي لا يفهمها أهل البيت، وهذا ما يمنحها شيئًا من الأمان. تدور وتدور في دوامة من الطلبات والأفكار والأوامر والنواهي، حتى تسقط من الإعياء كل يوم وهي تكاد أن تنسى اسمها الذي اخترع لها أهل البيت اسم سواه.

تدور الغسالة، يُخبرها صوت استدارة عامود الغسيل عن سأم الدوران في ذات المكان، عن قطع مسافة طويلة في حيز صغير لا تأخذك فيه المسافة إلى أي مكان.

يدور صمّام قدر الضغط، يدور ويُصفّر وحكي لها دورانه عن قوة الضغط ورغبة الانفجار.

تدور لعبة ابن مخدومتها فيصدر منها صوت طنين مزعج كطنين أفكارها، يذكّرها دوران هذه الألعاب  باهتماماتها التي لم يعد لها شكل غير شكل الاستدارة حول الآخرين.

تدور الأرض حول محورها كل يوم، فتتّم شيئًا فشيئًا استدارتها السنوية حول الشمس، فتتعاقب السنين وتتراكم الليالي والنهارات وهي في مكانها. لا تعرف بخبر  هذا الدوران إلا من قياسات ملابس أبنائها البعيدين حين تسمع أنها زادت رقمًا أو رقمين.

حكاية عن (نهاية)

في كتاب (بلدي المخترع) حكت إيزابيل الليندي حكايات عن غرابة الأطوار الممتدة في أسرتها كإرث عائلي، وروت ضمن ما روته الحكاية التالية: “كان أحد أخوالي يخلع بنطلونه في الشارع ليعطيه للفقراء، وعادة ما كانت تظهر صورته في الصحف بالسروال الداخلي، لكن أيضا بالقبعة والسترة وربطة العنق. كان مُعتدًّا بنفسه إلى حدّ أنه ترك في وصيته تعليمات كي يوارى التراب واقفًا. وبذلك يستطيع أن ينظر إلى عيني الربّ مباشرة حين يقرع السماء”
يوم قرأت هذه الصفحات، فكّرت في غريبي الأطوار الذين عرفتهم في حياتي -وهم كُثْر- لكنّ أول من يخطر في الذهن دائمًا هي (نهاية) وهذا اسمها، ولا أعرف سر الاسم. كانت (نهاية) تجسيدًا حقيقيًا لمن يعطيك الأشياء من آخرها، من النهاية يعني، بلا مقدمات ولا تردد ولا مداراة. في أيام المرحلة المتوسطة قصّت شعرها قصّة قصيرة جدًا ولم تكن تلك القصّات شائعة في أواخر التسعينات بين بنات المدرسة ولم تتسامح معها الإدارة، وحين يوقفونها صباحًا بتهمة التشبّه بالرجال، تردّ: لا بس قصيته عشان ما أمشّط
وفي الثانوية عاد شعرها طويلا يتجاوز مرفق يدها وربما أطول، ولم تكن تمشطه فعلًا، كانت تلفّه بشكل عشوائي وتثبته أعلى رأسها. ولم يكن هذا سبب غرابة أطوارها في نظري… لكنها كانت ترتدي مريول المدرسة بشكل مقلوب، تضع السحّاب (السوستة) في الأمام، وياقة المريول في الخلف. وحين ينبهها أحد: “نهاية مريولك مقلوب” تردّ ببرود يصفع أحكامنا المعتادة: “وش دراكم إنه مقلوب؟ مكتوب عليه أمام وخلف؟”
وكانت في أيام ترتديه بالشكل المعتاد؛ الياقة إلى الأمام والسحّاب في الخلف. وحين نقول لها: هاه ليه الحين صلحتيه وما لبستيه مقلوب؟ توضح لنا ببرودها المعتاد: طالما للمريول جهتين مو مكتوب عليها أمام وخلف هي وحدها تحدّد الأمام والخلف بهواها.
كان صوتها جميلًا حين تغنّي، وأتذكّر مرة غنت لي أغنية لطلال مداح: وهذي سيدي كل الحكاية.
معك في الحب ما حسيت راحة،
أنا أرجوك لا تحكي ورايا،
‏تعال اجلس معي واحكي بصراحة.

