ماشي الحال

أشعر بثقب في القلب، بعراء الأمكنة حين يُجتث منها أجمل مافيها، الناس والشجر والأُنس والحياة… لكنّ القلب امتلأ ثقوبًا ورتوقًا منذ زمن، اهترأ حتى صارت شقوقه منه، لم تعد طارئة عليه… ولذا (ماشي الحال)

كنتُ دائمًا أدنى من الحُب، أبعد من النسيان، أقف في مُنتصف المسافة، يفوتني غموض البدايات وسحرها، ولا أعرف راحة الوصول… لكن (ماشي الحال)

مُرغمة على الجلوس في المقعد المقابل للزمن، بفعل السأم والوحدة أماشي ألاعيبه أحيانًا، اتظاهر بتصديق مباهجه، لكنّي لا أصدّق، لا يحتال عليّ الزمن… لقد انكشفت أوراقه لي بعد أن غلبني كثيرًا. ولذا (ماشي الحال)

عرفتُ الخوفَ من الإقدام، عرفتُ الخوف من الإعراض، وعرفتُ الخوف من الاستمرار… تآلفتُ مع الخوف، والتآلف نقيضه، فقدَ الخوف وظيفته، روّضته ككلب حراسة يربض على بابي وينبح في وجه الخيبات… و(مشى الحال)

تطاردني الأسئلة، تخوض صراعاتها في أرضي لتصدّ عن قلقها طمأنينة الإجابات. تُدميني هذه الصراعات. لكنّي لا أستنجد بمن حرّضها عليّ، ولا أتحالف مع القادرين على إبادتها. أستسلم فقط حتى يمرّ الوقت فتخمد النار (ويمشي الحال)

أفتقدُ وأحنّ، وهذا الباب الذي لا يلمسه أحد، لا يطرقه أحد، ولا يمر عبره أحد… يموت واقفًا متجذرًا في الوحشة، فيتذكر ماضيه الحزين حين كان شجرة ميّتة أعياها وقوفها الطويل لتشهد على مواسم الجدب. لكنّ صمت بابي لا يزعج أحدًا سواي، شعوري بالفقد والحنين لا يلمس أحدًا سواي، ولذا لا أستدعي ولا أستدني أحدًا مهما ألح الحنين، لأنه (ماشي الحال).

قصة الخلق

(١) الكينونة:
في الْبَدء كانتْ الكلِمة، وكانت الكلمة بيدِ الله، كُلُّ شَيءٍ بِهِ كان، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ مِمَّا كان.
من الكَلِمة كانَ الإِنسان، من كلمة: “كُن” انبثقتْ كينونته، لكنّها كانتْ بكماء غير قادرة على إثبات وجودها، فمنحها الله (الكلمة) كي تقول: أنا هٌنا. لولا الكلمة لما كانت، لكنها ظلّت عمياء عرجاء. وبواسطة منحة الكلمة قالتْ الكينونة: بدّد ظُلمة عيني يا الله وأقمْنِي على قدميّ لأسلك الطريق. فخلق الله (الحُريّة) لأجل تضرّعات الكينونة، وبِهَا أبصرتْ واستبصرتْ، واستقامتْ على قدميها ونبتَ لنا جناحان.

٢) الحريّة:
في البدء كانت الأرض، وكانت الأرض بيدِ الصمت. من أنين أحد المطحونين تحت أقدام الأقوياء انبثق الصوت، جال الصوت يبحث عن حنجرة، فاستقرّ في حنجرة امرأة كانت تجول العالم بلا خوف وتجرّب صوتها في الأصقاع، كلما نطقت تدنو منها السماء، حتى امتزجت بها فجعلتها نبيّة، أكملت هذه النبيّة جولتها في العالم وهي تُبشّر الخلق بأول دين ينهى عن العبادة. تلك النبيّة اسمها (حريّة)

٣: (السِجن)
في البدء كان الربيع، وكان الربيع بيد الثوّار والأزهار. مع كلّ هتاف يخضّر غُصن، مع كل لوحة احتجاجية تنبت زهرة، مع كل شهيد يسقط يفرُّ عصفور من اليد ويعلو الشجرة.
اكتملت الحديقة، أو كادتْ تكتمل. كان ينبغي أن تكون مُستراحًا للثوّار، لكن الحارس القديم اشتراها، الحارس المطرود الذي يهوى العبث بالممتلكات العامة كَسَر الأغصان، داس الأزهار، والعصافير التي كانت على الشجرة تلتمس منه أن يُعيدها إلى اليد في أسوأ الأحوال لعلّها تصدّق أنها خير من عشرة على الشجرة، لكنّ الحرس القديم احتطبوا فروع الشجرة، الشجرة تلتمس منهم أن يصنعوا من جذعها مقعدًا في حديقة ليأنس بصحبة الأشجار ويتذكر حياته الأولى، لكنّهم أصرّوا على أن يصنعوا من جذعها التوابيت. ونقلوا العصافير من الشجرة، إلى قبضة اليد، ثمّ إلى صلابة القفص… ومن ذلك القفص انبثقت فكرة السجن أولّ مرة.

