(فكأنّني) وكأنّهم أحلام

سمعت حكاية عن امرأة فقيرة كانت تضع حجرًا على بطنها وتشدّ وثاقه برباط، كي توهم بطنها بالامتلاء فيصمت أنين الجوع ولا تحاصص أولادها في الطعام الشحيح، ليأكلوا حتى الشبع.

أتذكّر هذه المرأة حين أُمنّي نفسي دائمًا بحيوات جديدة ستأتي بعد الموت، حيوات سأولد فيها كل مرة بذاكرة لا تعرفني ولا تعرف ما أنا عليه في حياتي الحاليّة، لكنّ قلبي يستدلّ على من أحبهم الآن في تلك الحيوات القادمة، يصطفيهم من جديد دون أن يعرف سببًا واضحًا لاصطفائهم. أُمنّي نفسي أنّنا سنلتقي ونكرّر اللقاءات دون أن نعرف أنّا كُنّا معًا من قبل، سنلتقي ونحب بعضنا من جديد، نشفق ونقلق ونخاف من الفقد، ثمّ نتساقط مرةً أخرى أيضا، سنُفجع ونخاف ونيأس ونفنى… ثمّ نولد في حيوات قادمة من جديد ونعيد ما كنّاه من قبل.

فكرة أن لقائي بأحبتي دائرة لا تنتهي ولا تكلّ من تكرار دورانها فكرة خيالية بلا شك، غير مقبولة ربما، لكني أمنّي نفسي بتحقّقها كي أجد عزاءً في العُمر الذي لا يتسع للاكتفاء من حضور الأحبة، ولن يتسع… هذه الأمنية التي أزيّفها وأقنع ذاتي بها، تشبه الحجر الذي وضعته تلك الأم على بطنها وشدّته برباط كي تزيّف الشبع، كي لا تشعر بالجوع… أشدّ هذه الفكرة إلى قلبي برباط الحب كي يصمت أنين جوعه إلى حضور الأحبة…

إعلان مفقودات

أشتاق إلى الأيام العاديّة
الأيام التي تمرّ، تمرّ فحسب
تمرّ ولا يسحبني فيها الوقت المتسارع من تحت أنقاض الشعور بالاستسلام، فيسحلني خلفه لألحق بحياتي… فقد مضى كل شيء إلى الأمام، إلا أنا. ما زلت مسجاة تحت أنقاض تراكمات من العمل المؤجل، والحزن بأثر رجعي، والخوف الاستباقي، والسأم المستمر والحاضر .

أشتاق إلى الأيام العاديّة
تلك الأيام العاديّة، الباهتة، هي تعريفي لجودة الحياة.
أيام بلا نور ساطع أرى فيه حقيقة الأشياء بشكل مفزع.
وبلا ظلام موحش تمدّ فيه أشباح الماضي ظلالها الضخمة، فيعتم قلبي.
تلك الأيام الباهتة، هي مشهدي المفضل
حيث يمر الوقت كفيلم قديم بألوان شاحبة على شاشة منسية في صالة بيت قديم، لفرط الشعور فيه بالألفة ماعاد أهله يقيمون فعاليات الواجب الأسري، ما عادوا يشعرون بالحاجة إلى التحلّق حول شاشة واحدة لمشاهدة هذا الفيلم الرتيب، ما عاد الكلام ضروريا كي يفهم بعضهم البعض، ما عادوا يشعرون بالحاجة للاندماج وتجديد التعارف… إذ يعبرهم الوقت وكل في فلكه يسبح، لا يغرق أحد منهم في الوحدة، ولا يمدّ يده بحثًا عن قشة إنقاذ.