ولم أكن أعرف الأغنية ولم أسمعها من قبل، فوعدتني بتسجيلها في كاسيت. وبالفعل وفت بوعدها. أيامها كان طلال على قيد الحياة، وروابط النت الحالية لم تُخترع بعد، وتسجيل الأغنية يتطلب وضع جهازي تسجيل وتشغيل الأغنية في أحد الجهازين وضغط زر التسجيل في الآخر… ولم تكن المسجلات ذات البابين متوفرة في كل بيت حيث يلتقط جهاز التسجيل صوت الكاسيت وحده ولا يلتقط الضجيج، بينما طريقة التسجيل من جهازين كم عذبتنا بإعادة التسجيل من جديد ومسح الشريط بسبب ضجيج مفاجئ، أو بكاء طفل، أو صراخ أم، أو رنين جرس… الخ.
أعطتني الكاسيت، وسمعت الأغنية وكانت أغنية جميلة جدًا، في المقطع الأخير يتداخل مع صوت طلال صوت صفعة باب، ثم رجل يرفع صوته يخاطب طفلًا يبكي، وضجيج أبواب في الخلفية مع نداءات أهلها. كنت أتمنى أيامها أن التسجيل أكثر صفاء ووضوحًا. وكان من الممكن أن أطلب منها أن تعيد تسجيل الأغنية لي، أو تعيد تسجيل المقطع الأخير على الأقل. لكن أعرف أنها ستقول: وش دراك إنها أصوات أهلي؟ يمكن أهل طلال تهاوشوا…
حاليا حين أسمع الأغنية على ساوند كلاود أتحرّى صفعة الباب فلا أسمعها، فأتذكر مريول نهاية المقلوب.
وحين أسمع أغنية طلال (نهر الخلود حبك بين الضلوع مجراه) يبكي طفل في تسجيل بروفة الأغنية الوحيد الموجود على الإنترنت والذي لا علاقة له بنهاية. لكنني أسمع صوتها في ذهني: “وش دراك إنه مقلوب؟ مكتوب عليه أمام وخلف؟”

ما لم يقله أوليفر ساكس عن سنة الرحمة

أظن أن الكتابة عن حدث عام لا عن تجربة خاصة لا تكون كتابة ناضجة ما لم ننفصل عن الحدث زمنيًا فنخرج من دوامته وتتسنى لنا رؤيته من مسافة.
لكن هذه الكتابة التي أُعيد تدويرها هُنا من مدونة طارق الجارد استثناء بديع، عن عالمنا الموبوء بالفواجع، فواجع يصنعها الإنسان من تلقاء ذاته بفضل ذكائه الذي يُحيله إلى أغبى مخلوق على وجه الأرض في صراعاته وطغيانه. وفواجع خارج إرادته، تأتيه من حيث لا يحتسب ويكتشف معها ضعفه وضياعه وضآلته وكم هو أعزل في مواجهة أقداره وسط العالم المحتشد. إنسان أعزل ووحيد لا ينقذه العلم ولا الذكاء ولا الاحتراز ولا تاريخه الطويل مع الكوارث وخبراته السابقة في البقاء تحت ضغط التهديد المستمر.
عن سنة الرحمة في نجد، بموازاة الانفلونزا الإسبانية، وعن الحرب التي يسير لها الناس بحثا عن الانتصار، وعن فايروس يختبئ منه الناس حشودا في بيوتهم مدحورين أمام مدّه الهائل الذي لا يوقفه سلاح ولا خطة هجوم.
عن كل هذا يكتب طارق صورًا محتشدة من عالم منكوب بالقوة، مفتقد للحب… تدوينة تتلاقى فيها الأزمنة المتغايرة، ومكابدات الإنسان القاسم المشترك بين كلّ الأزمنة.
كتابة تذكرني بقول لؤي عباس عن الأدب: “لقاء مصائر لا يخلو من فجيعة”

الكتابة من حجرة ساعة رملية

أول ضحايا الحرب: الحقيقة. ثم الأخلاق، ثم تتوالى الضحايا البشرية بعد ذلك. لكي يقتل البشر بعضهم -بغير وجه حق- يحتاجون إلى كذبة ترفعهم فوق أسوار الفطرة، فإن أوغلوا في الدم البريء، انهد ذاك السد الأخلاقي الذي يمنعهم. قيل لهم: “إنها الحرب التي ستنهي كل الحروب”، إلا أن المشاة الانجليز سرعان ما غنوا ” نحن هنا، لأننا هنا، لأننا هنا…” لكي ينسوا عبثية الحرب و هم ينشرون الدمار في طريقهم عبر أوروبا.