حدثني الضوء، قال:

حدثتني أعمدة الإنارة، عن الضوء، أنه قال:

– إلى السائر بمحاذاتي ثقيلًا بهمّه:
للرصيف الذي تذرعه جيئة وذهابا طابع العبور، مهما استوطنته خُطاك فإنها منذورة للرحيل، ولحزنك أيضا طابع العبور، ولحزنك أيضا محطّة للرحيل… فكل شيء يأتي ليذهب، كل شيء، حتى أنت.
***
– إلى امرأة تقطع مشوار ليليّ رتيب:
من خلف غلالتك السوداء التي تحجب عينيك، علّقي بصرك عليّ، أعرف أنك لن تبصري سطوعي على حقيقته وحدّته، لكن الغلالة التي تشتت نظراتك ستبدد وهجي، تموّهه، فيتسع في الفضاء، يتسع ويجابه الظلام.
***
– إلى الشارع الصامت في منتصف الليل:
لا أُبالي حين تمر بيننا هذه الساعات الثقيلة، ينام الناس ويشتعل أرقي، يتوهج… وأنت لا تثرثر بالضجيج إلا في النهارات، حين أنطفئ تعبًا بعد هذا السهر الطويل… لا بأس أيها الصمت، ألفت وحشتك، لا أبالي… لكنّي أرجوك أن لا تستوطن مكانًا غير الشارع، أرجوك لا تدخل إلى البيوت، لا تسكن بين الأحبة، لا تنم في سرير العائلة، ولا تتوغل في قلوب المحزونين.
***
– إلى المقاعد الخشبية المصفوفة على جانبي الطريق:
حين يحتلّك الفراغ، ويغادرك العُشاق، تذكري أيام كُنتِ أشجارًا وظلالًا، وتذكري رفاقك الذين صاروا حطبًا في مواقد اللاجئين. ولا تجزعي لأنّ معدنك الخشبي النبيل منذور للموت من أجل الآخرين.
***
– إلى سجين منسي يتذكر وقوفي على امتداد الطريق الذي كان آخر ما رآه لحظة اقتياده إلى مصيره:
أتذكر مشهد التأبين الصامت في عينيك المذعورتين، إن كنت تموت خوفًا من نسيانك حيث أنت، فإني أموت حزنًا من تذكّري لك…

نجاة الصغيرة دائمًا، نجاة الكبيرة أبدًا

هذه رسالة من إيناس، وإيناس بنت حلوة، بروح متوثبة، وضحكة لا تُنسى، وشخصية جذّابة.

التقيتها قبل سنوات في مسابقة أدبية كنت أحكّمها، فازت إيناس، ولم نتكلم معًا خلال تلك فترة المسابقة، لكننا صرنا نتبادل الحكايات فيما بعد بشكل متقطع على تويتر.

إيناس التي لا تعرف عني الكثير، وليس لها سابق معرفة عن معرفتي لنجاة، وقصتي مع نجاة، وحبي لنجاة… أرسلت لي مرة هذه الرسالة بشكل مفاجئ… ربطت بيني وبين نجاة بلا سبب… كل الذين يعرفونني حين كنتُ صبية بعمر إيناس، بمريول كحلي وجديلة طويلة يربطون دائمًا بين اسمي وبين صوت نجاة… لكنّ إيناس لا تعرفني، ومع هذا فقد التقطت رابطًا خفيًا، وأبهجتني…

‏نجاة، أعظم قصة (نجاة) عرفتها في حياتي، صوتها رفيق الأيام، كل الأيام…

في عمر الثامنة؛ عرفتٌ امرأة سحقتها الحياة بحزن النساء المنبثق عن إرثٍ ضخم من البؤس والخذلان والانكسارات، كانت قريبتي تلك حديثة عهد بالطلاق، انتزع منها الظلم ستة أبناء في عمر الطفولة، فارقتهم إلى بيت أخيها البعيد، فلا منجى للمرأة من رجل جائر إلا بيت رجل أقل جورًا، خيارات النساء المأساوية بين ظلم زوج أو ظلم أخ. كان لجارتنا راديو خشبي عتيق اشتراه أخوها ليستمع من خلاله إلى صفارات إنذار حرب الخليج الثانية، وبنهاية الحرب التي يمتهنها الرجال أحالت النساء ذاك الراديو إلى صندوق سحري يلازمهن ليستمعن من خلاله إلى الشجن والأغنيات.

كانت قريبتي تبكي لوعة على أبنائها الستة كلما بثّ الراديو أغنية تقول : (حبايبنا.. عاملين إيه؟ في الغربة.. وأخباركم إيه) وكنت أظن المغنية في ذاك الوقت تغني لحبايبها في (الغرفة). فقد كان قلبي الغض النّدي لا يعرف الغربة وأبعادها، وسنواتي السبع حينها لا تُدرك أبعادًا أوسع من أبعاد الغرفة. ولم أكن أعرف أن هذا الصوت الشجي هو صوت امرأة اسمها (نجاة).

و‏من حبايب نجاة الذين كانوا (في الغرفة) آنذاك، إلى عيون القلب التي اكتشفتها قبل عشرين سنة، ونجاة تغني في القلب، تغني صوت القلب، ودائمًا تنتشل قلبي، ومع كل الحكايات كانت (نجاة) هي النجاة، وستظل… ❤️

نجاة (عيون القلب) التي لا تنام، ولا أتعب من استغراقي فيهما. عرفت عيون القلب لأول مرة من رفيقة دراسة اسمها (سهام) أعطتني في آخر يوم في الاختبارات كاسيت أبيض مكتوب عليه: (عيون القلب) ما أن ألقمته جهاز التسجيل حتى أصابت قلبي سهام الصوت الشجي الذي أهدته إليّ (سهام)

تذكّرني نجاة ب(رشا) أيضا، (رشا) صديقة العُمر القديم التي لم تكن تُحب نجاة لكنّها اختطفت لي بعض كاسيتاتها من سيارة والدها الذي كان مثلي غارقًا ومستغرقًا في نجاة.

