٣٥ عام

لا أُخبئ عُمري، أنطقه بنفس البرود والحياد الذي أنطق به اسم زميلة عمل أعرفها وتعرفني، لكنها لا تشبهني ولا يدلّ اسمها علي، بل عليها وحدها.
لا أخجل من عُمري، ربما عُمري يخجل منّي، يخجل من عجزه عن أخذي إلى حيث يسير. يكره أنه يقطع المراحل وحيدًا، يتراكم فوق نفسه، يتطاول… وأنّي في مكان ما، أبتسم وأعيش ولا أركض خلفه. يخجل من عدم قدرته على العبث بوجهي كما تفعل الأعمار في وجوه أصحابها، وإن انتصر يومًا ما، ونجح في العبث وحفر أخاديده على ملامحي، لن أغضب، فهذا استحقاقه الحتمي، ثمن أتعابه.
يخجل عُمري من عجزه عن إيجاد طريق يعبر من خلاله إلى قلبي ودهشتي و لا مبالاتي. يخجل من أنه رقم فحسب. رقم أعرفه ويعرفني، لكنّه لا يختصرني ولا يدلّ عليّ.
اليوم زادت سنة في عُمري، لكني لم أكبر، لم أكبر بعد، عمري يكبر وحيدًا. تراكمت السنين في مكانٍ ما، وأحصوا في عددها عُمري. لكنّي مازلتُ أصغر من شهقة الفرح، وأقصر قامة من امتداد اليأس في الحياة، ما زلتُ ضئيلة كالأمل، غضة كالبدايات، وما زالت السنين أسرع من قُدرتي على العدّ، ومنذ تجاوز عددها عدد أصابعي أقلعتُ عن فكرة عدّها وانشغلت بمطاردة الدهشة.
وإن تحرّيت الدقّة، لا يصحّ أن أقول: اليوم زادت سنة في عمري. فالعمر يزداد يوميا، كل يوم يزيد يوم، كل لحظة أكبر لحظة، وهذا النماء التدريجي، أو النضوب التدريجي، يعلّمني أنّ لا أصنّف العُمر تصنيفات معلّبة واختزالية، لا يُمكن القول إن العشرينات عمر التوثب والإنجاز، والثلاثينات عُمر النضج والحكمة، وتلك السنوات سعيدة، وهذي السنوات تعيسة، لا… طالما أكبر في كل لحظةٍ لحظة، فلا وجود لعمر سعيد بالمطلق وعمر تعيس بالعموم، بل لحظات سعيدة، ولحظات تعيسة، مباهج تأفل، آلام تستيقظ، جراح تندمل، ومباهج أخرى تستفيق، وأحلام تنطفئ، وأخرى تنبعث من الرماد، أحباب يأفلون، وأجد بعدهم من يحمل لافتة عليها اسمي يستقبلني بها في محطات العمر ليأخذ بيدي نحو قصص حب جديدة.
لا أخجل من عُمري، ولا أخافه. حين أشعر بفوات الأشياء أستذكر يقيني القديم وأجدّده، يقيني بأنّ كلّ شيء يجيء في وقته تمامًا، وكلّ شيء يذهب في وقته أيضا… حتى إن تصورنا عكس هذا.
على سبيل المثال: الحُب المتأخر، حين يهمس عاشقان لبعضهما: أين كُنّا عن بعضنا من قبل، وكيف تأخّر بنا اللقاء حتى الآن؟
أقول: لم يتأخر، لقد كان يهيئكما امتداد الوقت لشغفٍ مضاعف.
في الرحيل المُباغت أيضا، ذاك الذي يجتث معه جزءًا من القلب، ويتركه مُجوفًا لهبوب الحنين والفزع… لم يُبكّر، جاء في وقته ليمنع الذاكرة من تحصيل مزيد من لحظات (زمان الوصل) تكون كافية لاجتثاث العُمر القادم كله.
أثق في توقيت الدهشة، لم تتأخر، كان انتظاري لها يُنضج شعوري بالفرح.
أثق في الخيبة، لم تُباغِت، جاءت في وقتها لتعترض طريقي نحو الهلاك.
حتى أحلامي الصغيرة التي يمضي عمري مُتسارعًا وهي في الخلف، وأقسمت يومًا أن أحققها وإن بلغت التسعين… فسألتني صديقتي: ومافائدة تحقيقها في ذاك العمر؟
أجبت: ذاك وقتها تحديدُا، تأتي لتنقذني من شعور الأسى بأني ماعدتُ أنتظر شيئًا، ولا شيء ينتظرني، تأتي فتأخذ بيدي نحو الأمل، نحو ربيع يباغت خريف العُمر. إن كان لعُمري خريف.