الثمن الذي دفعته إسبانيا لحيادها في الحرب العالمية الأولى، أن تلتصق بها تهمة : “الإنفلونزا الإسبانية”. و لأن القوى المتحاربة قد قتلت الحقيقة في أول رصاصة قبل أن تتخندق في مواقعها، لم تكن تقدر على قول الحقيقة بعد ذلك. كان من الأسهل أن تنسب ضحاياها و أبطالها الفدائيين إلى وحشية الخصوم، ليزيد غل و حنق خندقها و يستبسل شعبها في القتال، على أن تنسبه إلى ميكروب حقير كالانفلونزا. و بقت إسبانيا الوحيدة التي لا تمانع نشر أخبار انتشار الفيروس…

View original post 803 more words

مكافحة الشغب

IMG-20171026-WA0016

عاش أحد الملوك مذعورًا من أحلام شعبه التي تتسلل بعد نومهم لتحاصر قصره، فأصدر مرسومًا ملكيًا يقضي بمنع النوم حفاظًا على أمن البلاد ولحمتها الوطنية، استجاب الشعب لليقظة المستمرة في اليوم الأول، اليوم الثاني مرّ ثقيلًا عليهم، في اليوم الثالث بدأ الإنهاك يظهر على وجوههم، ثم أعياهم التعب في اليوم الرابع فالتمسوا من الملك أن يسمح لهم بالنوم ولو لساعة.

استجابةً لمطالب الشعب أعلنت البلاد حالة الطواريء من الدرجة الأولى وفرضت حظر التجول على الأحلام، ولرفع عقوبة اليقظة الإلزامية عن الشعب صدر عفو ملكي لكل من يتعاون مع السلطات ويُسلّم أحلامه حية أو ميتة. حاول المواطنون القبض على أحلامهم والوشاية بها لكنها استعصت عليهم، فبدأوا بتعقبها وتصفيتها حتى يتمكنوا من النوم، عبرت الحكومة عن امتنانها للشعب الوفيّ فمنحت كل فرد منهم مسدسًا ليقتل الأحلام (كل مواطن رجل أمن) وبدأ دويّ الرصاص الذي أعقبه نوم أبدي استراح به الشعب من شغب أحلامهم بعد أن أطلقوا على رؤوسهم النار.

 

بيدر العمر

بلغت إحدى طالباتي عامها العشرين. ليلة عيد ميلادها طلبت مني أن أكتب لها رسالة نصح واستبصار لأنها تعتبرني قدوتها في كل شيء وتحتاج كلماتي.. كان الموقف بالغ الصعوبة، أحتاج من يرشدني فكيف أرشد أحدا؟ لكنّ هذا ما كتبته لها على أي حال، نشرته من قبل في موقع وجود وأعيدُ نشره هُنا لأذكّر نفسي به في مطلع العام ٢٠٢٠م لعلّي أجد فيه بعض أحلام البنت العشرينية التي كنتها:

عامك سعيد يا رهف

وليكن لك من السنين رهافتها ورقتها ولينها، ومن الأيام حلاوتها وطيبها.

لا أعرف أي نصيحة ينبغي كتابتها؟ ولا أعرف إن كان عمري الذي وصل إلى العشرين قبل عقد ونصف، يسمح لي أن أقرأ لك لافتات الطريق، وأن أخبرك أسرارًا عن الأيام والأحلام، وأضع لك شارات تيسّر العبور.

لا أظن أن من حقّي تقديم نفسي قدوة لك أو لأي أحد. فما أنا إلا عابرة جاهلة بالآتي، متعثرة فيما مضى، أحمل بعضه وبعضه يحملني ويعينني على العبور.