يمنحني وجود (نجاة) ضمن عالمنا شعورًا غامضًا بالطمأنينة والامتنان، حتى وإن كانت متوقفة عن الغناء، فأمثال نجاة لا يتوقفون وإن توقفوا، لا يرحلون وإن رحلوا، لا يغيبون وإن غابوا…. ومع هذا فإني حين أفكر في أنها مازالت على قيد الحياة، تنحلُّ بعض قيود الخوف من قلبي… وأبتهج.

كلّ هذا ونجاة غائبة، قصيّة، مُحتجبة، لا تقف على مسرح، ولا تحيي في حفلة، ولا تُنجدنا بأغنية.. فكيف حين أسمع أنّ لنجاة أغنية جديدة؟

أتذكّر دائمًا فيض المشاعر التي أغرقتني حين عادت نجاة إلى الساحة قبل سنتين بأغنية منفردة من شعر الأبنودي.

نجاة الصغيرة أبدًا غنّت أغنية جديدة، نجاة الكبيرة دائمًا غنّت أغنية جديدة، نجاة، نجاة..

في كليب الأغنية الجديدة، انتزعوا وجه نجاة من أغنية قديمة تقول: (ليلة من الليالي فاتونا، عيني لو صحيح نسيونا) سمعتها حين كان عُمري يقف على عتبة العشرينات، وكنتُ أخشى نأي النسيان، كان عُمري يبكي مع صوتها حين تقول: (رحتوا جيتوا، فاكرين نسيتوا، ح تلاقونا يوم ما تيجوا زي ما احنا) كنتُ أبكي قصّة أعيشها آنذاك… لكنّني فيما بعد خيّبت ظن القصة ونسيت، أنجدني الزمن -كعاداته- ومدّ لي حبل النسيان، نسيت القصّة ولم أنسَ الأغنية، لم أنسَ النجاة. في كليب الأغنية الجديدة استدعوا نجاة من ماضيها الذي يتقاطع مع كل ما مضى مني ولي، ربما ليذكروني بأنّ ذاكرتي مع نجاة/مع أغاني نجاة… هِبة تتيح لي أن أعيش زمني الذي مضى مرتين، أعيش عُمري القديم وعُمري الذي سيتقادم مرات ومرات.

بكيت حينها مع أغنية نجاة وكأنّي شخص وحيد يعيش في قرية مهجورة، ويومها سمع دقات على الباب… بكيت مع أغنية نجاة مثل العشّاق الذين ليس لهم وجود إلا في الأفلام، العشّاق الذين يرتبون النهايات، ويفترقون لدقائق يظنونها الأبد، ثم يعودون إلى بعضهم في المطارات، فيُفسحون في صالات المطار مكانًا للأمل، مكانًا لأشياء غير الغياب والوداعات، العشاق الذين يترك واحد منهم الرحلة تفوته ليرتد إلى حضن الثاني… ثم يٌكْتب على مشهد عناقهما (النهاية)…

عن الإبداع والتجريب والسخط والرضا

في مجلة العربي عدد يناير ٢٠٠٢ نشرَ جابر عصفور مقالًا عن أستاذته سهير القلماوي، التي بلغ امتنانه لها وتأثره بها أن سمّى ابنته على اسمها.

يحكي جابر عصفور في المقال عن مواقف أستاذته معه من جانبين: جانب أكاديمي، وجانب إنساني.

في الجانب الأكاديمي يكشف عن خطواته الأولى في طريق البحث العلمي، وتهيّبه من كتابة البحث، وثقته واندفاعه وقلّة خبرته. إذ سلّم أستاذته الفصل الأول وهو يشعر بالزهو والإنجاز الذي يشعر به الطالب المبتدئ الذي لم يدرك بعد مدى اتساع جهله. مزّقت أستاذته أوراق الفصل الأول وأعطته قائمة بمراجع ينبغي عليه قراءتها قبل أن يشرع في الكتابة مدفوعًا بحماسة البدايات، وثقة الجاهل، وأحكامه المسبقة.
بعد هذا الموقف انتابته الوسوسة حتى أصابته حُمّى التمزيق، وكلما توسّع في القراءة والإطّلاع شعر بإتساع مساحة جهله فتراجع عن ما كتب… حتى صارت أستاذته سهير تُخبّئ الفصل الذي ينتهي من كتابته في درج مكتبها وتُغلق عليه بالمفتاح وتطلب منه أن لا يستمر في البحث عن الكمال وأن يبدأ في كتابة الفصل الذي يليه وهكذا…
وظلّت عذابات الكتابة وإعادة الكتابة مرّات ومرّات تُلازم الطالب جابر عصفور حتى في مرحلة بحث الدكتوراه، وظلّت أستاذته ترفض أن تُعيد له الفصول التي ينتهي من كتابتها لتمنعه من إعادة الكتابة من جديد بحثًا عن شعور الرضا.
يقول: “حاولتُ إقناعها بأن أحتفظُ أنا بالفصلين فلم تقتنع، وحكتْ لي ملخص إحدى روايات الروائي الفرنسي إيميل زولا وهي عن رسّام شاب أراد أن يدخل المجد من أوسع أبوابه مرة واحدة بلوحة تُقيم الدُنيا ولا تُقعدها في معرض الفن الحديث. وحبسَ نفسه مع الموديل التي كانت تحبّه، وظلّ يرسم ويمحو ما يرسم وطال الوقت، بل مضى الوقت، وافتتح المعرض وهو لم يفرغ بعد، ومَنّى نفسه بالمعرض القادم، فالمهم أن يُنجز ما لم يُنجزه أحد من قبل، ومرّ معرض ثانٍ وثالث ورابع، واللوحة لا تكتمل، والرسام المسكين يدخل في دوامات الجنون تدريجيًا، إلى أن انتهى به الأمر إلى تمزيق اللوحة بسكين كشط الألوان، وتمزيق جسد حبيبته الموديل، ثمّ انتحاره بعد ذلك”
وعلّقت أستاذته على هذه القصة التي روتها بقولها: “لا يُمكن الوصول إلى الكمال، الكمال مثل أعلى نسعى إليه طوال العُمر. حسبنا أن نقوم في كل مرة بواجبنا حسب قدراتنا التي نصل بها إلى أقصى ما نستطيع من عملٍ وجهد. وكل مرّة ننجزُ فيها شيئًا نتعلّم من إنجازنا، ونقتربُ بهذا الإنجاز من الكمال الذي يتباعد عنّا بقدر اقترابنا منه. كأنّه يُريد أن يدفعنا إلى الصعود…”