حنين المفارق

هذا الصباح برعاية أيوب طارش، كانت النيّة أن أسمع “عِشْ حياتك لا تضيّع لحظة وحدة بالوجود، ليش تزعّل بس روحك؟ ليش تفكّر في البعيد؟” وكنتُ أتجنّب أن أتعثر في قوائم التشغيل بأغنية (لمن كل هذه القناديل تضوّي لمن؟ لأجل اليمن) فكل القناديل التي غنّى لها أيوب بفرح واحتفاء صارت تضوّي الطريق لموتٍ يتخبّط في عتمته، ومن يتخبط في العتمة سيهوي على كل شيء، وإن أضاءت العتمة سيصير الاقتناص أسهل. وفي الحالتين لا كاسب إلا الموت… وكلما سمعتُ هذه الأغنية أو تذكرتها أخال أني أسمع الضوء ينتحب في خلفية المشهد.
غير أنّي تذكرتُ أغنية غنّاها أيوب للمغتربين خارج اليمن، نسيت اسم الأغنية وأتذكر أني سمعتها في يوتيوب على مشاهد من خضرة اليمن الذي كان ينبغي له أن يكون سعيدًا، وما كان… سمعتُ الأغنية في ٢٠١١ العام الذي مسّنا فيه الأمل، وتأثرت يومها، غير أني حلمتُ أن يأخذنا الربيع إلى الازدهار لا الدمار، فكان تأثري مسنودًا بالأمل، فلم أخش الاستماع إلى الأغنية لذكراها الغضّة في قلبي، وبدأت أفتّش عنها. في طريق البحث سمعتُ أيوب يغني للمغتربين أكثر من أغنية، في البداية ظننتُ أغنيتي المنشودة هي (حنين المفارق) ومع بدايات فجر اليوم الذي يعود فيه آلاف الموظفين في بلادي إلى أعمالهم داخل بلادهم، كان أيوب يغني لمن يعملون بعيدًا عن البلاد:
“سحابة الفجر سيري، مع حنين المفارق..
رشّي فؤاد المتيّم.. ندى سخيّ العطر عابق
من مخمل الغيم غطّي.. لواعجي بالبيارق.
بلّي بهطلك قليب.. صبابته كالحرائق
وجنِّحي عالذي.. شوقي إليه سيل دافق.
وبلغيه بالمراد.. إني بعهده لواثق”
فكّرتُ في المغتربين بيننا، الذين سيعودون إلى أعمالهم هذا الفجر بلا سحابة فجر تظلل قلوبهم العارية في مواجهة الاشتياق والحنين، يعودون، من استراحة قصيرة، ليلة أو نصف يوم، لا من إجازة طويلة، يعودون ويعود إلى قلوبهم في كل حين (حنين المفارق).
وفي طريق بحثي، عثرتُ على أغنية أخرى، في فيديو الأغنية صورا لبيوت صنعاء الشامخة، وجبال اليمن المفروشة بالاخضرار، وغضاضة الأرض التي تبدو كطفلة أصغر بكثير من أن تصييها كل هذه الجراح، وأيوب يغنّي على لسان مغترب طار إلى بلاد بعيدة:
“جَنَّحت واجناحي حديد لا ريش
فارقت أرضي حيث أحب واعيش
لا أين، لا أي البلاد، ما أدريش”
كنتُ أسمع الأغنية وأفكّر في السائرين تلك اللحظة بلا أجنحة على أرض أحلام مجدبة وتحت سقف توقعات منخفض نحو أعمالهم البسيطة، نحو دكاكين لا يملكونها، ووظائف بلا أمان وظيفي، وبسطات في هجير الشمس والاغتراب، وبناشر يقضون في لهيب حرارتها وبين سواد زيوتها وضجر مساحاتها أكثر مما يقضون في خضرة بلادهم البعيدة، وأيوب على لسان هذا المغترب يغنّي:
“لا شيء في روحي سوى اشتياقي
للنهر، للرعيان، للسواقي
ولهفتي لفرحة التلاقي
لمن فؤادي في هواه باقي”
ومن أغنية إلى أغنية، عثرتُ أخيرًا على الأغنية المنشودة، أو تعثّرت بها، الأغنية التي سمعتها لأول مرة في ٢٠١١ العام الذي مسّنا فيه الأمل، وتأثرت يومها، غير أني حلمتُ أن يأخذنا الربيع إلى الازدهار لا الدمار، فكان تأثري مسنودًا بالأمل، فلم أخش الاستماع إلى الأغنية لذكراها الغضّة في قلبي… سمعتها، وأدركت أن الأمل قد يكون أكثر إيذاءً من اليأس، لم أتمالك دموعي، حتى أنّ ذهني حرّف الكلمات في لحظة من “اليمن تنتظركم يا حبايب بالأحضان” إلى “اليمن تنتظركم يا حبايب بالأحزان”
“وامفارق بلاد النور وعد اللقاء حان
الوفاء للوطن يدعوك لبّي النداء الآن
لا تغيبوا كفى غربة ولوعة وأحزان
اليمن تنتظركم ياحبايب بالأحضان
يا أحبة رياض الأنس صحرا وقفرة
الحزن بعدكم أطفأ شموع المسرّة
والندى في الحقول يبكي على كل زهرة
والأماني تناديكم بأعشاش الأشجان
ياغريب الوطن يكفيك غربة وأسفار
الوفاء دين يالله شرّفوا الأهل والدار
لُمْ أحبابنا ياشوق من كل مهجر
دق ناقوس جمع الشمل في كل محضر
لأجل حزن الشجي المهجور يسلى ويستر
والأماني بأوتار القلوب تعزف الدان”

فيا ربّ ‏أعدْ البلاد (السعيدة) سعيدة، وانثر على خضرة أرضها وشموخ جبالها وطمأنينة وهادها الخير والسلام. افتح لدعوات أهلها المتعبين سماوات رحمتك بلا طائرات تنتهكها، أو قذائف تضيّق المدى بدخانها… ومتّع أطفالها بهواء أكثف من الرصاص، وساحات لعب أوسع من المقابر.
وارحم المغتربين بعيدا عن (بلاد النور) الكادحين بلا (وعد لقا حان) وبلا قناديل تضوّي في لياليهم… ارحمهم من لوعة الاغتراب، وقسوة (حنين المفارق) ومن شحّ الألم، ومن بأس اليأس. واعدهم إلى بلاد تنتظرهم بالأحضان، لا بالأحزان.
……..
Listen to وا مفارق بلاد النور – ايوب طارش by Hani Abdulkarim 4 on #SoundCloud

استخدامات متعدّدة لخبر واحد

في مطبعة الصحيفة، تربّع الخبر على الصفحة الأولى محفوفًا بصور أشخاص يرتدون البشوت المقصّبة بالذهب والفضة، وكرّر تربعه في الصفحة الأولى من أعداد الطبعة كلها… نام مزهوًّا بهيمنته، وفي الصباح التالي تكدّست أعداد الصحيفة في سيارة الموزّع وشعر أصحاب البشوت بحرارة خانقة، لكنّهم وجدوا أن حالهم خير من حال المحبوسين في أخبار الصفحات الداخلية الذين كانوا يذوبون من الحرّ وانعدام الهواء في تلك اللحظة حتى أن أحد الأشخاص الممددين في الصفحة قبل الأخيرة على خبر صغير يستجدي تكلفة علاج صاحب الصورة كان قد شهق شهقة طويلة وصمت إلى الأبد قبل أن تخرج الصحيفة من سيارة الموزّع.