لا أظن أن لي تجربة تسمح لي أن أُملي عليك خطواتها، ومآلاتها، ونتائجها. غير أنّي سأكتب لكِ ما تعلمته أنا الفقيرة من العلم، الفقيرة إلى المعرفة، والمفتقرة إلى دليل إرشادي يأخذ بيدي عبر الطريق. فخذي كلامي بوصفه كلام شخص سلك الطريق قبلك بحكم العمر، لا بحكم الأفضلية.

وهذا بعض ما تعلمته، ولعلك تعلمينه أو تتعلمين منه:

– لا مرارة مثل مرارة الظلم، ولا عمار مثل الذي تبنيه العدالة، وما دمنا غير قادرين على تحقيق العدالة في العالم كله، فلنحققها على الأقل في محيطنا الضيق، وفي عوالمنا الصغيرة. إن كان العالم مليء بالظلم والعداوات والحروب وهدر الدماء، فلنرحم المقربين منّا على الأقل، نرحمهم من ظلمنا وسوء ظنوننا.

– ‏لا تُثقِلي على نفسك بعبء تجميل العالم، ولا تُشاركي في سُعار تدميره.

‏- أعرف سرًا عن الحزن، سأفشي به؛ كل حزن مهما بلغ مداه واجتياحه سيصير من الماضي، لا يكبر الحزن مع الوقت، بل يتضاءل. ولذا حال حضوره يحاول أن يحضر بثقل يعوّضه عن فكرة التلاشي. فانظري لكل ثقله وحمولاته الحاضرة بعين المستقبل، بعين تراه ماضٍ، والتقطي أفراحك الصغيرة من تفاصيل التفاصيل. تعلّمي كيف تفاجئين الفرح في مخابئه كل مرة بخفقةٍ تقول: ها قد عثرت عليك. وعلّقي مباهجك على وجه الأيام، احتفي بتفاصيلها الشحيحة، اسقيها حتى تخضّر وتورق، واحفظي لقلبك شبابه مهما تدافعت عليه السنون ومهما أبلت جِدّته الأيام.

– ذكّري قدميك بعثراتها، كي لا تمتد عثرةً في طريق السالكين. وتذكّري فيض حزنك الذي انحسر وتوارى، لا ليغشاك، لكن كي لا تستصغري حزن أحد، ولا تتعامى عن هلع الغارقين في شبر ماء لا يرون غوره لعمق حسراتهم. وإذا أخذ الله بيدك، فلا تضيّعي منها ذكرى شعور التيه، كي لا تخذل يدك أيادي التائهين.

-أسوأ أيامك، ستصنع أجمل ما فيك. وبهذه المقايضة العادلة ستصفحين عن الزمن وتتصالحين مع تقلبات الأيام.

– من وجهة نظر الصيّاد، العصفور الذي في اليد، خير من العشرة التي على الشجرة، لكن عليك أن تتبنّي وجهة نظر العصفور والشجرة، وأن تذكّري العصفور الذي في اليد بجناحيه وصوته وبمكانه، مكانه في الفضاء الرحب.

– لا جدوى للعلم ما لم نتعلم من خلاله مساحة جهلنا، وكلما تعلمنا أكثر، ينبغي أن ندرك جهلنا أكثر، فنبتعد عن عمى اليقين، ونحذِّر ونحذّر من الغرور. لا جدوى للعلم ما لم يعلمنا التواضع للآخرين، واستيعابهم، وأخذ أسئلتهم على محمل الجد لا التهكم.

– ‏من النوافذ تعلمي تمرير العتمة. من ضجيج الشوارع تعلّمي تلقّي النصّ المفتوح على تأويلات لا تنتهي. من الأرصفة تعلّمي العبور لتزجية السأم. ومن الأشجار تعلّمي بذل الظلال للعابرين. من خطوات العابرين تعلمي كيف أن العمر متسع بلا نهاية، وقابل لاستيعاب المزيد من التيه. من كل شيء تعلمي، من كل شيء تعلمي شيئًا، أو عدة أشياء.

– ‏الصداقات طريقة آمنة، تدرأ الوحشة، وتُمكننا من الوقوف في وجه الخوف. يبذل الأصدقاء لنا من أنفسهم وأوقاتهم ما يسدّ نهم الوقت، فلا يفترسنا بأنياب الوحدة، فامنحي من قلبك وروحك للصحاب، واستوعبي العثرات، وتصالحي مع الضعف الإنساني والخطايا التي يرتكبها الناس ونرتكبها نحن أيضا.