أشتاق إلى الأيام العادية
أيام لا أستيقظ فيها بشعور متقد، ورغبات كثيفة، وبهجة غامضة، ونشاط مريب.
فأقرر فجأة أن أستعيد حياتي. السؤال المتوقع بعد جملة كهذه: أين ذهبت حياتي؟ لا أعثر على إجابة دقيقة، أتذكر العام الذي ركنت فيه حياتي في مكانٍ ما، ونسيتها هُناك… إذ كنتُ مشغولة عنها بهوامشها. في البدء كان عليّ صدّ هجمات ذاكرة مسعورة ربّيتها في سنين غفلة وضياع. ثمّ صار عليّ استعادة ذاتي كما تستعيد دولة مهزومة أسراها الذين ما وقعوا في الأسر إلا لأنهم جرحى ومعطوبين وعاجزين، ولن يعيدهم المنتصرون إلا لأنهم صاروا بلا جدوى، لا فائدة منهم ولا فائدة حتى من المساومة عليهم.
أستيقظ في صباحات هذه الأيام غير العادية، المتوهجة، فتتوهج بداخلي رغبة مفاجئة في استعادة حياتي. لا أعرف المكان الذي قد أستعيدها منه، لذا أبدأ في التحرّي وجمع أدلة فقدها، فإدراك الفقد هو الخطوة الأولى في طريق البحث عن المفقود… أجمع أدلّة مادية محسوسة لا تكذب، من هذه الأدلّة مجموعة أكواب تخرج من تحت سريري لا أعرف متى وصلت إلى هنا، وكمية مُفزعة من شرائط الحبوب المنوّمة أجدها في الدُرج المجاور لسرير نومي، كُتب كثيرة سقطت من تحت مخدتي وعلقت بين السرير وبين الجدار فتركتها هناك لأن التفكير في أي تحرك بسيط محسوس أو معنوي يستنزف روحي، الفواصل المدسوسة بين صفحات الكتب التي نجت من السقوط ولم تنجُ من الإهمال، وتركتها حين خذلني تركيز ذهني فعجزت عن مواصلة القراءة…
حين أنتهي من جمع هذه الأدلّة، أبدأ التحقيق في الوقائع الكبرى والملابسات التي تُشير إلى فقد حياتي، تأخري الدراسي أولًا، تأخري الدراسي ثانيًا، تأخري الدراسي ثالثًا. ثمّ مشاريعي التي كنتُ أطاردها عُمري كله، وحين أتت بها الفُرَص إلى بابي، علق المفتاح في الباب ولم أبذل جهدًا لاستخراجه، فتركت بابي موصدًا في وجه الفرص.
تحضر الفرص الضائعة في نهاية الأيام غير العادية، الأيام التي استيقظت في صباحاتها برغبة مفاجئة في استعادة ذاتي، استيقظت ببهجة غامضة، ونشاط مريب…. وما أن تداهمني الفرص الضائعة حتى أهوي من علياء المشاعر الجيدة في الأيام غير العادية، أسقط، أرتطم، ثم أستيقظ في اليوم التالي وأجدني مسجاة تحت أنقاض تراكمات من العمل المؤجل، والحزن بأثر رجعي، والخوف الاستباقي، والسأم المستمر والحاضر … فأشتاق إلى الأيام العاديّة.

قصص قصيرة جدًا

(احتيال)

أوكلوا للفزاعة مهمة طرد الطيور، وحين حان الحصاد راكموا بيادرهم وتركوها وحيدة بلا زرع تحميه وبلا أنس الطيور.


(ارتباط)

هكذا تحدث الأخطاء المميتة, كانت تحتاج إلى نافذة تُعزيها في الباب الموصد, لكنها لم تثقب الجدار… سمّرت فيه يدها.


(أمومة)

في زمن الحرب؛ المرأة التي أخبرها الطبيب أنها تحمل توأمًا في بطنها، جاءها المخاض فأنجبت طفلها وشاهد قبره.


(غنيمة)

رصدَ رجلٌ ثري وكئيب جائزة نقدية ضخمة لمن يقبض على لحظات فرحه الهاربة ويُسلّمها إليه. لم يفلح أحد. لكنّ الجائزة ذهبت إلى قاطع طريق لا يعرف عنها شيئًا. كان قد وضع نص السكين على رقبة الثري ليتمكن أصحابه من النهب. وفيما كان الموت يتحسس رقبة الثري، كانت كل لحظاته السعيدة قد عادت لتمر أمام عينيه، وتربّت على خوفه.


(مخالصة)

منذ أن وضع خاتمه في إصبعها وهو يعلمها كيف تبدأ من النهاية، يأخذها دائمًا من نهاية إلى نهاية، كل نقاش يبدأ به من حيث انتهى الآخرون، يقول كلمته ويمضي، فيما يتعلق بأحلامها فقد بدأ من حيث انتهى الآخرون، من النضوب… فيما يتعلق بالحب، بدأ من حيث انتهى الآخرون، من التخوين والشك والسأم… فيما يتعلق بأيامها فقد بدأت من حيث انتهى الأمان، من السقوط أرضًا إثر صفعة، والنهوض إثر رغبة…

بعد سنتين من حياة ابتدأت من النهاية، وصلته منها رسالة نصية تقول:

لنبدأ من حيث انتهى الآخرون، من الموت…

استقبل الرسالة من حيث ينتهي الآخرون، قرأها وأعاد الهاتف بلا مبالاة إلى جيبه…

وحين عاد إلى بيتهما، وجدها انتهت من حيث تبتديء الأشياء، كانت معلقة في سقف المنزل كفكرة لن تكون، تتأرجح ببطء ورأسها معلق بالسقف.