في (البقالة الكبيرة) ارتصّت أعداد الصحيفة خلف شبك حديدي مع أعداد أخرى من الصحف، كان الخبر يمدّ قدميه براحة في الصفحة الأولى تحت ترويسة الصحيفة ويراقب المتسوقين من مكانه على الحامل الحديدي، هاله أن غالبية الناس يمرون بعرباتهم المحتشدة بالمأكولات من أمامه دون أن يلتفتوا إليه، بل إن بعضهم كان يحمل الصحيفة ليتصفحها دون أن ينظر في الوجوه الصقيلة التي تحف الخبر، بل يفتح الصحيفة مباشرةً من الصفحات الأخيرة بحثًا عن الأخبار التي تثير الضوضاء بهتافات الجماهير وصفارات الحكّام وارتطامات الكرة… ثم يعيدها إلى مكانها غير مبالٍ بوجهها المصقول وعناوينه العريضة والبشوت المقصّبة…

في مطعم متواضع يجاور بقالة الحيّ كان العامل الآسيوي يمدّ صفحات الصحيفة التي تتمدد عليها هذه الوجوه المتعالية تحت صحون الكبدة والتقاطيع، والزبائن يأكلون دون أن يتنبهوا لإشمئزاز الصور من طعامهم وطريقتهم في مضغه. وفي بيت مجاور كانت ربّة البيت الجميلة تجعّد الصفحة التي تتضمن الخبر بعنف وتبلّها في الماء وتمسح بها مرآتها لترى وجهها بوضوح غير مبالية بالوجوه التي كومتها فوق بعضها في طيات الصحيفة المتهالكة بين يديها…

في المساء، كان الخبر الذي عاش يومًا قاسيًا قد فقد ذاكرته وخُلِق بذاكرة بكر في مطبعة الصحيفة التي أعادته إلى واجهة العدد الجديد بصحبة الوجوه المصقولة ذاتها، مع لمعة الخيوط المذهبة على (البشوت)، مع العبارات المعلّبة المنمقة، وكان ينام بهدوء على مساحة الصفحة الشاسعة وهو لا يعلم أي صباح ينتظره.

3% .. قراءة ذاتية. لسيمون أمل

“ينقسم هذا العالم إلى قسمين، وافر ونادر. وبينهما هناك (عملية اختيار)”
بهذه العبارة يبدأ مسلسل (3%)، الذي يعرض على شبكة نتفليكس، في موسمين حتى الآن. تقوم الفرضية على أن الموارد لا تكفي لحضارة تحقق الرفاه لكل البشر، فعلى الأجدر أن يثبت أنه يستحق الرفاه بجدارته، لا مجال للتوريث، لا مجال للعلاقات، لا مجال للرحمة ولا المحاباة، عليك أن تكون جديرا بالعيش في مركز الحضارة.
على الطرف الآخر هناك الثائرون على هذه الفكرة، إن الحضارة التي لا يستمتع بها سوى 3% هي حضارة غير عادلة، لابد من العدالة الاجتماعية والمساواة، لابد من الثورة على هذا النظام. هنا تبدأ الجدلية.
ليست الجدلية وحدها بين فكرتين، بل تدخل جدليات أخرى دوافعها النوازع البشرية وغلافها الفكرة، هناك من يرغب بالانتقام، لأن الحضارة المركز قتلت جزءا من عائلته، أو لأنه بكل بساطة فشل في الوصول، وهناك من كان ثائرا حتى وصل، ولم يكن سهلا عليه أن يقاوم إغراء الوفرة. وأيضا هناك من قبل أن يكون ضمن 97% فقط لأنه فشل في الاختبار، ولم يكن جديرا، فدخول الاختبار يعني إضفاء المشروعية على النظام حتى لو لم تنعم بامتيازاته.
هنا منطق بمقابل منطق، فكرة بمواجهة فكرة، إذا كانت الموارد لا تكفي سوى لجزء بسيط من البشر، في جغرافيا محددة، فعلى أي أساس سيتم اختيار المحظيين بها! لنفترض أننا تقدمنا بالفكرة نحو العدالة، وقلنا إن من يستحق الوفرة والتنعم بالحضارة هو (الأجدر)، وحتى نعرف الأجدر علينا أن نقيم اختبارات عادلة. لكن ماذا عمن يولدون بقدرات عقلية أقل، وماذا عمن ينشؤون في عائلات بمستويات تربوية وتعليمية أضعف، وماذا عن المعاقين، وماذا عن الفقراء الذين لم يتحصلوا على تدريب جيد!
هل يستحق الإنسان المساواة لأنه إنسان أم لأنه أجدر؟! في حين تبدو الجدارة عادلة جدا، فإنها معيار هزيل جدا.
لكن هل الجدلية هنا حول الأكثر عدالة، أم حول طبيعة الحياة نفسها؟! لا يهم بأي فكرة تؤمن، المهم جوهر الحياة على أي أساس يقوم؟! قد تكون مؤمنا بأن العدالة ترتبط بالإنسان وليس بجدارته، لكن الحياة لا تقوم على هذا.
نحن نعيش في كون محدود الموارد، بإمكانك أن تقفز بالحضارة آلاف الخطوات للأمام، لكنك لن تستطيع أن تعمم الفكرة على الكرة الأرضية بأسرها.
لنأخذ فكرة محددة، استطاعت الحضارة الغربية أن تتقدم في صناعة الأدوية، لأن سوقها نشأ في أحضان الرأسمالية، فأغدقت الشركات أموالها على الأبحاث العلمية، واستقطبت أفضل العقول، بأموالها، وليس بمبادئها الأخلاقية. فلن يترك الطبيب عيادته، ولا البروفيسور جامعته إلا بدخل مضاعف. وحتى تتمكن هذه الشركات من متابعة أبحاثها الضخمة والمتقدمة، لابد من أن تقدم علاجاتها الناجعة بمبالغ باهظة، ليس بسبب كلفة التصنيع، وإنما بسبب كلفة الأبحاث. نحن هنا أمام تقدم هائل في صناعة الادوية، ولكن المفارقة أن أدوية الملاريا التي يتم تطويرها في هذه الشركات، لا يستطيع المرضى شراءها في المناطق الموبوءة بها (قرابة مليون مصاب في الهند). وينطبق هذا أيضا على أدوية السل. إذن، لمن هذا التقدم، إذا لم يكن متاحا للبشر المحتاجين إليه؟!
هذا ما يقوله المعارضون، بينما يصر المؤيدون لسياسة الشركات متعددة الجنسيات على أنه لا بديل عن هذه المنظومة، فدعوات محاربة الثراء الفاحش الذي يجنيه العلماء والباحثون في هذه الشركات لن تجدي نفعا، لأن استقطابهم وعملهم الدؤوب، ورغبتهم الدائمة في تطوير معارفهم وتجاربهم مبنية على هذا الدخل المرتفع، وليس على قيم أخلاقية منفردة.
الحضارة لا تقوم على التطوع وإنما على النفع، هذا هو باختصار شعار الرأسمالية، التي يعتقد المدافعون عنها بأنه طبيعة الحياة.
ماذا لو كانت طبيعة الحياة تقوم على الأجدر وليس على المساواة، الحياة تنتخب الأقوى، هذا هو الواقع، اقبله أو اتركه، ولا تحاول عبثا أن تصلح ما لا يمكن إصلاحه، لأنك ستكون دائما الهامش الذي يخفف المعاناة ولا يصلح العوج.
العدالة استثناء في هذه الحياة، والصراع أصل، الحروب أصل، شراهة الإنسان أصل، تمركزه حول ذاته أصل. ستكون حقوقيا، وستكون مناصرا للضعفاء، والمرضى، واللاجئين، وستحارب الظلم، والسجون، والتعذيب، وستنجح في التخفيف، ربما، لكنك لن تخلق منظومة بديلة، لأن ما تدعو إليه ضد الحياة، ضد ما قامت عليه، الصراع وانتخاب الأقوى.
أقم دولة العدل، وستنحرف عن مسارها بعد جيل واحد. أو بالأحرى: أقم استثناء العدل، وستعود إلى مسارها الطبيعي بعد جيل واحد.