– لا تسير الأيام بلا غفران، تعلمي الغفران. أن تغفري للأهل والأصدقاء والناس. لكل منا ظروفه التي تُخرج منه أسوأ ما فيه، أو أفضل ما فيه، ولا سبيل للتعايش مع قبح الظروف إلا بالغفران. اغفري دائمًا، والتمسي العذر لكل أحد.

– بالإضافة إلى الغفران، تعلّمي البتر، بتر العلاقات منتهية الصلاحية قبل أن تُسمّم أيامك. بعض الجروح المتعفنة لا تطيب، بل تستشري. ولذا خيار البتر هو حل العلاقات التي تنهش الجزء الضئيل السالم فينا. صدقيني سيموت أجمل ما فيك إن استسلمتِ للذين يفيضون عليك بأسوأ ما فيهم.

– تُقاس إنسانية الإنسان بتعامله مع منهم أقل منه مكانة وقوة، مع الأطفال والخدم والعمّال وكل المسحوقين وغير القادرين على انتزاع حقهم منه. أن تحظي بمحبة رؤسائك ومعلميك وأصدقائك والمتكافئين معك شيء جميل، لكنه لا يقيس مدى نقائك ورحمة قلبك. أما أن يحبك ضعاف الحيلة والمهمشون، فهذا ما يصنع معدنك الحقيقي. فكوني مع الضعيف دائما ضد الأقوى منه، مع المتهم دائما ضدّ الأقسى، فتّشي في دوافعه وضعف حيلته. كوني مع المحروم دائمًا ضد من يتكلم عن أسباب جوع المحرومين وفمه مملوء بالطعام والبجاحة. كوني مع الفقير ضد قوى كل العالم التي تزيد من فقره وبؤسه. كوني مع الإنسان كي تظلي إنسانة.

كل عام وقلبك عامر بالنقاء والصدق والحب والشغف والإيمان.

أيام

أنتزعُ نفسي من السرير إلى مواجهة اليوم، أخرج كي أضيع من نفسي في زحام الناس واتّساع وحدتي بينهم، أنسى الثقل الرابض على قلبي لساعات، وللحظات ألمحه في واجهات الأبواب التي تعكس وجهي وفي وجوه ندل المقاهي الذين يعرفون وجهي المكرر كالسأم ويبادلوني ابتسامات حقيقية وحيّة وأسئلة ساخرة عن غيابي أمس أو تأخري اليوم أو طلبي المكرر أو سبب تغيير الطلب اليوم، أضحك، ربما لا أضحك بشكل حقيقي طوال يومي إلا في هذه الثواني التي أردّ فيها على مزاحهم المتوقع كحضوري الباهت، وما أن ألمح كتفي أحدهم موليًّا ظهره لي في مواجهة عمله المكتظ ويومه الموحش إلا من الركض والمكابدة، حتى تستقبلني الوحشة بيديها الجافّة. فيعتادني شعور ملحّ بأنّي في المكان الخطأ، وعليّ أن أعود إلى السرير الذي كابدت لأنتزع نفسي منه كي أفتّش عن يومي في اتساع الأمكنة وزحام الناس واتّساع وحدتي. وأعود، أعود دائما محمّلة بالخواء وأصوات عالقة في رأسي من صخب الأمكنة التي مررت بها، أعود وقد أضعت يومي في التفتيش عنه، أفتّش عن نوم يُنسيني هذه الخسارة كي أعوّض غدًا، وأعثر على يومي.
وفي الغد -الذي هو اليوم- أفشل في انتزع ذاتي من ذاتي، أقرّر تأجيل مهمّة العثور على اليوم، أستجيب للصداع الذي يبدو كما لو أنّه استجابة فيزيائية داخل رأسي لأفكار الأمس التي ظلّت تهزّ قدمها بقلق واضطراب في رأسي لساعات وساعات. لا أخرج لأفتّش عن يومي، أتوهّم أنه سيدخل من الباب خلال لحظةٍ ما، أو سيطرق النافذة التي تعلو رأسي مباشرة. لكنّ الشمس تدخل، تتلصص على ظلام غرفتي، تشتدّ في ساعات، تمتدّ بعناد في هيئة خطوط كقضبان وهمية تذكرني أنّي سجينة ذاتي، والأيام تمر خلف الباب، تركض في الشوارع التي تطلّ عليها نافذتي، الأيام هناك في الخارج وأنتِ سجينة غرفتك… لكنّي أمس كنتُ في الخارج ولم أعثر عليها؟
فهل أدوّن هذه الخسارة أيضا؟ أم أشطب كل شيء إذعانًا لهذا الكساد الكبير؟