منامات

كان يُقامر بجسد زوجته التي أنجبت قبيلة صغيرة من البنات على أمل أن يحالفه الحظ فيربح ذكرًا، وكانت زوجته تعتمد على مناماتها في تحديد جنس الجنين، في مرة رأت أن زوجها أهداها مرآة، فأنجبت كبرى بناتها. في مرة كانت تقيس في منامها قلادة ذهبية وتتأملها بإعجاب فأنجبت ابنتها الثانية، في حملها الثالث سقطت الشمس قي غرفة نومها، فأنجبت ابنتها الوسطى. في حملها التالي رأت أنها ترتب ثلاث زهرات في آنية، وفي نفس الآنية نبتت زهرة رابعة، فتحقق المنام في بيتهم ونبتت البنت الرابعة.
في حملها الأخير رأت في منامها أن زوجها يبقر بطنها ويدس فيه جيفة. استيقظت مذعورة وحين فتحت فمها لشرب الماء انبعثت من داخلها رائحة نتنة بشكلٍ لا يُحتمل. غسلت أسنانها، تمضمضت، كشطت لسانها، عطرت فمها، تقيأت عمدًا، فعلت كل شيء للتخلص من هذه الرائحة، لكنّ الرائحة لم تغادرها إلا حين رأت في منامٍ آخر أنها تُنجب كفنًا يُطارد أسماء بناتها ويمحوها من حجرات البيت، استيقظت بوجوم مقبرة، ولم تنبعث من جوفها رائحة الموت، ظلّت بدون منامات حتى جاءها المخاض، فهزت إليها بجذع الأدعية والرجاءات، وبعد ساعات من المخاض المتعسر أنجبت ابنها الأول.


نُشرِت في (المجلة العربية) العدد ٥٠١

إلى انتصار

مرحبا
حان الوقت إذن. وكنتُ قد كتبت نسخًا متعدّدة من هذه الرسالة في ذهني فقط، طوال الأيام الماضية كنت أعيش في ذهني ما يشبه المونولوج الطويل بيني وبينك لا يتحدث فيه سواي، للأسف!
حين كتبت رسالة إلى رهف في عيد ميلادها العشرين كتبتها بإيعاز منها، طلبت مني أن أنصحها، وأنا لا أحب نصح طالباتي فكيف أنصحك أنتِ؟ لا أتخيل أبدًا أن أقف منك موقف الناصحة ولا أظنك تتخيلين وإن كان بوسعك هذا فأرجوك خربشي هذه الصورة بسرعة بسرعة. ولا تسمحي لها بالورود على ذهنك مرة أخرى.
ماذا سأقول في هذه الرسالة التي وعدتك بها إذن؟
لنقل إنها حديث ودّي وفضفضة ارتجالية من ثلاثينية متمرسة إلى ثلاثينية مستجدة. فمرحبا بك في نادي الثلاثينيات الذي سبقتك إليه بنصف عقد. كان بودّي أن آخذك في جولة افتتاحية وأعرّفك على الزمان الذي سبقتك إليه، أدلّك على القوانين والسياسات المتّبعة.
لكنّي بعد أن اجتزت عتبة الثلاثين عرفت قانونًا واحدًا، وأسير على سياسة واحدة فقط.
القانون ينصّ على التعهد بنبذ أي قانون يتعلّق بمتطلبات العُمر، من الذي يحق له فرض قوانين عليّ؟ ومن سيعرف ما يناسب عمري وما لا يناسبه سواي؟ إنه عمري وحدي، مساحتي الزمنية، لا أتشاركها مع الآخرين إلا بالمودة والاحتفاء بقربهم لكنّي لا آخذ سنينا من أحد ولا أستعير أيامي من أحد ولا أتقدّم في السن من دفتر حسابات عمر أحد سواي، وبالتالي ليس لأحد أن يضع لهذه المساحة الزمنية قوانين وشروط غيري.
أما السياسات المتبعة فهي سياسة نقض البديهيات ذهنيًا وتصوّر سيناريو بديل لكل شيء، ومن هنا أستكشف أن كل السياسات المتبعة هباء لا معنى له، افتراضات، اجترار تجارب ومشاعر من آخرين…
لربما يبدو كلامي غامضًا، ولأبسّطه سأعطيك مثالًا. السياسة الزمنية المتبعة في حساب أعمارنا هي عدّ السنين، والسنة تتألف من ٣٦٥ يوم، واليوم من ٢٤ ساعة، والساعة من ٦٠ دقيقة والدقيقة من ٦٠ ثانية.
أحب نقض هذه المسلّمات في ذهني وإنشاء سيناريوهات افتراضية… كأن أتخيّل أن الشخص الأول الذي اختار التحديد الزمني قرّر أن تتألف أيامنا من أربع دورات، من نهارين وليلين. فيصير اليوم ٤٨ ساعة. ولو حدث هذا فأنتِ الآن تدخلين إلى عامك الخامس عشر.
أتصوّر لو كان هذا الشخص الذي ابتكر حسابات الزمن كان مهووسًا بالتصنيف والتجزئة أكثر. فقرّر أن يتألف كل يوم من لون واحد فقط، يوم من نور واليوم الثاني من ظلام والثالث من نور والرابع من ظلام. هذا سيجعل الشهر من ٦٠ يومًا. وهذا يعني أنني سأهنئك الآن بعامك الستين藍
أرأيتِ جدوى سياسة نقض السياسة؟ الأمر ليس إلا إحصاء رقمي قرّره شخص ما في زمن سابق وبناء عليه قرّرنا أعمارنا وسيرورة حيواتنا ومشاعرنا… لذلك لا أفهم خوفك من الثلاثينات، أو دهشتك من شعورك الحيادي تجاهها. أظن من الطبيعي أن تدخلي الثلاثين وكأنك تدخلين غرفتك في صباح اعتيادي، لا شيء مفزع في الأمر. لا تجاعيد تتربص خلف الباب، لا شعر أبيض يختبئ تحت الوسادة ليلتصق برأسك فجأة، لا موت يتمدد تحت السرير يحصي خطواتك ويضبط مؤقت ساعته للانقضاض… لا، كل شيء مجهول. وكل شيء يأتي بتدريج بطيء لا محسوس… والشعور بالتقدّم بالعمر إحساس ستشعرين به في أول يوم من الثلاثين ربما، وفي آخر يوم من عقدك الرابع ستشعرين أن عمرك ما زال غضًا كأحلام الوليد… كذلك السعادة والحب والحلم والأسى… ليس لأي من هذه الأحاسيس جدول مواعيد. إنها تأتي وفق سيرورة أحداث ليس بيدنا تسييرها عادةً، فما الداعي لترقّبها وابتكار جدول مواعيد لاستدعائها وفق التقسيم الزمني الذي وضعه شخص ما في زمن سابق وبناء عليه أنتِ اليوم تدخلين عامك الثلاثين… ولو تغيّر شيء في الخطة الزمنية المتبّعة لتغيّر الرقم الذي يُشير إلى عمرك. ولذلك أومن تماما أن العُمر رقم، والحياة إحساس لا علاقة له بالأرقام غالبًا.
لا معنى للأسى من مضي العُمر في هذا العمر يا انتصار، لا معنى للخوف من الثلاثين… حين أفكّر في الثلاثين  -مع إني عرفت فيها الوجه الأبشع للاكتئاب ولأشياء مريرة-  أتذكر دائما ليالٍ قاسيتها في عشريناتي، قاسيت فيها من مرارة ظلم وخوف فظيع… أتذكّرها وأقول لو كنت أعرف في تلك الليالي أن حياتي في الثلاثينات ستكون بشكلها الحالي الذي أحبه، لما بكيت في تلك الليالي ليلة واحدة، ولكني لا آسى على شيء، ولا أندم… فأنا حصيلة تلك التجارب… أتمنى أحيانا لو كان بوسعي اجتثاث كثير من الأيام البشعة والمواقف المؤلمة من ذاكرتي تماما وكأني ما عشتها، لكنّي متيقنة أني سأفقد مع ذكرياتي هذه بعض المبادئ التي خرجت بها منها، سأفقد مشاعر كثيرة وخلاصات مدهشة… وسأفقد بعضي إذن، ولذا لا آسى على شيء ولا أرغب في تنقيح عمري.