عذابات الذاكرة، أم إعادة تدوير الأخطاء

قبل شهور كنت أعيد ترتيب جميع أغراضي ومقتنياتي، انهمكت في العمل لأيام، ببطءٍ شديد، ووقوف متكرر. أوراق محتشدة بذكريات عُمر مضى أتوقف أمامها طويلًا فأختنق، صور لأشخاص كبروا ومازالوا معي لكنّي فقدتهم إلى الأبد، وهم أيضا فقدوا كل ما كانوا عليه… رسائل صديقات تخطفتهم الحياة، أو تخطفهم الموت… عشتُ أكثر من عشرة أيام وسط الماضي الذي أرتّبه وأعاني أثناء ترتيبه من نوبات اختناق متتابعة، عملية جرد للذاكرة، وجلد للذات. أسأل نفسي ما جدوى الاحتفاظ بكل هذا ما دمتُ عاجزة عن إيجاد صيغة للتعايش السلمي معه، فقد أيقنت منذ سنوات قليلة أنّ أفضل طريقة للتعايش مع نفسي هي المُباعدة بيني وبيني، بحيث لا أدوّن شيئًا يُذكرني بما أنا عليه الآن، ولا أوثّق أي شيء قد يعترض طريق النسيان.
في (الأشجار واغتيال مرزوق) يقول عبد الرحمن منيف: “لولا النسيان لمات الإنسان لكثرة مايعرف، لمات من تخمة الهموم والعذاب والأفكار التي تجول في رأسه” فالنسيان هو الخلاص الفردي الدنيوي، في دنيا لا تعدنا بشيء، ولذا لطالما تمنيت أن أفقد ذاكرتي فجأة، أو أن أملك القدرة على ترتيبها على الأقل، فأواري الشوك خلف الهشيم، وأفتش عن الاخضرار في أيامي الحالية فأترك له الواجهة، كرصيف تزيّنه أشجار مُرائية غُرِسَت بين يومٍ وليلة كي تتهيأ الشوارع لاستقبال ضيوف من مستوى خاص.
أتمنى أيضا أن تكون لديّ صلاحية المحو والكتابة في ذاكرة الآخرين، فأقتص منها المشاهد التي يُعذّبني مرورهم بها، ويعذبّهم بلا شك. وأنتقي لهم ألوان الواجهة وأكتب اللافتات التي تدلّهم على النسيان، وتدلّ أفراح الأمس على الطُرق التي تستدرج خطواتهم اليوم.
في قصة (أشيائي المنسية) لماريو بينديتي تستيقظ فتاة على كرسي حديقة وهي لا تعرف أي شيء، لا تعرف اسمها، ولا عمرها، لا تعرف في أي يوم تعيش، ولا تتعرف على المكان الذي استيقظت فيه، ولا تتعرف على وجه الرجل الذي يحدّق فيها وتشعر أنه تعرّف عليها ويرغب في بدء الحديث معها، فتتوجس منه “تخشى أن يُدخلها ذلك الشخص في ماضيها، فقد كانت تشعر بسعادة عارمة في نسيانها للماضي” يسألها: هل أصابك شيء؟ فتقول: إنها استيقظت للتو في هذه الحديقة بذاكرة بكر، لا تعرف شيئًا، حتى اسمها لا تعرفه… يأخذ الرجل بذراعها، وتنقاد إليه بشعور سائحة تستكشف، تذهب معه إلى شقته، يقدم لها الويسكي والثلج، يسألها من جديد عن اسمها، تقول إنها لا تعرف، فيضحك ويقول بتهكم (ملكة جمال النسيان) وكلما تقدم الوقت ونمت اللحظات بينهما يصير الرجل الذي سلّمته ذراعها وسارت معه بكل ثقة أقل جاذبية وأكثر ابتذالًا، وكأن تراكم الذكريات يُطفئ الأشياء ويجعلها باهتة وبالية. يتكشّف سعار الرجل، يحاول انتهاك جسدها، تقاومه، تضرب رأسه بزجاجة الويسكي وما أن يتراجع حتى تستغل الفرصة للهرب، تخرج من الباب وتركض على السلالم بفزع وهي تقول: “عليّ أن أنسى هذا، عليّ أن أنسى هذا” وتصل إلى الحديقة التي استيقظت فيها من قبل، تجلس على المقعد ذاته، تُلقي برأسها إلى الخلف وكأنها في حالة إغماء. بعد وقت تستيقظ الفتاة من جديد على كرسي الحديقة وهي لا تعرف أي شيء، لا تعرف اسمها، ولا عمرها، لا تعرف في أي يوم تعيش، ولا تتعرف على المكان الذي استيقظت فيه، ولا تتعرف على وجه الرجل الذي يحدّق فيها وتشعر أنه تعرّف عليها ويرغب في بدء الحديث معها، فتتوجس منه “تخشى أن يُدخلها ذلك الشخص في ماضيها، فقد كانت تشعر بسعادة عارمة في نسيانها للماضي” يسألها: هل أصابك شيء؟ فتقول: إنها استيقظت للتو في هذه الحديقة بذاكرة بكر، لا تعرف شيئًا، حتى اسمها لا تعرفه… يأخذ الرجل بذراعها، وتنقاد إليه بشعور سائحة تستكشف…
أفزعتني هذه القصة في قراءتي الأولى لها، النسيان الذي طالما رأيته كحبل إنقاذ هو المصيدة هُنا، هو الحبل الذي يلتف على ساق الفتاة ويجرّها إلى تكرار الخطأ ذاته، وإلى الانقياد إلى الرجل السيئ في كل مرة دون أن تعرف أنها كانت قبل قليل هاربة منه وهي تقول: “عليّ أن أنسى هذا، عليّ أن أنسى هذا”
في قراءة ثانية للقصة حاولت أن أتصوّرها بالسيناريو المُعتاد، تصوّرت لو أن الفتاة تستيقظ بعد مأساتها وهي تعرف كل شيء، تعرف اسمها وعمرها واليوم الذي تعيشه وتتعرف على الحديقة التي لاذت بها فرارًا من الرجل المريع الذي يُحدّق فيها وتخشى أن يعتدي عليها من جديد، وبدلًا من أن تُسلمه ذراعها بشعور سائحة تستكشف، ستطوي ذراعها في حضنها وتمنع يديها من الامتداد ليده وستفكّر ألف مرة قبل أن تضع يدها في يد غيره أيضا، وستغدو كل الدروب متوحدة مع السلالم التي ركضت فيها وهي تقول: “علي أن أنسى هذا” بإلحاح أجفل النسيان.
فإن كان النسيان يعذّبنا في كل مرة بتكرار الأخطاء، فإنّ الذاكرة تعذّبنا باحتمالات الوقوع في الأخطاء قبل حدوثها.