عن الجانب الإنساني في علاقة الأستاذة بتلميذها يقول الدكتور جابر عن أستاذته: “اكتشفتُ في سهير القلماوي خلال ذلك الوقت أُمًّا حنونًا إلى جانب الأستاذة، فكانت أمّي التي ذهبتُ لأخذ موافقتها عندما قررتُ أن أخطب زميلتي التي أحببتها وأصبحتْ زوجتي وأمّ أولادي ورفيقة العمر إلى اليوم وشجعتني سهير القلماوي على أنْ أمضي فيما فعلت، بل قامت بدور الأمّ فعلًا وكانت كذلك في حفل الزفاف الصغير الذي أقمناه، بل كانت الأم التي تلقّت ابنتي الأولى التي أطلقنا عليها أنا وزوجتي اسم (سهير) وأصبحت أستاذة جامعية اليوم ولا تزال تذكّرنا بأستاذتنا التي ندينُ لها بالكثير”

….

لقراءة مقال جابر عصفور: هُنا

عبور آمن

ينطلق (جلجامش) في رحلته الطويلة للبحث عن سِرّ الحياة وحقيقة الموت وأمل الخلود، فيصل إلى الجبال التي تحرس ذُراها المتقابلة الفوّهة التي تنزل منها الشمس إلى باطن الأرض، يجتاز ممرّ الشمس السفلي في طريقه إلى الطرف الآخر من العالم، ويجد ذاته على شاطئ بحر الموت الذي يفصله عن جزيرة الحكيم الخالد (أوتنابشتيم)، يلتقي في هذا المكان بملّاح الحكيم يحتطب من أجل سيده العارف بسرّ الخلود، هذا الملّاح هو الوحيد الذي بوسعه إعانة (جلجامش) على عبور بحر الموت. ونتيجة لاضطراب الأخير وهيجانه ينكسر الرقم الحجرية التي تعين على اجتياز البحر المميت. ومياة الموت راكدة والهواء فوقها ساكن، حيث لا ريح تدفع ولا مجداف ينفع. لأن مياه البحر حين تصل إلى يد المجدّف ستقتله لا محالة.
يقترح الملّاح فكرة جيّدة للعبور؛ إذ يأمر (جلجامش) أن يحتطب مئة وعشرين شجرة يصنع منها ستين مجدافًا، وحين يلج قاربهما بحر الموت يجدّف جلجامش بمجداف من المجاديف الستين، يدفع القارب مرة واحدة ويُفلت المجداف بعد الدفع إلى الماء لئلا تمسّ يده ما علق عليه من ماء قاتل، ويستخدم مجدافًا آخر، وهكذا إلى أن يصلا.

ألا تقول ملحمة البحث عن الخلود هُنا أن بوسع البشر عبور البحار الراكدة المميتة، والتشبث بآمال الوصول عن طريق تغيير المجاديف كلما اقترب الخطر.
نعم، لا يُعبر النهر مرتين، لكن المجاديف المتكسرة لا تُغرقنا والمجاديف المبتلّة بالركود المميت لا تقتلنا ما دام بوسعنا احتطاب الأمل، وإفلات كل أمل مميت، والتجديف بآخر…

فراشات خلف القضبان

في سنوات دراستي الجامعية، كانت الجامعة تُقيم بشكل سنوي محاضرات وعظية ترهيبية للتحذير من العلاقات المُحرّمة، ومن مآل الفتيات الخاطئات، ومن الضرر الذي قد يجرّه علينا الهاتف الجوال والمجلات وغرف الدردشة على الإنترنت وكثرة ارتياد الأسواق والعمل المُختلط والركوب مع السائق… الخ، عُنصر الجذب الرهيب في هذه المحاضرات هو استضافة (فتيات الدار) والمسؤولات عنهن، وأعني بالدار السجن المسمى (دار رعاية الفتيات).

في عام ١٤٢٦ تقريبًا أو ١٤٢٥ حضرت لأول مرة محاضرة من هذه المحاضرات، الفتيات المنقبات على المسرح يخبئن وجوههن، يأتين خاضعات خائفات متنكرات لا يكشفن الوجوه ولا الأسماء، يُجلبن من الدار كي يمثلن لنا تجسيدًا حيًا للفضيحة الـمُنتظرة، فتحكي الفتيات قصص القبض عليهن وكيف استغنى عنهن الآباء ورفض المجتمع عودتهن إليه… كلهنّ فتيات تحت سن الثلاثين لأن من تتجاوز هذا العمر تُسجن في السجن العادي وليس في دار الرعاية.