يا انتصار الحبيبة ليس لدي ما أقوله لك سوى ادخلي للثلاثين بلا خوف… ادخلي وكأنك تدخلين غرفتك في ضباح اعتيادي، مع شعور غامض بالبهجة، واسمعي أغنية جميلة يبدأ بها صباحك الثلاثين، ولتكن هذه
https://soundcloud.com/aroubaroub/7hnasu07rfl2?ref=clipboard

وتذكّري أن العُمر هو بيتك الذي سيتسع بالتقادم، فلا تستوحشي من اتساع البيوت… كدّسي الذكريات الجميلة والخلاصات البديعة واستضيفي الأحبة فيه واستبقي روائحهم وآثار خُطاهم، وأثثي حجرات هذا البيت باليقين، وافتحي شبابيكه دائما على دهشة التلقي لكل جديد، واكسري أي لافتة إرشادية.
واعتذري لنا نيابة عن العالم كي نحب العالم، واعتذري عن السيئين الذين لا يموتون مبكرًا، لكن عيشي طويلا طويلا لأجل خير العالم ❤

رسالة إلى رهف في ميلادها العشرين

قطعان تدوس عشب الليل

رأسي مُثقل بالنعاس، رأسي معتلّ بمتلازمة التفكير الكثيف على المخدة، رأسي يضيء بمئة مصباح ومصباح حين أطفئ الضوء لأنام… في هدوء الليل تصطخب في رأسي مداهمة مفاجئة لوكر الأفكار والذكريات. يبدو الأمر وكأن فرقة عسكرية تقتحم حارة مظلمة وهادئة وعشوائية فيجفل النوم  من كل بيت فيها.