آخر مقابلة للطّبيب النمساوي “سيغموند فرويد”.

ترجمة: أروى الحسين

‏درسَ سيغموند فرويد (1856-1939) مؤسس علم التحليل النفسي النمساوي الطب في فيينا. وواصل تدريبه في باريس، اشتهر فرويد بنظريات العقل واللاوعي، وآلية الدفاع عن القمع وخلق الممارسة السريرية في التحليل النفسي لعلاج الأمراض النفسية عن طريق الحوار بين المريض والمحلل النفسي. كما اشتهر بتقنية إعادة تحديد الرغبة الجنسية والطاقة التحفيزية الأولية للحياة البشرية، فضلا عن التقنيات العلاجية، بما في ذلك استخدام طريقة تكوين الجمعيات وحلقات العلاج النفسي، ونظريته من التحول في العلاقة العلاجية، وتفسير الأحلام كمصادر للنظرة الثاقبة عن رغبات اللاوعي. في عام 1938م هاجر إلى المملكة المتحدة. ومات بسبب سرطان الحنجرة.

‏”لقد علّمتني 70 عامًا أن أقبلَ الحَياة بصدرٍ رحِب”. من يقولُ هذا هو المُستكشف العظيم لأعماق الروح. لا يُوجد بشري آخر مثل فرويد اقترب من إيجاد تفسير للسلوك الإنسَاني.

‏أجرينا هذا الحديث خلال إقامته الصيفية في منزله القريب من جبال الألب. كان وجههُ يتقلص كما لو كان يُعاني لكن عقله بقي في حالة تأهب دائمًا، شعرتُ بالقلق بسبب الصعوبة التي واجهها في الحديث. فقد خضع مؤخرًا لعملية جراحيّة بسبب مرضٍ خبيث في فكّه العلوي.

‏س. فرويد: أنا أكرهُ هذا الفكّ الصّناعي. الصراع معه يجعلني أضيّعُ طاقة ثمينة. لكني أُفضّل أن يكون لديّ فك صناعي بدلًا من عدم وجود أي شيء، والبقاء على قيدِ الحَياة. تُصبح الحَياة مستحيلة عند تقدمنا في العُمر. لكن الربّ يُظهر الرحمة والتعاطف، يبدو لنا الموت أقل تسامحًا من الأعباء المتعددة التي نتحمّلُها، لماذا يجبُ أن أتوقع مُعاملة خاصة؟ الجميعُ يشيخ ويموت. بعد كُل شيء لقد عشتُ 70 عامًا، دائمًا ما كانَ لديّ طعام يكفيني، استمتعتُ بأشياء كثيرة، ولديّ تلك الصَداقة الحميمة مع زوجتي وأطفالي.

جورج س. فيريك: تأثّر الكثيرونَ بأعمالك ونُشر بعضها في العديد من البُلدان، وبمناسبة عيد ميلادك السبعين، حصلتَ على تهنئات عديدة، باستثناء جامعتك، هل تعرفُ لماذا؟

‏س. فيرويد: إذا كانت جامعة فيينا قد اعترفت بي لكنتُ شعرتُ بالخجل، لا يُوجد سبب يجعلهم يعرفونني لمجرد أن عمري 70 عامًا، أنا لا أُعطي أهميّة كبيرة للأرقام، الشهرة تأتي بعد الموت، وفي الحقيقة ما يحدثُ بعد ذلك لا يُقلقني، أنا لا أرغبُ في الحصولِ على المجد بعد وفاتي.

جورج س. فيريك: ألا يعني ذلك أن اسمك سيبقى؟

‏س. فرويد: لا شيء أبدًا. مستقبلُ أولادي يُهمني أكثر من أي شيء آخر. آملُ ألّا تكون حياتهم صعبة، لم يعد باستطاعتي مساعدتهم. الحرب (الحرب العالمية الأولى) أنهت عمليًا ثروتي المتواضعة، لكني أنقذتُ نفسي لحُسن الحظّ، ما زالَ عملي يُسعدني.