لم نكن نُشفق عليهن، ولم نكن نُشفق على أنفسنا من مثل هذا المصير، حضرنا بدافع الفضول، لنشاهد (فتيات الدار) فقط، الفتيات اللاتي ينتمين لعالم لا نعرفه، ومجتمع لسنا منه، ولن نكون ربما… جلست أنا وصديقتي (وعد) على أرض صالة النشاط التي اتسعت بالكاد للحضور الكثيف، كانت المتحدثة الأولى امرأة تعمل في الدار -مازلت أتذكر اسمها الثنائي- كانت تتفنن في ترهيبنا وتحكي كيف يستقبلن الفتيات بتفتيش دقيق ومهين، تقول إن كل موضع بأجساد الفتيات يُنتهك في هذا التفتيش الدقيق، وبشكل سافر كانت تحكي تفاصيل تفتيش الألبسة الداخلية وما تحتها، تُبرر: لا بد من هذا فبعضهن يُخبئن شرائح الإتصال في أماكن حساسة.

أثناء حديثها عرضت لنا صورة لغرفة ضيقة بفراش على الأرض وقالت إنها الغرفة التي تمكث فيها النزيلة في بداية قدومها، تقول إن هذا الفِراش يأنف الحيوان من النوم عليه، وهنا تُحبَس الفتاة لأيام حتى (ينطحن الحب اللي في راسها) كانت هذه أول مرة أسمع فيها هذا التعبير، فالتصق بذهني، صار مرتبطًا عندي بمشاعر الاختناق التي شعرت بها آنذاك… وزعتْ علينا أوراقًا مصوّرة تتضمن بعض التفاصيل عن قصة (فتاة خميس مشيط) التي كانت تنتظر حكم الإعدام آنذاك، وضاعت حياتها خلف القضبان بعد أن قتلت الشاب الذي كان يبتزها. أخبرتنا أن دور الرعاية سجن حقيقي وأن النزيلات هنّ الفتيات المنحرفات، والفتيات اللاتي يتعرضن لتحرش من الأب أو انتهاكات من السائقين فيرفض الآباء وجودهن… كانت تتحدث عن التحرشات والانتهاكات بشكل سافر ومريع ويحمّل الفتاة كل الذنب، ولكثرة ماصوّرت وحشية وسعار العالم من حولنا ولكثرة ما تكلمت عن إسهامنا بقصد ودون قصد في كل هذا شعرنا يومها أننا عرايا… تكلمت إحدى الفتيات المنقبات عن قصتها، وتفاصيل سجنها، وكيف رفض أهلها استقبالها، حذرتنا من إضاعة حياتنا بالطريقة التي أضاعت بها حياتها، لم تخرج من الدار إلا حين تزوجها رجل كبير في السن، ومعدّد، وقالت: يُعيّرني كل يوم بما ارتكبته… فلا تفعلن ما فعلته بنفسي…

المشاهد التي لا أنساها من ذلك اللقاء، هي الصور التي عرضتها مسؤولة الدار حين بدأت تتحدث عن الجدول اليومي للنزيلات من وقت الاستيقاظ حتى النوم، كانت تعرض صورًا لهنّ أثناء أدائهن للأعمال اليومية، مرتديات شراشف صلاة طويلة تغطي أجسادهن، وجوههن كانت غير ظاهرة في هذه الصور؛ صورة لفتيات يمسحن الأرضية، وصورة أخرى لفتيات يغسلن المطبخ، صورة لمجموعة منهنّ يرفعن قدرًا كبيرًا جدًا عن النار، وصور لتوزيع الطعام، يرافقها تعليق المشرفة التي تقول إن الكل يستيقظ رغمًا عنه، والكل يمسح الأرض وإن وجدنا فيها علامة واحدة فقط نأمرهن بإعادة غسلها من جديد… كانت تتفاخر بهذا القمع والتعسف وهي تظنّ أن استعراضه خير طريقة لوعظنا وتخويفنا.

صديقتي (وعد) التي كانت تجلس إلى جواري، بدأت تبكي ما أن شاهدت الصور، وازداد بكاؤها حرقة حتى وصل حدود الإنهيار، التعليق الوحيد الذي كانت تكرره وهي تتشبث بكتفي وتبكي وتحاول أن لا تنظر لشاشة العرض، هو: (البنات صغاااار، بنات زينا زينا وأجسامهم صغيرة زينا) واستمرت في البكاء وتكرار هذا التعليق الغريب، ربما تصورت وتصورنا جميعًا أنّ لهؤلاء الفتيات صورة مغايرة لنا تمامًا، وكأنهن من عالم لا ينتمي لنا، ولا يشبهنا، ولا نعرفه، ولن نعرفه… وحين شاهدت صورهن هالها أنها رأتني ورأت نفسها في هذه الصور… ورأتنا جميعًا في مثل هذا الحال.