رأسي مثقل بالنعاس، يبتلعني ثقب الوقت الذي يسبق النوم، الوقت الذي يغرز كعبه في الأرض ويرفض السير كطفل نزق وعنيد. فأحتاج إلى فكرة تُنجدني من حشد الأفكار التي تحرّض الأرق. الفكرة التقليدية الأولى التي تخطر في ذهني هي عدّ الخراف، خراف تقفز فوق سور خشبي: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة… الأرق ذئب، الذئب قادم، عقلي يحاول أن يتابع عدّ الخراف حتى أنام، أتوتّر وأنا أحاول استباق وصول الذئب فيجفل من توتّري القطيع، يتدافع بلا ترتيب فأفقد القدرة على العدّ… يتدافع القطيع ويدهسني.

رأسي مثقل بالنعاس، وهذا الوقت ثقب أسود يبتلعني فأجدني فيه وحيدة مع نفسي، يبدو الأمر وكأني أفتح الباب لي، فأدخل أكثر من مرة من أبواب تتكاثر كلما انفتح باب. أبواب تتدافع منها نُسخ لا تُحصى من نفسي، أتدافع مع نفسي بالطريقة ذاتها التي يتدافع بها قطيع الخراف فأفقد قدرتي على التنظيم والعدّ أيضا، أفقد قُدرتي على معرفة ذاتي لفرط حضوري وتكرار حضوري وثقل حضوري الذي يدهسني.

رأسي مثقل بالنعاس، والأفكار والمشاهد والصور والأصوات تتدافع في رأسي، تفصيلات صغيرة منسية تركها النهار في رأسي ورحل؛ كالكلمات العالقة التي كان ينبغي أن تُقال، الجُمل المفخخة التي انفجرت في لحظات غضب أهوج، والاعتذارات التي كان ينبغي أن أنقذ نفسي بها لكني تركتها في زحام النهار وظننتُ أنها لن تستدلّ عليّ فجاءت الآن لتنفرد بي.

مشاهد من البيت المحتشد الذي زرته اليوم، الأحذية التي كانت مكوّمة في مدخل الباب المكتظ بالزائرين تترك المدخل وتطأ رأسي المثقل بالنعاس، وتدوس بكعوبها المتفاوتة قلبي حين تذكّرني بوجه العاملة المنزلية الغريبة والوحيدة والمجردّة من الأُنس وسط زحام البيت الذي تخدمه، الأحذية المكوّمة تشمت بقدمي العاملة وتذكرهما كم ابتعدا عن الديار.

رأسي مُثقل بالنعاس، ويزداد هذا الثقل مع حضور المشهد البطيء والكئيب لصبية نحيلة في بدء المراهقة كانت تمسّد شعرها حيرة وارتباكًا بين الزائرات، ونظراتها الخائفة تفتّش في عيون الآخرين عن أي دلالة موافقة أو نظرة رفض كي تتوقف عن ارتجال نفسها وتحصل من خلال الآخرين على الدليل الإرشادي الذي ينبغي أن تسير عليه حين باغتها عمرها ونقلها من طفلة إلى امرأة. هذه الصبية المراهقة هي أنا في وقت مضى، هي أنا في أكثر من موقف مضى… في رأسي الـمُثقل بالنعاس يدوي سؤال ثقيل: أما زلتُ أنا كما أنا؟

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تفوح رائحة قهوة دارت في مجلس النساء إلى جانب صحون الحلا والشوكولاتة التي عجزت حلاوتها عن كسر مرارة الأحاديث، صحون حلا وشوكولاتة هزمتها ملوحة دمع الجارّة التي كانت تُنصت إلى قصص المواساة من نساء جفّفت التجربة عيونهن، ورسب الملح في حناجرهن ووسم أصواتهنّ بحُرقة معتادة أوهمتهن أن هذه الملوحة الحارقة هي الطعم الطبيعي للكلمات.

 رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تنتشر رطوبة غسيل جديد لثياب قديمة جمعنها الجارات لأم أيتام فقدت عائلها، وتعولهم من اللاشيء بسبب عائل لم يشأ أن يجعلها تُحقّق لنفسها أي شيء، ليظلّ كلّ شيء… لكنه لم يظلّ.

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي تجفّ الرطوبة، ويهبّ بعدها هواء حار يبعثه حفيف الثياب القديمة نفسها، بعد أن صارت ثقيلة ثقيلة جدًا بشعور الخجل والضآلة والانكماش والتأنيب أمام الفرح المتجدد الذي استقبلتها به أعين المحتاجين.