‏(مشيْنا عبر الحديقة في منزله -ضربَ فرويد شجيرة بلطف) أنا مُهتم بهذه النباتات أكثر من أيّ شيء قد يحدثُ عندما أكونُ ميتًا.

‏جورج س. فيريك: ألا ترغبُ بالخلود؟

‏س. فرويد: بصراحة، لا. عندما يتخيلُ المرء كُل تلك الأنانية وراء السلوك البشَري فإنهُ لا يرغبُ في أن يُولد من جَديد. يسُرني أن أعرف أن مرض الحَياة الأبدية قد انتهى أخيرًا. حياتنا تتكون من سلسلة من الالتزامَات. إنهُ صراع لا نهاية له بين الأنا وبيئتها، الرغبة في إطالة عُمر الحيَاة الطبيعية تبدو سخيفة، لا يُوجد سبب يجعلني أرغبُ في العيش أطول، أنا سعيدٌ لحدٍ مَا لأنني أُقدّر غياب الألم للحظات ما يعجلني أستمتعُ بملذات الحَياة الصغيرة بجانبِ أطفالي وزهوري.

‏من المُمكن أن الموت بحد ذاته ليس ضرورة بيولوجية. ربما نموت لأننا نُريدُ أن نموت، كما هو الحَال في أعماقنا، قد تعيشُ الكراهية والحُب معًا في قلب شخصٍ ما، كذلك الحَياة؛ ‏تتعايشُ الرغبة في الموت والرغبة في الحَياة في داخلنا، الموت هو شريك الحُب. معًا يحكمون العالم. في أصلِ التحليل النفسي، أفترضُ أن الحُب هو الأكثر أهميّة، نحنُ نعرف الآن أن الموت مُهم بنفسِ القدر. من الناحية البيولوجية، كل كائن حيّ، مهمَا كانت نارُ الحياة تحترق بداخله، يميلُ إلى السَكينة، ويريدُ أن يُشفى من تلك الحمى التي تُسمى “الحيَاة” يُمكننا أن نفترض فكرة أنّ الموت يصل إلينا لأننا نُريد ذلك.

‏ربما يُمكننا التغلب على الموت، لولا الحليف الذي بداخلنا، لذلك يُمكننا القول أن كل موت: هو انتحار سرّي.

‏جورج س. فيريك: ما الذي تعملُ عليه الآن؟

‏س. فرويد: أكتبُ دفاعًا عن التحليل النفسي العلماني. إنهم يُريدون جعلهُ عملًا غير قانونيّ، في البداية يُعارض الأطبّاء بشدة أيّ حقيقة جديدة، بعد ذلك مُباشرة، يحاولون احتكارها.

جورج س. فيريك: هل قمتَ بتحليل نفسك حتى الآن؟

‏س. فرويد: يجبُ على المُحلل النفسي أن يحلل نفسه باستمرار، ذلك يزيدُ من قدرتنا على تحليلِ الآخرين، يُشبه المحلل النفسي كبش فداء العبرانيين حيثُ يلقون بآثامهم عليه.

جورج س. فيريك: لطالما اعتقدتُ أنه ما من شيء في الوجود الإنساني لا يُساعدنا التحليل النفسي على فهمه.

‏س. فرويد: التحليلُ النفسي يُعلمنا كيف نتجاوز، لأن التسامح ليس نتيجة طبيعية، لغتي هي الألمانية. ثقافتي ألمانية، اعتبرتُ نفسي ألمانيًا حتى أدركتُ أن التحيزات المُعادية للسّامية تتزايد في ألمانيا والنمسا منذ ذلك الحين، توقفتُ عن اعتبار نفسي ألمانيًا

‏(شعرتُ بخيبة أمل. كما رأيُتها فيه، كانت روح فرويد لتطيرَ عاليًا متجاوزة أي تحيّز عرقي، ومع ذلك فإن سخطه، جعله إنسانًا أكثر جاذبية)

جورج س. فيريك: من دواعي سروري أن أكتشفَ يا أستاذ هذا المجتمع من حولك.

‏س. فرويد: مجتمعاتنا هي سببُ ضعفنا، ولكن أيضًا هي ما تمُدنا بالقوة.

جورج س. فيريك: أحيانًا أتساءل عمّا إذا كنا سنكون أكثر سعادة عندما نعرفُ ماهيّة تلك العمليات التي تشكل أفكارنا وعواطفنا؟

‏س. فرويد: التحليل النفسي يُجرد الحياة من سحرها عندما نربط كل هذه المشاعر بالمجتمعات التي تنشأ منها. لنجد أن لدينا قلب وحشيّ، مُجرم، وذلك لا يجعلنا أكثر سعادة.

‏لكن ليسَ لديّ شيء ضد الوحوش، إنهم لا يُعانون من تفكُك الأنا الذي ينشأ عن مُحاولة الإنسَان للتكيّف مع قواعد الحضارة. التعاسَة هي طريقة الرجل للانتقام من المجتمع بسبب القيود التي يفرضها عليه. إن أكثر عادات الإنسان السيئة: الكذب، الضعف، عدم الاحترام: هي نتاج تكيُّف غير كامل لحضارة معقدة. إنها نتيجة الصراع بين غرائزنا وثقافتنا. لكنها نتائج مرضية أكثر بكثير من العواطف البسيطة للكلب الذي يهز ذيله عندما يكون سعيدًا أو ينبح ليُظهر الغضب!

جورج س. فيريك: ربما أنت مسؤولٌ قليلًا عن مضاعفات الحضارة الحديثة. فقبل تأسيس علم التحليل النفسي لم نكن نعلمُ أنّ شخصياتنا تكون تحت سيطرة مجموعة محاربة من المجتمعات. لقد حول التحليل النفسي الحياة إلى لغزٍ مُعقد.

‏س. فرويد: أبدًا، التحليلُ النفسي يبسِّطُ الحياة. بعد المراجعة، حققنا توليفة جديدة. التحليل النفسي يعيد تنظيم متاهة النبضات الغير مُنتظمة، إنه يعطي الإنسان الخيط الذي يسمح له بمغادرة متاهة اللاوعي.