مواساة

‏لا بأس أيها الوقت الملوّن بلون الرماد، أعرف أن نيرانك انطفأت و وهجك تلاشى… لكن امتدادك ألهمنا كيف ننبعث في كل يوم من الرماد، كيف نتعايش مع الرماد بعد أن كنا وهجا وطموحًا… وعلى أي حال سيصير هذا الرماد ترابًا، فلا بأس.

‏لا بأس، سنجتاز هذا السراب الذي يحرّض العطش، ويخاتل الأماني، وسنجد خلفه سرابًا آخر يقطع لنا وعود الارتواء، فنرتوي بالانتظارات المالحة، لكننا نرتوي على أي حال.

‏لا بأس يا رفاقنا المغيبين، نحن أيضا مثلكم، غابت أصواتنا وشُلّت أيادينا وتفاقمت حسراتنا، وكل هذا الوجع يقاتل النسيان ببأس شديد، فلم ولن ننساكم، فلا تنسوا هذا في عتمة زنازينكم. لا تنسوا كي لا تصدأ أرواحكم وتتآكل في صدأ الانتظار المفتوح على وفرة الاحتمالات حينا، وعلى شحّها أحيان.

‏لا بأس يا أحبتنا الذين فقدناهم في عتمة الغياب الأبديّ، يومًا ما سنلحق بكم حيث أنتم، فنخبركم كم كان أليمًا فراقكم، وفي تلك الأقبية الموحشة سنظلّ ننتظر القادمين ليخبرونا كم كان أليمًا فراقنا.

لا بأس أيها الحزانى الذين يدهسهم شعور الخذلان، ويزعجهم صخب الصمت، ما زال في اللغة كلمات للعزاء والمواساة، وإن كانت عاجزة عن العمل، وإن كانت موقوفة عن الأمل، وإن كانت محبوسة على ذمة التحقيق في جدواها، وإن كانت محكومة بالإعدام مع وقف التنفيذ. لكنّها موجودة على أي حال.

لا بأس يا أنا، حدّة الشعور في هذا الزمن عبء لا يُطاق، يسحلنا كلّ يوم على نتوءات الفظائع، يفتّت قلوبنا بصخر الظلم، يجرّعنا مرارات الصدمة مع كل صدمة لا تسقط مرارتها بفعل التقادم أو الاعتياد.
لكنّ حدّة الشعور ضرورة، ضرورة كي لا يحوّلنا الواقع إلى مسخ غير واقعي، يتعايش مع فواجع واقع لا يقبله أي واقع. هه

‏أشعر أنّ لهيب جمر يتوقد تحت أصابعي، يتآكل منه اللحم ببطء نسبي ويتفاقم الألم بتسارع فظيع، فظيع… في هذه المرحلة الظالمة
لكن لا بأس، فما زلتُ أشعر بماء بارد ينضح في وجهي يعقبه تيار هواء لطيف وأنا عائدة من نهار جحيمي، كلما تذكّرت أنّي لم أفقد نفسي رغم كل شيء، لم أفقد إحساس قلبي، لم أتغيّر، ولن أتغيّر.

فألهمني يا ربّ سذاجة الأطفال الذين ينتظرون انتصار الخير في نهاية كل قصّة، ألهمني يا الله تهوّر الحالمين ومجازفات أحلامهم في وسط هذا القُبح، ألهمني يا ربّ إيمان العجائز، وتصديق الدراويش، ونزق الثوّار. ألهمني يا ربّ أنّ أظلّ كما كنت، وأن أكون كما ظننت، وأفضل وأصدق وأبسط وأسذج مما ظننت. ألهمني يا ربّ ألهمني لذّة انتظار الإلهام.