رأسي مُثقل بالنعاس، وفي رأسي أشياء كثيرة لا أعرف ماهيتها وتوصيفها، لكنها تتدافع، تتدافع في القلب فيضجرني وقع خطاها وتعثّرها. أستدعي قطيع الخراف وأحاول من جديد أن أستغرق في العدّ حتى أنام، القطيع لا يأتي، لا يصدّقني، تتكرّر قصّة الراعي الذي كان يستغيث بأهل قريته ويدّعي أن ذئبًا هاجم القطيع، وبعد أن يصدقوه أكثر من مرة ويكتشفوا كذبته أكثر من مرّة يمتنعون عن المجيء في المرة التي يجيء فيها الذئب فعلًا، ويفتك بالخراف.

رأسي ثقيل بالنعاس، والقطيع لا يصدّقني ولا يجيء… أخشى من ذئب الأرق، أشيح بوجهي نحو الجدار، أرفع المخدة التي اختنقت بأفكاري من تحت رأسي وأغطي بها وجهي، أحاول أن أتخفّى عن الذئب، أنكفئ على ألف صوت ونظرة وانكسار وصرخة وهزّة قدم مرتبك ونبرة صوت مختنق ومشهد دمعة عالقة… هذا الليل ثقب أسود بلا مخرج طوارئ، تحاول ساعات الليل أن تفرّ وتنجو من ذئب الأرق، تتدافع ساعات الليل، تتدافع كالقطيع، ويحضر الذئب، يفترس الليل الذي تهاوى… يطلع النهار، ورأسي مُثقل بالنعاس وعليه أن يواجه النهار بهذا النعاس الثقيل.

حول محور

hrw_omanreport_illustrations-clock2

ملاحظة أولى:

لهذه القصة متنٌ وهامش، ويصح أن يتم التبديل بينهما.

المتن:

كانت يداها ترتجف بعصبية حين تقوم بأعمال المنزل، لطالما جرحت يدها بسكين الطعام، أحرقت رسغها بغطاء القدر، زلقت قدمها في لزوجة المنظفات، وأحدثت ضجيجًا لا يُحتمل وهي تغسل الأواني في حوض المجلى.

كانت صامتة على الدوام، المرأة الوحيدة الصامتة في المنزل، رغم أنّها كانت تفهم لغتهم، وكان لها لغة هجينة مكسّرة يمكنهم فهمها، لكنها كانت تترك الضجيج الذي يُثيره ارتباكها يتحدث نيابةً عنها. رأسها مُغطى بحجاب يمنع أفكارها من التسرب، وجسدها مشغول بالدوران في حجرات المنزل، تحتمي بصمتها الـمُبالغ فيه فلا تثير ريبة أحد.

 

الهامش:

لطالما سألتْ نفسها ماذا لو أن حديث النفس يُسمع؟ ماذا لو فاض حديث نفسها فبدأ بالتسرب وفقدتْ سيطرتها عليه؟

حين يتبقى من فتات وقتها فضلة تسمح لها بمشاهدة التلفاز يفزعها منظر بطلات المسلسلات وهنّ يحدثن أنفسهن بصوتٍ يسمعه المشاهدون وإن كان لا يسمعه بقية أبطال المسلسل. تتصور أن يحدث لها أمرٌ مشابه، أن تكون شفتاها مُطبقتين وصوت أفكارها مسموع من الآخرين دون علمها. لكنها تفكر بلغتها التي لا يفهمها أهل البيت، وهذا ما يمنحها شيئًا من الأمان. تدور وتدور في دوامة من الطلبات والأفكار والأوامر والنواهي، حتى تسقط من الإعياء كل يوم وهي تكاد أن تنسى اسمها الذي اخترع لها أهل البيت اسم سواه.

تدور الغسالة، يُخبرها صوت استدارة عامود الغسيل عن سأم الدوران في ذات المكان، عن قطع مسافة طويلة في حيز صغير لا تأخذك فيه المسافة إلى أي مكان.

يدور صمّام قدر الضغط، يدور ويُصفّر وحكي لها دورانه عن قوة الضغط ورغبة الانفجار.

تدور لعبة ابن مخدومتها فيصدر منها صوت طنين مزعج كطنين أفكارها، يذكّرها دوران هذه الألعاب  باهتماماتها التي لم يعد لها شكل غير شكل الاستدارة حول الآخرين.

تدور الأرض حول محورها كل يوم، فتتّم شيئًا فشيئًا استدارتها السنوية حول الشمس، فتتعاقب السنين وتتراكم الليالي والنهارات وهي في مكانها. لا تعرف بخبر  هذا الدوران إلا من قياسات ملابس أبنائها البعيدين حين تسمع أنها زادت رقمًا أو رقمين.