لا أعرف إن كان هذا النوع من المحاضرات مازال يُقام في الجامعات، لكنّ بنات جيلي يتذكرنه بلا شك… وأنا مازلت أتذكر كيف خرجت يومها من قاعة المحاضرة وفي داخلي شعور ثقيل ثقيل، لشدة ثقله شعرتُ أني غير قادرة على الاستمرار في الحياة، فقدمي محاطة بالمصائد وكل شيء مريع مريع…

أَزيدَ في الليل ليلُ؟

يتفرّس الليل في وجه حزني، والحزن يحرّض كل شعور قاتم: شعور العجز، شعور الحسرات، شعور تأنيب الذات، وشعور حُرقة القلب على المظلومين الذين تتخطفهم أيدي السلطة ومناجل البطش…
يتفرّس الليل في وجه حزني، و”الحزن يولد في المساء لأنّه حزن ضرير” كما يقول صلاح عبد الصبور الذي قتله الحزن الضرير في ليلة خاض خلالها نقاشًا حادًّا مع رفيقه أمل دنقل الذي يقول عن حزنه: “أتصبب بالحزن بين قميصي وجلدي” دار ذاك النقاش بين صلاح ودنقل في بيت أحمد عبد المعطي حجازي الذي استفرد به الحزن حتى قال: “هذا الزحام لا أحد” وفي قصيدة أخرى يقول: “أنا هنا لا شيءَ، كالموتى، كرؤيا عابرة. أجرّ ساقي المجهدة”
في تلك الليلة اتّهم أمل دنقل رفيقه صلاح عبد الصبور بالخيانة، لأنه قبل منصب وزارة الثقافة في حكومة السادات القمعية الخائنة، فخوّن أمل دنقل رفيقه حتى خانته حياته، فمات ما أن عاد إلى بيته، مات ميتةً تفضح تغوّل السلطات فينا، تغوّلها بيننا وبين أصدقائنا، بيننا وبين نفوسنا أيضا، تغوّلها في سخطنا ورضانا، في فشلنا ونجاحنا، في سعادتنا وأحزاننا، وفي زهونا وعارنا…
يتفرّس الليل في وجه حزني، حزني على كل نكبات هذا العالم المنكوب بنا، المنكوب بالبشر “حزنٌ يسدّ فضاء الرئة” كما يقول محمد الثبيتي الذي رحل عن العالم ليلة رحيل بن علي من تونس. رحل الثبيتي في تلك الليلة التي سمعت فيها الشعوب صوتها لأول مرة فقالت: (الشعب يريد)، تلك الليلة التي آمنت فيها الحشود بذاتها وبنصيبها من الشمس والهواء والحرية والربيع، الربيع الذي وُلِدَ حينذاك فأوهمنا بإنّه جاء ليمحو سنين الجدب والخوف… وصدّقناه بسذاجة، فبدأ في تصفية أحلامنا بحنكة قاتل متسلسل يقتلنا بشعور العجز ويكتم أنفاسنا ويصادر الهواء، ولا يُبقي لنا إلا “حزنٌ يسدّ فضاء الرئة”

يتفرّس الليل في وجه حزني، هذا الحزن اليومي، الأزلي، الأبديّ على كل نكبات العالم المنكوب بنا، المنكوب بالبشر، المنكوبة فيه، المنكوبة معه بحزني، بحمولات حزني التي لا تُنقِص من حزن العالم أي شيء…

ماركيز والسينما

كان ماركيز شغوفًا بالسينما، مفتونًا بها منذ طفولته يتذكر في كتابه (قصص ضائعة) جيشان الفضول الطفوليّ الذي دفعه إلى أن يُطالب ككل الأطفال بالذهاب إلى ماوراء الشاشة لرؤية أحشاء هذا الاختراع المبهر، وكانت دهشته عظيمة حين لم يرَ شيئًا سوى الصورة ذاتها مقلوبة. لكنه لم يفقد شغفه وانبهاره. كبر ماركيز وسافر إلى روما ليتعلم أسرار المخرج الإيطالي (زافاتيني)، عاد بعدها إلى كولومبيا وكتب في النقد السينمائي مخالفًا رغبات دور العرض التي كانت تفرض على الصحف أن تكتب نقدًا مهادنًا وإلا ستسحب إعلاناتها، كسب ماركيز المعركة فكتب نقدًا صادقًا رفضته دور العرض في البداية ثم رضيت به وتقبلته. فيما بعد اتّجَه ماركيز نحو المكسيك يدفعه شغفه بالسينما إلى محاولة المساهمة في صناعتها، فحاول أن يكون مخرج أفلام، لكنّه اكتشف أن اختلاق العوالم في السينما أصعب من اختلاقها في الأدب، يقول: “أدركت أن هناك حدودًا في القالب السينمائي لا توجد في الأدب، وأصبحت مقتنعًا أن عمل الروائي هو أكثر عمل حُرّ على وجه الأرض فأنت هنا سيد نفسك تمامًا”
ولذا صرف النظر عن العمل كمخرج وبدأ في كتابة سيناريوهات لأفلام قال إنه لم يتعرف عليها حين شاهدها على شاشة العرض بعد ذلك. عن تلك التجربة يحكي ماركيز قائلًا: “وحتى بعد أن كتبت سيناريوهات لم أكن أتعرف عليها فيما بعد على الشاشة، بقيتُ على قناعتي بأن السينما ستكون صمّام الأمان الذي سأفلتُ منه أشباحي، وقد تأخرتُ زمنًا طويلًا للتوصل إلى القناعة بأنّ الأمر لن يكون كذلك. وفي صباح يوم من أيام تشرين الأول ١٩٦٥م وكنتُ مُرهقًا من رؤية نفسي وعدم التعرف عليها جلستُ مقابل الآلة الكاتبة، مثلما كنت أفعل كل يوم، ولكنني لم أنهض في تلك المرة إلا بعد ثمانية عشر شهرًا ومعي الأصول الناجزة ل(مئة عام من العزلة) فأدركت أثناء ذلك العبور للصحراء أنه ليس هنالك من عمل للتحرر الفردي أروع من جلوسي وراء آلة كاتبة لابتداع العالم”
بعد هذه التجارب لخّص ماركيز علاقته بالسينما قائلًا: “علاقة زواج غير موفق. بمعنى أنني غير قادر على العيش دون السينما وغير قادر على العيش معها”