‏لا تجعلني أبدو مثل متشائم. أنا لا أحتقرُ العالم. إظهار الاحتقار للعالم هو مجرد وسيلة أخرى لإغرائك للاعتراف به. لا، أنا لستُ متشائمًا. لديّ أولادي وزوجتي وزهوري. أنا لا أشعرُ بالتعاسة. على الأقل، ليس أكثر من الآخرين.

‏*أجرى هذه المُقابلة جورج سيلفستر فيريك عام 1930م

نحو حياة ضد الحياة. مقال: سيمون أمل

توارث الإنسان التحيز نحو الحياة، أو بلغة دينية (فُطر) على ذلك، أو بلغة علمية (تطور) ليعي ذلك. إن أحداثا ما في تاريخه الطويل رسّخت في وعيه التمسك بالحياة، والرغبة بالنجاة، والخوف من الهلاك.. أيا يكن، يتفق الجميع على أن الإنسان بطبعه يتمسك بالحياة لآخر رمق فيه.
حين علق ديستويفسكي على المشنقة في إعدامه الوهمي، قال لو خيروني بين الموت، وبين أن أقف على حافة جبل، برجل واحدة، طيلة حياتي، لاخترت الوقوف.
هذا التحيز نحو الحياة تحول إلى تضامن موضوعي معلن، رغم اختلاف البشرية في كثير من الأمور الجوهرية في الإنسان. فقد يختلفون في ماهية الفطرة، والميل الجنسي، لكنهم يتفقون جميعا في التمسك بها، بل ويعدونه واجبا تجاه الغير. فحين يشعر إنسان ما بالعدمية وفقد الرغبة بها، أو يشير إلى الانتحار ولو تلميحا، يدق ناقوس الخطر، ويتضامن الجميع لمنع حدوث ذلك. لا يشك الأطباء في أن فقد الرغبة في الحياة علامة أصيلة على الاكتئاب، ويتم التدخل العلاجي مباشرة عبر الأدوية والجلسات، وهي الحالة التي يرى الطبيب فيها نفسه مكلفا بالإبلاغ عن مريضه سواء لأهله أو لمن يستطيع منعه، رغم أنه مسؤول أخلاقيا عن حفظ سر مريضه.
أعلم أن كلامي يبدو غريبا، لأن الجميع يتضامن ضد فقد الرغبة في الحياة، وليس ضد الموت. وهذه مفارقة مهمة. فلا تمانع الأديان ولا الأوطان ولا العائلات ولا أخلاقيات الشهامة والخير، أن يموت الإنسان لأجل مبادئه أو ما يسعى إليه، بل يتم حثه على ذلك، كالموت في سبيل الدين أو الوطن مثلا، وحتى إن لم يكن ذلك ضروريا، كحروب التوسع، وبناء الدول والإمبراطوريات، أو حتى التعصب لعرق أو لغة.
مفارقة أخرى، حين لا يبالي الإنسان بوجود الفقراء والمعوزين، والذين لا يحصلون على الحد الأدنى من العيش الكريم، فيكفي وجودهم على قيد الحياة. إن المبالاة التي يبديها الإنسان تجاه ما يزيد على 800 مليون جائع من أبناء جنسه، هو نشر أرقامهم، ونثر فتات حضارة المركز على الأطراف، وترك هامش من البشر يبحثون في مرحلة ما في حياتهم عن انتماء أو فعل للخير أو معنى لوجودهم، يؤدون دورا غير مؤثر لأولئك. لكن لو قرر مليار من البشر أن ينتحروا ويرحلوا عن الحياة فسيكون الخبر صادما أكثر من وجعهم اليومي لعدم القدرة على العيش الكريم.
هذه المفارقات تبدي إلى أي حد يفزع الإنسان حين يجد إنسانا آخر لا يجد جدوى من وجوده، ولنطرح هذا السؤال: لماذا لا تبالي الأديان ولا الأوطان ولا الأطباء بموت أعداد غفيرة لقضية وطنية مثلا ولو كانت موهومة، بقدر فزعها بانتشار فكرة تحث الناس على مغادرة الحياة؟!
لا أمانع إن وجد قارئ ما سؤالي هذا غير منطقي، فكما قلت أنا على يقين بأن أكثركم متحيز نحو الحياة ولا يقدر على الرؤية بغير هذا المنظار، ولذلك سيرى كل هذه المقارنات والمفارقات فذلكات سخيفة. أيا يكن، إن من يموت لأجل الوطن أو قضية ما ولو كانت موهومة، كما هو الحال في أغلب الحروب، فإنه يقبل بنظام الحياة ابتداء، ثم يقبل الموت ضمن هذا النظام. أما من يرغب بالانتحار لعدم جدوى وجوده، فإنه يرفض النظام أساسا، ويثور عليه من خلال الموت. إذن، المشكلة ليست في الموت، ففي كلتا الحالتين يمضي الإنسان نحوه، وهذا يعني أن البشرية لا تكترث كثيرا بموت الإنسان الآخر، كما أنها لا تكترث بانعدام الحد الأدنى من العيش الكريم، وبألم ووجع الإنسان، قدر اكتراثها بعدم التحيز نحو الحياة، برفض نظام الحياة، بالثورة على هذا النظام، والوقوف ضده من خلال إدارة الظهر له والرحيل عنه.
إن الأديان والأوطان وكل الأفكار والأيديولوجيات الشاملة، سواء كانت شموليتها ناعمة أم صلبة، مباشرة أم غير مباشرة، وحتى الأفكار غير الشمولية، تتغذى على قبول الحياة أولا، ومن خلال قبول النظام تطرح نفسها كأفضل حل لإدارته، وتعد بالسعادة فيه والعدل والرفاه. هذا يعني أن رفض الحياة رفضٌ لكل هذه الأفكار والأيديولوجيات، وقطع الحبل السري الذي تتغذى عليه. إنها ثورة على الحياة، وثورة على كل من يتغذى عليها، ويعد بمستقبل أفضل سواء في الحياة أو ما بعد الموت.