حكاية عن (نهاية)

في كتاب (بلدي المخترع) حكت إيزابيل الليندي حكايات عن غرابة الأطوار الممتدة في أسرتها كإرث عائلي، وروت ضمن ما روته الحكاية التالية: “كان أحد أخوالي يخلع بنطلونه في الشارع ليعطيه للفقراء، وعادة ما كانت تظهر صورته في الصحف بالسروال الداخلي، لكن أيضا بالقبعة والسترة وربطة العنق. كان مُعتدًّا بنفسه إلى حدّ أنه ترك في وصيته تعليمات كي يوارى التراب واقفًا. وبذلك يستطيع أن ينظر إلى عيني الربّ مباشرة حين يقرع السماء”
يوم قرأت هذه الصفحات، فكّرت في غريبي الأطوار الذين عرفتهم في حياتي -وهم كُثْر- لكنّ أول من يخطر في الذهن دائمًا هي (نهاية) وهذا اسمها، ولا أعرف سر الاسم. كانت (نهاية) تجسيدًا حقيقيًا لمن يعطيك الأشياء من آخرها، من النهاية يعني، بلا مقدمات ولا تردد ولا مداراة. في أيام المرحلة المتوسطة قصّت شعرها قصّة قصيرة جدًا ولم تكن تلك القصّات شائعة في أواخر التسعينات بين بنات المدرسة ولم تتسامح معها الإدارة، وحين يوقفونها صباحًا بتهمة التشبّه بالرجال، تردّ: لا بس قصيته عشان ما أمشّط
وفي الثانوية عاد شعرها طويلا يتجاوز مرفق يدها وربما أطول، ولم تكن تمشطه فعلًا، كانت تلفّه بشكل عشوائي وتثبته أعلى رأسها. ولم يكن هذا سبب غرابة أطوارها في نظري… لكنها كانت ترتدي مريول المدرسة بشكل مقلوب، تضع السحّاب (السوستة) في الأمام، وياقة المريول في الخلف. وحين ينبهها أحد: “نهاية مريولك مقلوب” تردّ ببرود يصفع أحكامنا المعتادة: “وش دراكم إنه مقلوب؟ مكتوب عليه أمام وخلف؟”
وكانت في أيام ترتديه بالشكل المعتاد؛ الياقة إلى الأمام والسحّاب في الخلف. وحين نقول لها: هاه ليه الحين صلحتيه وما لبستيه مقلوب؟ توضح لنا ببرودها المعتاد: طالما للمريول جهتين مو مكتوب عليها أمام وخلف هي وحدها تحدّد الأمام والخلف بهواها.
كان صوتها جميلًا حين تغنّي، وأتذكّر مرة غنت لي أغنية لطلال مداح: وهذي سيدي كل الحكاية.
معك في الحب ما حسيت راحة،
أنا أرجوك لا تحكي ورايا،
‏تعال اجلس معي واحكي بصراحة.

ولم أكن أعرف الأغنية ولم أسمعها من قبل، فوعدتني بتسجيلها في كاسيت. وبالفعل وفت بوعدها. أيامها كان طلال على قيد الحياة، وروابط النت الحالية لم تُخترع بعد، وتسجيل الأغنية يتطلب وضع جهازي تسجيل وتشغيل الأغنية في أحد الجهازين وضغط زر التسجيل في الآخر… ولم تكن المسجلات ذات البابين متوفرة في كل بيت حيث يلتقط جهاز التسجيل صوت الكاسيت وحده ولا يلتقط الضجيج، بينما طريقة التسجيل من جهازين كم عذبتنا بإعادة التسجيل من جديد ومسح الشريط بسبب ضجيج مفاجئ، أو بكاء طفل، أو صراخ أم، أو رنين جرس… الخ.
أعطتني الكاسيت، وسمعت الأغنية وكانت أغنية جميلة جدًا، في المقطع الأخير يتداخل مع صوت طلال صوت صفعة باب، ثم رجل يرفع صوته يخاطب طفلًا يبكي، وضجيج أبواب في الخلفية مع نداءات أهلها. كنت أتمنى أيامها أن التسجيل أكثر صفاء ووضوحًا. وكان من الممكن أن أطلب منها أن تعيد تسجيل الأغنية لي، أو تعيد تسجيل المقطع الأخير على الأقل. لكن أعرف أنها ستقول: وش دراك إنها أصوات أهلي؟ يمكن أهل طلال تهاوشوا…
حاليا حين أسمع الأغنية على ساوند كلاود أتحرّى صفعة الباب فلا أسمعها، فأتذكر مريول نهاية المقلوب.
وحين أسمع أغنية طلال (نهر الخلود حبك بين الضلوع مجراه) يبكي طفل في تسجيل بروفة الأغنية الوحيد الموجود على الإنترنت والذي لا علاقة له بنهاية. لكنني أسمع صوتها في ذهني: “وش دراك إنه مقلوب؟ مكتوب عليه أمام وخلف؟”