في رواية (مئة عام من العزلة) التي كتبها ماركيز حين كان يحاول كتابة سيناريوهات أفلام تظلّ شبيهة بذاتها حين تخرج من حيّز الورق إلى حيّز الصورة، يحكي ماركيز حدثًا لا يُنسى يتعلق بالسينما، حين بدأت الاختراعات تتوافد على قرية (ماكوندو) وتُبهر الأهالي بسحرها حتى صاروا لا يعرفون من أين تبدأ الدهشة. كانت (السينما) إحدى هذه الاختراعات التي فتنتهم بسحرها، انبهروا بالحياة الموازية التي انعكست فيها، فدفعوا أموالًا لشراء التذاكر كي يشاطروا أبطال الأفلام معاناتهم، في أحد الأفلام شاهدوا رجلًا يموتُ ويُدفن فبكوا عليه وتأثروا بمعاناته، لكنهم شاهدوا الرجل الميت يظهر في فيلم آخر وقد عاد إلى الحياة وكأنه لم يمت وكأنهم لم يبكوه من قبل، شعروا بمرارة الخديعة التي تعرضوا لها، عبّروا عن سخطهم بتكسير المقاعد… فاضطر العمدة أن يقدّم لهم إيضاحًا شرحَ فيه أن السينما ليست حقيقية بل آلة وهم. وحيال هذا الإيضاح المخيّب للآمال قرّر الأهالي الامتناع عن الذهاب إلى السينما فلديهم مايكفي من الأحزان ولا حاجة بهم لأن يبكوا نكبات مصطنعة لكائنات وهمية. اكتفاء أهالي (ماكوندو) بحياتهم وأحزانهم الحقيقية يتقاطع مع اكتفاء ماركيز بعوالمه السردية التي يعرفها جيدًا حين يبتدعها على الورق، لكنّه يُنكرها حين تتنازعها أيدي الممثلين والمخرجين والمنتجين… تمامًا كما أنكر أهالي القرية وجه فقيدهم، الممثل الذي بدّد حزنهم بين أكثر من فيلم وأكثر من حكاية.

ذكريات نديّة عن جدب الأمنيات

من سيرة المغني المغربي العربي باطما، في الجزء الذي عنوَنه بـ(طي الضلوع القبيح) وحشد فيه ذكرياته المُرّة، يقول عن الفقر: “أذكر في يوم، ونحنُ بالقسم، وكان ذلك في السنة الثانية ثانوي، كان الدرس عن الطبيعيات، فقالت لنا أستاذة عراقيّة بأنّ على أيّ شخص وهو يأكل أن يلوك اللقمة في فمه ثلاثين مرة على الأقل، ليتسنى للمعدة عملها الهضمي. فرفعتُ إصعبي، وقلتُ لها: يا أستاذة إنّ عائلتي تتكوّن من عشرة أنفار وعندما تطبخ أمّي طاجين (لبطاطا واللحم) تمتد الأيادي إلى الإناء وتعمّ الفوضى، فإذا لُكتُ اللقمة ثلاثين مرة فإنّي لن أجدُ شيئًا في الإناء… وضحك الطلبة، ووافقوني على ذلك لأننا كنّا نُعاني نفس المشكل العائلي. ولم تجد الأستاذة بُدًّا من طردي سبعة أيام، وكانت تلك أول مرة أُطْرَد فيها… لقد مضى ذلك الزمن. أنظرُ إليه الآن من فوق، وأراه في وسط مستنقع الزمن كشيء ثابت لا يتحرّك. وقد أبتسم”

حين قرأت هذا المقطع من الكتاب، استدعى ذهني ذكرى أختين فقيرتين من زميلاتي في مدرسة القرية، زاملتهما قبل حوالي ستة وعشرين عامًا، تذكّرني بهما سيرة الفقر، والفقر مؤذٍ دائمًا، لكنه يصير قاتلًا حين يشذّب رغبات الأطفال. أتذكرهما الآن، فأراهما وسط مستنقع الزمن كشيء ثابت لا يتحرّك، ولا أبتسم. أتذكّر حين يصيبهما الزكام فترافقهما منشفة مربّعة كُنّا نضحك كلما أخرجتها إحداهما من الدرج لتمسح أنفها. عرفتُ في وقت متأخّر أنّ سعر المناديل الورقية كان يسبب عجزا في ميزانية الأُسرة الفقيرة العاجزة عن اللحاق بالمتطلبات الأساسية لا الكماليات. أتذكر الأختين جيّدًا، إحداهما طويلة ونحيلة، والأخرى في طولها أيضا لكنّها بدينة. في الصف الثاني الابتدائي، كانت معلمة العلوم تشرح درس النمو، تقول إننا ننمو جميعًا ونعتقد أنّ ملابسنا تضيق وتقصر علينا، والحقيقة أننا نحن من يطول ويكبر… قالت المعلمة لتقرّب فكرة النمو من أذهاننا: “مريولك وجزمتك حقة هذه السنة هل هي نفسها حقة العام؟ لا طبعًا… لأنكم كبرتوا” فاستدركتْ الأخت البدينة على كلام المعلمة بكل براءة وعفوية، قالت إنها ترتدي مريولها القديم وحذاء السنة الماضية. أتذكّر الموقف بتفاصيله الصغيرة، فقد نظرت في تلك اللحظة إلى حذائها، وكانت قدمها الكبيرة تنحشر فيه، فصار ممزقًا من الأمام تبدو مقدمته كفمٍ ضاحك يكشف أصابع قدميها…