***
فيكتور فرانكل صاحب نظرية العلاج بالمعنى والطور الثالث من أطوار التحليل النفسي الفرويدي، بعد تجربته القاسية في معتقلات النازية، والتي مارس دوره المهني فيها والأخلاقي، بالتحيز نحو الحياة مهما كان الألم، كانت نظريته (العلاج بالمعنى) من أجل البقاء، هكذا بكل وضوح. كان فرانكل يعتقد أن لكل إنسان معنى يعيش لأجله، وحين يتم استفزاز هذا المعنى فإنه يجد سببا للبقاء، وغالبا ما يكون هذا المعنى خارجا عن الذات، كحب الآخر، أو الشغف بشيء ما. لكن فرانكل لا يهمه أن يكون هذا المعنى حقيقيا، فكل معنى يدفعك للصمود عليك التمسك به، وعلى المحيطين بنا أن يستفزوه بداخلنا. إنه صريح جدا بأن هدفه من (المعنى) هو العلاج، و (العلاج) يعني التخلص من العدمية، والمضي في الحياة. لنتذكر أن فرانكل كان في معتقلات النازية، وأن احتمالات النجاة، والعيش دون ألم قد لا تكون كبيرة بالنسبة للجميع، لكنه مع كل هذه المعطيات، يتحيز أيضا نحو الحياة.
لنتذكر هنا أيضا كل الجدل القائم حول (الموت الرحيم)، حين يكون مرضك مستعصيا، مؤلما، قاتلا، فإن البشرية لا زالت تجد حرجا كبيرا في تقبل فكرة مغادرة الحياة. وأن تكون ميتا دماغيا، أو تعتاش على أدوية (مخدرة) لتسكين الألم اليومي، أريح لضمير البشرية من إعلانك الرغبة في المغادرة.
إن حجة الأطباء نحو التدخل السريع لرغبة المريض في الانتحار، هي أنه مصاب بالاكتئاب، أي أنه تحت تصنيف المرض، وأن رؤيته ضبابية غير متزنة، وبالتالي هذا مسوغ أخلاقي للتدخل ولو بالقوة لمنعه. هذا التكتيك أيديولوجي بحت، وهو تعليل للتنمر على رغبات الإنسان. يقول الأطباء إن الإنسان بعد تجاوز أزمته النفسية سيعي أن رؤيته كانت ضبابية، وأنه سيحمد الله على تدخل الآخرين لمنعه، وهذا دليل كاف بأن رؤيته في تلك المرحلة السابقة لم تكن متزنة. لكن ماذا لو كانت هذه المعادلة مفبركة، وأنك حين تكون في كرب ما، وترى أن الحياة لا تستحق البقاء فيها، ثم تعبر الكرب ذاك، فإن السؤال الحقيقي هو: لو خيرناك بين مغادرة الحياة الآن أو استئناف كرب جديد مشابه أو متفوق على الكرب السابق، بعد كل ما اختبرت من الألم والمعاناة، فماذا سيكون اختيارك!
***
من الذي يمتلك فكرة أكثر منطقية و طبيعية، من يتحيز نحو الحياة، أو من يتحيز ضدها؟! طرح هذا السؤال مرفوض ابتداء عند الجنس البشري لأنه ضد (الدين)، وضد (الطبيعة البشرية)، ويهدد (البقاء). لكن هذا لا يمنع من الإصرار على طرحه، ما المنطق في التحيز نحو الحياة، لماذا، من أجل أي شيء. إن كل ما يقال عن الطبيعة البشرية والدين والبقاء هو نزعة يمكن وصفها بالأيديولوجية، ونستطيع تسميتها مثلا بأيديولوجية (الجنس البشري)، أيا يكن، وبإمكاننا الادعاء أن الطرف الآخر يملك منطقا مكافئا وربما متفوقا في بعض الجوانب دون الأخرى، لذلك لا أستطيع تفهم التحيز نحو الحياة سوى بوصفها (تحيزا)، دون الحاجة إلى منطقتها.
***
إذا أردنا مَنطَقَة الفكرة، فعلينا أن نجيب أولا على سؤالين مهمين، الأول: ما جوهر الحياة. الثاني: ما جوهر الإنسان. وعلى ضوء هذين الجوابين ستتضح العلاقة بين الإنسان والوجود، وعليه أيضا سنستطيع أن نقرر، أو أن يقرر كل فرد منا إن كان يقبل بهذا النظام أو يرفضه ابتداء. ومن الواضح أن الدخول في هذين الأمرين (الوجود، الإنسان) الذي هو جوهر الموضوع، هو في حد ذاته خروج عن الموضوع، ومتاهة جديدة لا يمكن الاتفاق عليها، وهذا ما يجعل الأمر محض فلسفة ذاتية مبنية على تجربة خاصة، وفق تطور خاص داخل الإطار العام للبشرية، تتجادل فيها الذاتية والموضوعية.
***
إلى الذين يرفضون منطق الوجود والحياة والإنسان، سنطرح السؤال التالي: هل البقاء هو نوع من العبث والعدمية، أو هو نوع من تقبل واقع مفروض علينا.
علينا ألا نتجاهل أنه سواء قبلنا بمنطق الحياة أو رفضناها، فإن هذا لن يؤثر على كون غريزة البقاء موجودة فينا، وأن الفزع من الفناء والبحث عن الخلود أيضا لا صلة له برأينا، وأن القلق والخوف من المجهول الذي هو طبيعة الموت وما بعده، أمر يجعلنا نتمسك بما نحن عليه الآن، وأن نهرب من انتظار الموت. هذا يجعل رفض الحياة ليس مساويا بشكل دائم لمغادرتها، فبإمكاننا أن نتخيل شكلا من أشكال البقاء مع الرفض. ذلك أن الإنسان لم يعي هذا الرفض إلا بعد وجوده، أعني الوجود بكل ما يعنيه ذلك. فليس سهلا عليه أن يقرر المغادرة بعد كل ما رسخ فيه من وعي وخبرة بشرية وحصار اجتماعي عالمي يرفض ذلك. فهل بالإمكان ان نعثر على حياة ضد الحياة؟! أعود إلى القول إن هذا جوهر الموضوع أيضا، الذي هو في حد ذاته خروج عن الموضوع، وانتقال إلى مبحث آخر.