ما لم يقله أوليفر ساكس عن سنة الرحمة

أظن أن الكتابة عن حدث عام لا عن تجربة خاصة لا تكون كتابة ناضجة ما لم ننفصل عن الحدث زمنيًا فنخرج من دوامته وتتسنى لنا رؤيته من مسافة.
لكن هذه الكتابة التي أُعيد تدويرها هُنا من مدونة طارق الجارد استثناء بديع، عن عالمنا الموبوء بالفواجع، فواجع يصنعها الإنسان من تلقاء ذاته بفضل ذكائه الذي يُحيله إلى أغبى مخلوق على وجه الأرض في صراعاته وطغيانه. وفواجع خارج إرادته، تأتيه من حيث لا يحتسب ويكتشف معها ضعفه وضياعه وضآلته وكم هو أعزل في مواجهة أقداره وسط العالم المحتشد. إنسان أعزل ووحيد لا ينقذه العلم ولا الذكاء ولا الاحتراز ولا تاريخه الطويل مع الكوارث وخبراته السابقة في البقاء تحت ضغط التهديد المستمر.
عن سنة الرحمة في نجد، بموازاة الانفلونزا الإسبانية، وعن الحرب التي يسير لها الناس بحثا عن الانتصار، وعن فايروس يختبئ منه الناس حشودا في بيوتهم مدحورين أمام مدّه الهائل الذي لا يوقفه سلاح ولا خطة هجوم.
عن كل هذا يكتب طارق صورًا محتشدة من عالم منكوب بالقوة، مفتقد للحب… تدوينة تتلاقى فيها الأزمنة المتغايرة، ومكابدات الإنسان القاسم المشترك بين كلّ الأزمنة.
كتابة تذكرني بقول لؤي عباس عن الأدب: “لقاء مصائر لا يخلو من فجيعة”

الكتابة من حجرة ساعة رملية

أول ضحايا الحرب: الحقيقة. ثم الأخلاق، ثم تتوالى الضحايا البشرية بعد ذلك. لكي يقتل البشر بعضهم -بغير وجه حق- يحتاجون إلى كذبة ترفعهم فوق أسوار الفطرة، فإن أوغلوا في الدم البريء، انهد ذاك السد الأخلاقي الذي يمنعهم. قيل لهم: “إنها الحرب التي ستنهي كل الحروب”، إلا أن المشاة الانجليز سرعان ما غنوا ” نحن هنا، لأننا هنا، لأننا هنا…” لكي ينسوا عبثية الحرب و هم ينشرون الدمار في طريقهم عبر أوروبا.

الثمن الذي دفعته إسبانيا لحيادها في الحرب العالمية الأولى، أن تلتصق بها تهمة : “الإنفلونزا الإسبانية”. و لأن القوى المتحاربة قد قتلت الحقيقة في أول رصاصة قبل أن تتخندق في مواقعها، لم تكن تقدر على قول الحقيقة بعد ذلك. كان من الأسهل أن تنسب ضحاياها و أبطالها الفدائيين إلى وحشية الخصوم، ليزيد غل و حنق خندقها و يستبسل شعبها في القتال، على أن تنسبه إلى ميكروب حقير كالانفلونزا. و بقت إسبانيا الوحيدة التي لا تمانع نشر أخبار انتشار الفيروس…

View original post 803 كلمات أخرى

مكافحة الشغب

IMG-20171026-WA0016

عاش أحد الملوك مذعورًا من أحلام شعبه التي تتسلل بعد نومهم لتحاصر قصره، فأصدر مرسومًا ملكيًا يقضي بمنع النوم حفاظًا على أمن البلاد ولحمتها الوطنية، استجاب الشعب لليقظة المستمرة في اليوم الأول، اليوم الثاني مرّ ثقيلًا عليهم، في اليوم الثالث بدأ الإنهاك يظهر على وجوههم، ثم أعياهم التعب في اليوم الرابع فالتمسوا من الملك أن يسمح لهم بالنوم ولو لساعة.

استجابةً لمطالب الشعب أعلنت البلاد حالة الطواريء من الدرجة الأولى وفرضت حظر التجول على الأحلام، ولرفع عقوبة اليقظة الإلزامية عن الشعب صدر عفو ملكي لكل من يتعاون مع السلطات ويُسلّم أحلامه حية أو ميتة. حاول المواطنون القبض على أحلامهم والوشاية بها لكنها استعصت عليهم، فبدأوا بتعقبها وتصفيتها حتى يتمكنوا من النوم، عبرت الحكومة عن امتنانها للشعب الوفيّ فمنحت كل فرد منهم مسدسًا ليقتل الأحلام (كل مواطن رجل أمن) وبدأ دويّ الرصاص الذي أعقبه نوم أبدي استراح به الشعب من شغب أحلامهم بعد أن أطلقوا على رؤوسهم النار.