حدث هذا في مدرسة القرية، حيث لم نعرف الفروقات الكبيرة، حين كنتُ أظن أنّ أسرتي المتواضعة غنيّة جدًّا ومن أعلى مستوى، لأن الغالبية إن لم يكن الجميع كانوا في مستوانا المادي أو أقل… فالقرية لا تضمّ إلا قرطاسية يتيمة، ومحل ملابس وحيد، ولذا كانت حقائبنا شِبه موحدة، وأحذيتنا متقاربة الشكل والسعر، وكل ما نملكه لا يمنحنا زهو التميّز… فماذا عن الأطفال المحرومين اليوم؟ بمَ يشعرون في هذا العالم الذي صار فاترينة لمعروضات باهضة؛ سفريات منقولة مباشرة بالصوت والصورة، تسوّق موثّق بالتفاصيل، سنابات وفيديوات مشترياتي من كذا وكذا، ممتلكات تتبع نظام الموضة، فتصعد على منصة العرض المكشوفة للجميع ثمّ تتوارى سريعًا لتصعد الموضة الجديدة، والجميع يركض خلف الجميع… الجميع يركض ولا يصل. ما حال الأطفال الفقراء اليوم الذين يدهسهم هذا الركض؟ كيف يحتمل حرمانهم فيض هذه المظاهر؟

يقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “لو كان الفقر رجلًا لقتلته” لكنّ الفقر لا يتمثل في صورة رجل، ولا عدة رجال ولا حتى في صورة جيش بربري كاسح. الفقر مأتم أزلي، مأتم المباهج والأمنيات، مأتم الطفولة ونداوتها، ولا توجد حيلة لتفادي وجع المآتم.

حين أقف على باب هذا المأتم أتذكر (لطيفة) زميلة طفولة عرفتها في مدرسة القرية أيضا، كنتُ أراها طوييييلة جدًا، وكبيرة جدًا، ولا أعلم إن كانت كذلك فعلًا؟ أم أن ذاكرتي تتبع قوانين الطفولة حين كانت الأشياء تبدو دائمًا أكبر من حقيقتها، وأهون من حقيقتها أيضا.

(لطيفة) بنت سمراء تدرس في الصف الثالث، في الوقت الذي كنتُ فيه الطالبة الأقصر قامة بين طالبات الصف الأول الابتدائي، بنية جسدي الصغير أغرتها بأن تحملني بين يديها وكأني طفلة في السنة الثانية من عُمري لتركض بي في ساحة المدرسة أمام بقية الطالبات. كانت تظن أنها تُلاعبني، فيما كنتُ أرى أنها تُهينني بهذا الفعل، تستصغرني، تحقّر وجودي. كنتُ أشتعل غضبًا، وغضبي يُعجبها، فتكرر فعلها دائمًا. ترفعني إلى الأعلى وتركض بي أمام بقية الطالبات، فأغرس أصابعي في شعرها الأكرت القصير وأشدّه بعنف حتى يخرج من (بكلتها) ويقف متيبسًا بشكلٍ بشع. حين تتعب من الركض بي، تُنزلني وتُحاول أن تُعيد ترتيب شعرها النافر. فألعنها وأشتمها بألفاظ عُنصرية تُذكّرها بسوادها وقُبحها وخشونة شعرها، وهي تضحك ولا تأخذني بجديّة أبدًا. في مرة من المرّات التي حملتني فيها وركضت بي في ساحة المدرسة، كنتُ كعادتي أغرس أصابعي في شعرها وأشدّه وأصرخ وألعنها والطالبات يركضن خلفنا ويضحكن. حتى وصل الضجيج إلى غرفة المعلمات، ففتحت إحداهن النافذة المطلّة على ساحة المدرسة، وشاهدت المنظر، فاستدعتنا، استمعت إلى تظلمي وشكواي. وخرجت من عندها، واستبقت (لطيفة) مثيرة الشغب. لا أعرف ما الذي دار بينهما، لكنّ (لطيفة) لم تحملني بعد ذلك أبدًا. أختي التي كانت تدرس في فصل (لطيفة) وتعرفها عن قرب، قالت لي وقت عودتنا في الباص الأصفر الكبير: “شفتِ الصنادق الحديد اللي جنب المدرسة؟ لطيفة فقيرة جدًا وساكنة هناك، حرام عليك تشتكينها عند الأبلات”

ظلّ كلام أختي يحرق قلبي في نيران التأنيب لفترة طويلة، ورُبما مازال دخان التأنيب منتشرًا في عتمة الذاكرة. الباص الأصفر الكبير كان يمرُّ دائمًا بجوار (الصنادق الحديد) أو بيوت الصفيح التي تقطنها (لطيفة). فأتذكر ضحكتها، وشعرها الأكرت وقد طار بشكلٍ بشع. وأشعر بغصة عميقة، وإحساس بالذنب أحاول أن أمحوه بأن أُبادلها الابتسامة كلما رأيتها، لكنها لم تعد تضحك لي، ولم تجرؤ على حملي والركض بي بعد ذلك اليوم أبدًا.

منذ سنين طوال لا أعرف عن لطيفة أي شيء، وددتُ لو أعرف طريقًا يؤدي إليها، لأخبرها أنّي ما زلتُ أشاهدها وسط مستنقع الزمن كشيء ثابت لا يتحرّك، ولا أبتسم ابتسامة العربي باطما حين يتذكر ماضيه، بل أحملها في صدري طوال هذه السنين، كما كانت تحملني من قبل…